من المفروض الآن أن أكون مشغولا بتقرير مستعجل، وليس مستعجلا وحسب بل سيدر عليّ دخلا جيدا..
لكن ليس عندي الحماس للبدء في كتابة التقرير. على كل هذه هي عادتي ولم اشتريها، على رأي المثل: " عادتك ولا بدك تشتريها"، يعني انا دائما أؤجل عمل اليوم إلى الغد...
المهم، كعادتي أيضا أتحمس لكل جديد. وعندي جديد يستحق ان أتحمس له بشدة...
أما جديدي فهو عرض تأسيس "مركز لدراسات اللاعنف" في المنطقة.
أما حماسي للفكرة فهو يأتي من انني اعتبر نفسي شخصا مسالما. وكنت في وقت من الأوقات اصف نفسي بداعية لـ للاعنف...
حكايتي....
وقد جاء ذلك بسبب انخراطي في الحروب أو معايشتي لها، وانخراطي في أحزاب "عسكرية" خلفت كوارث ومصائب للشعب العربي عامة والفلسطيني خاصة...
عندما كنت مراهقا، وبالتحديد عندما أنهيت الصف الأول ثانوي، انخرطت في حزب ماركسي أردني كان يدعو للإصلاح والتغيير وحل النزاعات بالطرق السلمية.
لكني ككل شاب، والشباب وحش نافذ الصبر، غادرت هذا الحزب لاني تحولت الى "قناعات" جدية بعدم جدوى الكفاح السلمي، ووجدت نفسي مؤمنا بشعار فارغ هو "السياسة تنبع من فوهة البندقية"، واعتقد انه مقولة للزعيم الصيني الأهبل ماو تسي تونغ.
وهكذا غادرت هذا الحزب المسالم لانخرط في تنظيم فلسطيني ماركسي يرفع شعار "الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين"...
وما أن انقضت عدة أشهر في هذا "التنظيم الكفاحي الحديدي"، حتى وجدت نفسي مفصولا من منحتي في الجامعة الاردنية.
وطالما أن أهلي غير قادرين على الإنفاق على تعليمي، فقد وجدت في الأمر فرصة ان أغادر الأردن والتحق بـ"الثوار" في جنوب لبنان لتحرير الأرض العربية السليبة، وكنت بعد صبيا لم أزل في التاسعة عشرة من عمري..
وهكذا كان...
لم اكن قبل ذلك اعرف المعنى الحقيقي للحروب، ولم اختبر حقيقة قول الشاعر زهير بن ابي سلمى في معلقته الشهيرة :"
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم* وما هو عنها بالحديث المرجم
متى ما تبعثوها، تبعثوها ذميمة* وتضر إذا ضريتموها فتضرم"...
كانت كل تجاربي مع الحرب مجرد مشاهدات في حرب حزيران عام 1967 وحرب أيلول 1970.
على قسوة هذه المشاهدات ، وعلى قسوة عيشي خلالها، إلا أنني بقيت بعيدا عن أن أكون "لحما لمدافعها"...
المهم...
غادرت الأردن والتحقت بـ"الثوار" في جنوب لبنان، وبدأت عمليات تدريب على الأسلحة الخفيفة ثم انخرطت بقاعدة عسكرية محاذية لحدود "الفردوس المفقود" او "سيدة الأرض التي كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين"...
غرني أنني شاب، وأعجبني اللباس العسكري وفكرة أن أعيش في خيمة خضراء تحت شجر الزيتون مرة وتحت شجر الليمون مرة..
وغرني السلاح، زينة الرجال، احمله على كتفي واسهر الليالي متحفزا في انتظار البرابرة...
ما ان قضيت في القاعدة العسكرية هذه عدة أشهر حتى تم نقلي للعمل في بيروت، متفرغا في مكتب الامين العام.
ثم اندلعت حرب اجتياح لبنان عام 1982 في اليوم الذي كان من المفترض فيه ان اقيم انا وزوجتي حفل زفافنا، في الخامس من حزيران، وقد كنت اشتريت كل لوازم العرس، بذلة سموكن كحلية اللون مناسبة جدا، وحذاء اسود جميلا، وربطة عنق، وذبلة الزواج والعصائر وقالب الكاتوه ..الخ.
طبعا حفل الزفاف طار، ولا زلت احلم بصورة عريس ببذلة كحلية جميلة وعروس ببذلة عرس بيضاء بكشاكش وسلسلة ذهبية في العنق وتسريحة جذابة، تزين احد جدران الصالون او كومدينة غرفة النوم...
وشهر العسل الذي كنا نحلم ان نقضيه بين ربوع اللاذقية الخضراء وعلى ساحل بحرها الازرق، بين اهل العروس الجميلة، تحول الى اشهر دم ، الى 83 يوما من حصار الموت والقتل والقذائف المنهمرة على رؤسنا كزخات المطر...
ثم لم تمض ايام ثلاث حتى بات الجيش الإسرائيلي على مشارف بيروت، ثم احكم حصاره حولها في منتصف شهر حزيران، وبدأ جحيم المعارك الحقيقي، قصف يومي من البر والبحر والجو...
مئات القذائف تنهمر في الدقيقة. كل أشكال القذائف: العنقودية، الفسفورية، الانشطارية، الفراغية، القنابل الموجهة بالليزر، ورشاشات الطائرات، التي كنا نسميها الـ800، نسبة الى عيار الرصاصة، تمشط الشوارع...الخ
سماء بيروت تحولت الى مسرح للعقبان الحديدية السوداء، فمضادات الطائرات البائسة التي كنا نملكها صمتت تماما.
وتركنا وحدنا ، يا وحدنا، على راي الراحل عرفات... والشعب الجزائري صاحب المليون شهيد يتظاهر ضد حكم مباراة الجزائر مع المانيا في تصفيات نهائيات العالم...
أما باقي الشعوب فتتسلى بمناظر موتنا على شاشات التلفزيون، كما نتسلى نحن الان بمناظر موت الآخرين ونصفق لبطولاتهم ونبح حناجرنا في الهتاف لصمودهم في مظاهراتنا بشارع الثقافة أو شارع النقابات او شارع مكة الجميل، ونحمل صور الأطفال التي مزقت أجسادهم نيران القذائف في غزة والعراق ، تعبيرا عن تعاطفنا الإنساني الرائع. يا ولد، على شو الشدة يا رسول الله...
بيروت تحترق ونحنا كالفئران المذعورة، تنهشها المجاعة ولا تدري كيف تتصدى بسلاح خفيف لعشرات الطائرات التي تقصف المدينة عن بعد 16 كلم في السماء يقنابل موجهة بالليزر، والبوارج البحرية تقصفها عن بعد عشرات الكيلومترات من البحر، وكذلك الدبابات ومدافع الهاوزر الثقيلة....
بضعة معارك فقط خضناها على المعابر عندما كان جيش "الدفاع الإسرائيلي" يحاول اقتحام المدينة، ما عدا ذلك كنا نجلس منتظرين الموت القادم من كل الجهات...
ومنشورات جيش الرب شارون تسقطها طائراته على رؤسنا :" ايها المخرب : قف وفكر"....
بيروت...
شوارع مقفرة تماما، بنايات من عشرات الطوابق تحولت إلى كومة ركام بفعل القنابل الفراغية.
جثث أينما ذهبت...
جثث يقوم بجمعها الصليب والهلال الأحمر، خلال بضع ساعات الهدنة التي كان يتمنن علينا بها شارون من وقت الى اخر، وتكوم على الشاطئ ويتم إشعال النيران فيها بحارقات المازوت وتجرّف بقاياها الجرافات الى البحر...
قبور مجهولة كثيرة تعدها الجرافات في ارض بيروت الرملية تدفن فيها حيوات ناس مجهولين سقطوا في بيت أو ملجأ أو شارع أو زاوية...
لا غذاء ولا ماء ولا هواء...
لا سلطة ولا دولة ولا حكم ولا زوج ولا زوجة ولا صديق ولا رفيق، كل إنسان حر، وكل عسكري دبر راسك...
كنا نقتحم البيوت بحثا عن مرطبان مربى او زيتون او بواقي مخلل او اي شيء يؤكل. نتعثر بكنوز من الذهب والمصاغ والفلوس ولا نلقي بالا لها. كل همنا البحث عن لقمة تقيم أودنا...
قبل حصار بيروت كنت قرأت كتاب المفكر الفرنسي الجزائري فرانز فانون "المعذبون في الأرض" عن الاستعمار الفرنسي للجزائر وممارسته العنف المفرط ضد الشعب الجزائري، ورد جبهة التحرير الجزائرية على هذا العنف. حلقة متواصلة من العنف والعنف المضاد. الاستعمار يتمادى والمقاومة تتمادى وتتماهى مع أساليب المستعمر والمجتمع كله يتشرب الموت والقتل وسنين الجمر والرماد...
كل مخزون العنف الجزائري انفجر في السنوات الأخيرة. سنوات الموت الأسود، الإرهاب المنفلت من عقاله، سنوات القتل ذبحا من الوريد إلى الوريد على حجر بسكاكين مطبخ مثلومة النصل،. سنوات قتل النساء والأطفال والرجال ذبحا على الركب أو حرقا في المنازل...
وعنف الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك عنفنا خلال سنوات حربنا معه والحرب الأهلية في لبنان، تجلى نفسية وثقافة كاملة خلال الحصار على بيروت...
غابت الحياة وغابت معها كل قيمة وكل فكر إنساني. تمشي في شوارع بيروت تتعثر بالجثث وكأنك تتعثر بكومة نفايات...
منظر، من عشرات، لا أزال اذكره وقد وقع أمامي:
يخرج شاب وعجوز من سيارة مرسيدس خضراء 200 قديمة ويطلقون النار، أكثر من ستين رصاصة، من الكلاشينات، على جسد عجوز في الستينات من العمر، كان يبيع بضعة حبات بندورة على بسطة متهالكة، والجمهور يتفرج على المشهد وكأنه يشاهد فيلم أو مسرحية دون أي ردة فعل...
العنف بات سلوك، والناس تحولت إلى وحوش، أو هي تخفي في داخلها وحوش كامنة، الحياة في بيروت تعود الى عصر البدائية...
لا سلطة لا قيم لا قيود لا شيء، ناس ينتظرون الموت فقط أو كلمة من المبعوث الأميركي فيليب حبيب تنهي الحصار...
خرجت من بيروت على متن باخرة يونانية، بحماية أميركية فرنسية مشتركة، لا احمل معي سوى بذلتي العسكرية الخضراء، التي البسها، وبضعة غيارات داخلية في كيس "بحارة" اخضر أيضا...
وتركت في بيروت بيتي وأثاثي ولوازم عرسي تحت السرير الجديد ، وكتبي وذكرياتي وكل ما ملكت من سقط متاع الحياة، تركته هناك كومة رماد بعد أن أحرقت قذيفة إسرائيلية الغرفتان اللتان كان من المفترض أن تكونا "بيت الزوجية" أو "بيت العروسان"...
تعلمت أن جمهور الانترنت لا يقرأ المدونات الطويلة، لذلك سوف اعتبر هذه التدوينة "حلقة أولى" سوف أتابعها لأتحدث عن تجربتي، متحولا من الإيمان بالعنف إلى الإيمان باللاعنف"...
بعدين لازم أنجز التقرير...
بس راح احكي في حلقة قادمة عن كيف عشت عسكرة الحياة، عن إفساد العسكر لحياة الناس ومتاجرتهم بالحروب والفساد والقمع والتقديس وصور الشهداء على الجدران والمتاجرة بدمائهم للوصول إلى الكراسي وسيارات المرسيدس المصفحة والخيانات والسرية، عن كيف ان "الكفاح المسلح كان صرحا من خيال فهوى"...الخ
الصديقة متابعة
اعجز عن شكرك على كل هذه التعليقات اللطيفة والتي تحفزني دوما على التدوين ومحاولة كتابة الافضل.
اشكرك بشدة
محمد عمر | 30/03/2008, 09:14
صديقي محمد عمر..اكتشفت مدونتك قبل ايام وبالصدفة
انت تروي جزءا من تاريخي وتاريخنا ارجوك اكمل. مدونة محمد عمر ستصبح عن قريب واحدة من أشهر مدونات الاردن ان لم تكن العرب
سرها انها تأتي من القلب والعقل معا بحرقة وحب وألم ...لعل غيرك ان قرأها وتامل بها بدأ من حيث انتهيت
كيفك...
عبد الرحمن الخطيب | 30/03/2008, 19:08
سلامات يا صديقي
كيف الحال؟
اشكرك على هذا التعليق..
اشتقنالكن لما تيجي على عمان ضروري نلتقي.
زمان عنك يا رجل..
محمد عمر | 31/03/2008, 12:43
و لنا لقاء ان شاء الله
عن جد يعني احنا محظوظين لانه بنتابع مدونات و لا اروع
متابعة | 29/03/2008, 12:47 [ الرد ]