ما كان يمكن ان تولد هذه المدونة وتجد طريقها للنشر، لولا ان خيبة الامل كانت كبيرة بكبر الاحلام او اضعافها، ولولا اننا كلما حاولنا طريقا اغلقت في وجوهنا…
لا ادري من الذي حفر في نفس الطفل الذي كنته افتراضا، او ما الشيء الذي دفع هذا الطفل نحو الدروب الوعرة، غير النافذة.
بالكاد اصبحت مراهقا، عندما عرض علي الانتماء الى الحزب الشيوعي الاردني/الكادر اللينيني. فوافقت سريعا ووجدت نفسي في سن السادسة عشر منخرطا فيما لم ينخرط فيه اترابي.
اجتماعات حزبية نرتبها او نروحها بسرية مطلقة، نتحدث فيها بصوت منخفض، فللجدران اذان.
اجتماعات نناقش فيها كل شيء السياسة العربية والدولية، كتب الماركسية المدرسية، اخر مستجدات الوضع التنظيمي والمتفرقات والنقد والنقد الذاتي.
كم كنا غرباء حينها عن واقعنا وثقافتنا وتاريخها، نعرف عن موسكو اكثر مما نعرف عن الاردن وعن العرب وعن المنطقة وتاريخها.
وكم بدا العالم بسيطا، فهناك الرجعيون وهناك التقدميون، وهناك الحزبيون وفي مقابلهم العامة والجهلة والمخبرين، وهناك الاتحاد السوفياتي، المدينة الفاضلة، والعالم الراسمالي القذر والموحش.
عالم من الثنائيات المبسطة جدا. عالم يقف على ساقين، هكذا كانت الحياة ولكنها ستنتهي واقفة على قدم واحدة عندما تصنع الطبقة العاملة جنتها على الارض بعد ان نحررها نحن “الطليعة الواعية” من خوفها ومن قيودها التي لن “تخسر سواها”، ونسلحها بوعيها الطبقي وننقلها من “طبقة بحد ذاتها الى طبقة لحد ذاتها” تعي دورها التاريخي ومصلحتها في التغيير.
عالم ليس فيه من الكتب سوى كتب “دار التقدم”، وتبسيطها لنظريات وافكار عقلانية هبطت على عالم خرافي محكوم بالتدين والحكم الريفية والقيم العشائرية والعائلية وسلطة ابوية لا تعرف اي معنى لحرية الاختيار والتفكير. وسوى ذلك ما هي الا انحرافات يمينة او يسارية طفولية او رجعية.
عالم ليس فيه من الادآب سوى روايات “الدون الهاديء، وكيف سقينا الفولاذ والام لمكسيم غوركي، ومناضلون في سبيل وطنهم السوفييت. ما عدا ذلك محض هراء برجوازي او برجوزاي صغير لا يفيد الطبقة العاملة انما “يخدرها” ويتركها في الوهم والضلالة.
اما الموسيقي فهي اما “ملتزمة” واما هابطة، اما ان تسمع للشيخ امام ومارسيل خليفة وزياد رحباني ومن لف لفهم وتكون تقدميا ملتزما ،او تسمع “تاوهات” ام كلثوم فتكون رجعيا تسهم في هزيمة الطبقة العاملة، كما قيل سابقا من انها كانت احد اسباب هزيمتنا في حرب الايام الستة.
الى يسار اليسار در!!
على ان سلمية الحزب واصلاحيته، وضعف او غياب انجازاته، ونفاذ صبر المراهق المتمرد على مراكمة التحولات الكمية لتحدث تغييرا نوعيا، ورفضه تفسير الحزب لقانون صراع الاضداد في مستواه القومي، بما لا يحل التناقض مع “العدو الصهيوني” محلا رئيسيا يعلو فوق التناقض مع “البرجوازية”. وعدم ايمان المراهق بنفي النفي الذي يحمله المجتمع الرأسمالي الاسرائيلي لوجوده دون تسريع هذا النفي عبر “قابلة التاريخ” واقصد “العنف”.
لم يكن امام هذا المراهق الخارج توا من طفولة مفقودة، طفولة ممتحنة ببلاء الفقر والقسوة، سوى ان يختار طريقا اكثر تمردا. طريقا عمدته “الدم”، الذي لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى ما لم يراق على جوانبه هذا السائل الاحمر القاني، طريق استعادة ما اخذ بالقوة لا يسترد بغيرها.
وهكذا كان، فمع اول سانحة التحقت بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبعد فصلي من منحة الجامعة، وعجز اهلي عن دفع اقساطي الجامعية، وجدت نفسي اتزيا بلباس العسكري في لبنان مزهوا بشعار الجبهة على جهة القلب وصورة تشي غيفارا جنبها.
ويبدو انني حضرت متاخرا، فالثورة التي كنت احلمها، وكانت تروادني عن نفسها ظاهرة نقية متعففة عن متاع الحياة الزائل، وجدتها وقد حالت رسما كاريكاتوريا مشوها عن الواقع، “ثورة” وقد سمحت لكل فظاظات الحياة تنسل الى جسدها وتفتك به، وبدلا ان تكون مشروعا لتغيير الواقع، اخذ قادتها يتبجحون او “ينظرون” بانهم ابناء الحياة، من الواقع المر خرجوا واليه يعودون.
ولما كان الحال كذلك، فقد تغولت “الابوة”، وتمادت في سلطتها وقد جنت من المال الكثير، هذا من “دعم” الدول العربية، وذاك من تجارة سرية، واخر مما سلب في حروب القبائل الوطنية واليسارية من بنوك بيروت ومحالها.
وقد زادت الحرب الاهلية في لبنان، من سلطة الابوات، والقادة، فعظمت جيوشهم وكثرت مكاتبهم، وتفرغ لها اقوام كثيرة، وبات لهم رتبا ومراتب ورواتب.
واذا كان ”اليمين الفلسطيني”، لم يقدم نفسه يوما بوصفه ممثلا للفقراء ولا مبشرهم بالجنة الموعدة، فقد وجد لنفسه ملاذا من النقد. فيما كان “اليسار الفلسطيني”، اضعف كثيرا في درء النقد وتاليا فيي فقدان “جماهيريته”.
هناك، وجدت “القادة” وقد تطالوا في البنيان وتنافسوا في جمع المرافقين، وساروا في مواكب اين منها مواكب الوزراء والامراء، وكل ذلك تحت حجج الحماية وامن “القيادة”.
على ان هذه القيادة استمرأت الحال فعطلت ما كان من بواقي الديمقراطية، فغابت المؤتمرات تحت حجة “عدم توفر الشروط الموضوعية والذاتية لعقدها”، وتعطل النقد تحت ذارئع “عدم فتح ثغرات للعدو في الاوقات الحرجة”، وتكاثرت الاعطيات لاسكات البعض المطالب بحصة من الكعكة، واستخدمت الاموال لجمع الازلام.
وكان في وعي او لاوعي هذه “القيادة”، بناء ما تسميه “التنظيم الحديدي”، وهو تنطيم لينين الذي يقوم على مركزية مشددة وديمقراطية مخففة، وقد خدمت هذه الصيغة، من وصل الى منصب او كرسي فاحتفظ به طويلا، فالوقت ليس للتغيير، والمرحلة تتطلب حكمة المجربين لا تجربة الشباب.
وهكذا وجدت “حفنة” من الناس القادمين من هوامش الطبقات نفسها وقد اعتلت واعلت وتسلطت، وعوضا عن نقل “الوعي الطبقي للطبقة العاملة”، امتلكت هذه ”الطبقات” الجديدة القادمة من الفراغات ومن الهوامش والاطراف، وعيا بوضعها وامتيازاتها المادية والمعنوية، فهي دائمة الحضور في وسائل الاعلام، تستقبل استقبال الرسميين في بلدان ”المعسكر الاشتراكي وعلى راسها الاتحاد السوفياتي”، تسافر في كل الدنيا على الدرجات الخاصة، تقيم في ارقى فنادقها، وتمنح لها الاجازات السنوية في افضل منتجعات البحر الاسود وفارنا وفراديرو وغيرها.
وهي بيدها المال، تعطيه من تشاء وتنزعه او تمنعه ممن تشاء، وبيدها مقادير العباد الذين وجدوا انفسهم في ميعة التفرغ، وقد هجروا بيوتا وجامعات وهربوا من بلدان قمعية واحرقوا سفنهم على حدودها فليس لهم مفر سوى الخضوع وكبت الحلم. وتحسر على ماض فات والندم على زمن مضى كانوا فيه تحت رحمة مجتمع واسع فاصبحوا تحت رحمة “الغيتو” تضيق عليهم الدوائر فلا هم افرادا في مجتمع مدني يمارسون حياتهم بقدر من الحرية متاح ولا هم حققوا حلما قراوو عنه او سمعوا فيه اسمه “الثورة” حيث لا ظالم ولا مظلوم ولا حاكم ولا محكوم.
وكانت “النفايات التي طارت من الطبقات” لا تنفك تحاصر اتباعها وتضيق عليهم، حماية لنفسها ومصالحها، فلم تتوان عن استخدام اي سلاح يضمن لها غلبتها وشدة قبضتها، فضيقت “التنظيم الحديدي”، فوزعته مراتب كثيرة لا يتسلقها الفرد الا بشق النفس او بالتامر والاستزلام وبعد مضي سنين عديدة، ومراحل في التقييم تاخذ الناس مأخذ رجل واحد، نقييما لا يقيم للفردية وزنا، وهي من تضعه وتوافق عليه اولا واخيرا فبيدها مشكاة الغيب ومصابيح المعرفة والحق والحقيقة المطلقة، وهي من يعرف ما يضر الناس ويذهب سدى وما ينفعهم فيمكث في الارض.
وقد حاربت هذه “الابوة” الجديدة، كل تجاه يدعو للديمقراطية تحت مسميات محاربة “الليبرالية البغيضة والافكار المنحرفة”، ومنعت الكلام المباح تحت عنوان “مكافحة الثرثرة”، وهي تدري او لا تدري، ان “الثرثرة” المقصودة، كانت تعبيرا عن نزوع انساني نحو المعرفة حين تنغلق عليه قنواتها ومجاريها الطبيعية، وهي والحال هذه، كالاشاعة لا تنمو ولا تزهر الا عندما تحجب المعلومة الحقة.
هكذا نشأت سوق سوداء للمعرفة وتنظيم مواز قوامه العلاقات الشخصية وصلات القربى وتقارب الافكار، فسادت الشللية التي قالوا انهم يحاربونها، وشاعت وفاعت التسريبات واصبح ما يحجب عن عضو التنظيم ملك يمين الاخرين، وبات الاختراق والتسلق والتملق سيد الموقف. ولم يعد العضو الذي امضى سنينا في التنظيم مستعدا لبذل الاحمر القاني في سبيل الهدف، بل انه اصبح يطالب بامتيازاته ونقله وتفريغه في المكاتب، فخلت القواعد العسكرية اللهم الا من مراهقين قادمين توا من مخيمات الشقاء.
واذا تمننت هذه القيادة على الاعضاء، وعقدت مؤتمرا فلا تقارير مالية او تنظيمية، فالعدو على الابواب، والمرحلة لا تحتمل كشف مصادر الحزب المالية ولا نفقاته. ولا تحتمل كشف كل ما يمكن ان يشف عن وضعه الداخلي، الذي يجب ان يبقى سرا ويبقى “متينا” عصيا على الاختراق.
على ان هذه الفئة لم تكن تملك ما يؤهلها لتتبوأ مكانتها، فكان احد هؤلاء القادة، مثلا، تعذبه معرفة السبب الذي يبقي الخبز طريا في اكياس البلاستيك، واخر يقف مدهوشا امام قدرة جهاز الفاكس على تطيير واستقبال الورق لمسافات بعيدة، وثالث لا يميز بين اندريه جيد المفكر الفرنسي وكلمة جيد في اللغة العربية، واخر لم يجد سوى وصف مائدة طعام عامرة لتشبيه ما كان يريده من مجلة الحزب في تنوعها امام حشد كبير من المثقفين العرب، فهو يريدها متنوعة في السياسة والثقافة والدراسات تنوع مائدة طعام فيها حمص وتبولة ومشاوي وغيرها، واخر كان مسؤولا عن دائرة الحزب الايديولوجية ثم اصبح فتاحا يقرأ بالفنجان والكف في قرية لبنانية معزولة شمالا.
وكان ما سوف يكون، فضمحل التنظيم، وبات مجرد ذكرى، بقايا صور او طلل يقف عليها الحالمون والنادمون، ومن لا يزال تائها او مجبرا.
الاستاذ محمد عمر
اولا شكرا على هذه التدوينة الجميلة.
هذه اول مرة اقرأ تحليلا بهذا العمق عن ظاهرة الاحزاب العربية. وعن قياداتها التي تحولت فعلا الى اقطاع جديد.
عبدالله خليل | 29/12/2007, 09:41
Thank you so much. This is an awsome testemony of what’s went wrong at your generation.
The Observer | 29/12/2007, 09:42
سيدي محمد عمر :
كم اود ان اشكرك بحقد..أو ان احقد عليك بامتنان..أنا شيوعي متشدد ولكني ادين بمثل هذه الحقائق التي تفضلت انت بها للعالم اجمع..ان العيب ليس في ايديولوجية الشيوعية بل في تلك النفايات التي تطايرت الى الأعالي و استقرت هناك..ترمينا بالفتات و بعض كتب..آه كم وددت ان اقبل جبهتك لهذه الكلمات..لكنني اعود لأطلب منك اعتذارا او توضيحا صريحا تمتدح فيه صادقا اهداف الشيوعية و تذم فيه زوداُ اولئك القادة المتسلقين..
عذرا للاطالة..ما اخذ بالقوة لا يسترد بغيرها و الخلود لرسالتنا!! ;)
ghassankhaliil | 29/06/2008, 17:27
لم أستغرب هذا التحليل وربما الجديد فيه أنه يأتي من حزبياً عاش الحياة الحزبية فقد قرأت عن مشاكل الأحزاب العربية في عدد من الكتب، ولكن كان أجملها ما كتب في أحد كتب سلسلة عالم المعرفة الكويتية عن الأحزاب العربية والمشاكل المحاطة بها.
وما تحدث به حليم بركات في كتبه التي نشرتها له سلسلة الوحدة العربية عن المجتمع العربي وآفات الأحزاب فيها، ثم ما يزال الحزبيون يعلقون لماذا الشعب العربي لا يحب التحزب؟! أنظروا إلى أخطائكم ثم ناقشونا
ودمتم بخير
صبا أبو فرحة | 30/06/2009, 15:08
تحليل وضع الاحزاب العربية مهم جدا و هناك نقص كبير لهذه المواضيع.
داود كتاب | 29/12/2007, 09:40 [ الرد ]