الـ 66...!
08 كانون اول, 2008

كانت شاحنة الـ"الكماز" الروسية الخضراء قد حملت ببراميل المازوت المرسل من عاصمة المحافظة السادسة إلى قرية "جادب" الحدودية تتأهب للانطلاق في رحلتها الجبلية الوعرة...

كنت في حينها قد قدمت توا من "عدن" في طائرة النقل العسكرية التابعة للجيش اليمني، عندما كانت اليمن مشطورة بين شمال (رجعي)، وجنوب (تقدمي / اشتراكي)، وبعد أن وصلتها قادما من "بيروت" على متن خطوط "طيران الشرق الأوسط" اللبنانية، عبر الكويت التي احتجزت في مطارها برفقة عسكري لمدة تزيد على ست ساعات بدون أي ذنب...

كان هذا في عام 1980، وأيضا على وجه التقريب.

كنت قد غادرت الأردن بعد أن تم فصلي من المنحة الجامعية التي كنت حصلت عليها من وزارة التعليم لدراسة الأدب الانكليزي في الجامعة الأردنية...

فصلت من المنحة بعد أيام من التظاهر ضد توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد. هذه التظاهرات التي استمرت نحو عشرة أيام حصل خلالها مواجهات عنيفة مع قوات الأمن والجيش على أبواب الجامعة.

بعد فصلي من المنحة هربت إلى "لبنان" بحثا عن منحة دراسية جديدة من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، التي انتميت إليها لاحقا بعد مغادرتي صفوف الحزب الشيوعي الأردني.

عندما وصلت إلى "لبنان" تم إلحاقي بدورة تدريب عسكرية لـ"الأغرار" في منطقة تدعى "الدلهمية"، تبعد عن بيروت جنوبا نحو 30 كيلومترا.

 اذكر وقتها إنني تدربت على استخدام رشاش "الكلاشنكوف" وفكه وتركيبه، وعلى قاذف الـ"بي 7" أو الـ"آر . بي . جيه"، وكذلك القنابل اليدوية وبعض المهارات القتالية الفردية في الدورة التي استمرت ثلاثة أسابيع على ما اعتقد أو على ما اذكر.

في "الدلهمية"، لم يكن الوضع مريحا بالطبع، فقد كانت المنطقة مشرفة على البحر الذي كان يربض فيه الموت القادم من الغرب. فالبوارج الإسرائيلية دائمة التواجد والتجوال قبالة الشاطئ، تتصيد أي تحرك عسكري لقوات "الثورة الفلسطينية" و "الحركة الوطنية اللبنانية" أو ما كنا نطلق عليها "القوات المشتركة"، وكثيرا ما قام الكوماندز الإسرائيليون بعمليات إنزال قبالة المنطقة وتمكنوا من قتل عدد لا بأس به من قادة ومقاتلي "القوات المشتركة". لذلك فان عمليات التدريب كانت محفوفة بالمخاطر، وكنا نقضي اغلب الليل في كمائن قرب الشاطئ في حالة تأهب لأي إنزال إسرائيلي برفقة مقاتلين مدربين...

بعد إنهاء التدريب طلب إلي أن أؤدي "الخدمة الثورية" كشرط للحصول على منحة جامعية.

 والخدمة الثورية هذه، هي مدة تتراوح بين ستة أشهر وعام يقضيها الطالب في قواعد الجبهة العسكرية في لبنان، على غرار "خدمة العلم. لكنني خيرت وقتها بين أن اقضي هذه الخدمة في قواعد الجبهة أو في التدريس بـ"مدارس الثورة العمانية".

في ذالك الوقت كانت الجبهة الشعبية بحاجة إلى إرسال مدرسين متطوعين إلى "مدارس الثورة" التابعة للجبهة الشعبية لتحرير عمان.

هذه المدارس التي كانت قائمة على الحدود بين "اليمن الديمقراطي" (الجنوبي) وسلطنة عمان كانت عمليا آخر ما تبقى من هذا التنظيم الذي بقي لعقود طويلة يشغل بال حكام السلطنة والاستعمار الانكليزي، وأحيانا ورقة ضغط في يد حكام عدن على حكام المنطقة.

كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تحتفظ بعلاقات قوية جدا مع الجبهة الشعبية لتحرير عمان، التي كانت سابقا الجبهة الشعبية لتحرير ظفار، وكانت هذه العلاقة ناجمة أصلا من تبني التنظيمين لفكر سياسي ونظري مشترك، وانتماء كلاهما إلى حركة القوميين العرب سابقا قبل تحولها إلى "أحزاب ماركسية جديدة".

بعد أن أنهيت التدريب خيرت بين أن اقضي "خدمتي الثورية" في قواعد الجبهة الشعبية في لبنان أو الذهاب للتدريس في "مدارس الثورة العمانية".

ولمّا كنت شابا لم ابلغ من العمر العشرين عاما بعد، وكنت متأثرا بأفكار "تشي غيفارا" و ليون تروتسكي" عن "الثورة الدائمة" فقد اخترت متحمسا السفر للخدمة مع الجبهة الشعبية لتحرير عمان ظنا مني أنني أقدم إسهاما في "الثورة العربية والعالمية" وتوقا لمغامرة جديدة.

طلب مني صورة شخصية لإعداد "وثيقة سفر يمنية" ليّ، فلم نكن نستخدم جوازات سفرنا الأصلية في تنقلاتنا كي لا نعتقل ويتم التعرف على هوياتنا الحقيقية او تصبح ممسكا علينا.

بعد أيام تسلمت "وثيقة السفر" وكانت عبارة عن ورقة كرتون كبيرة خضراء تطوى عدة طيات، مثل بروشورات السياحة، فتصبح كما لو أنها وثيقة حقيقية. كنت أطلق عليها "الملّحفة".

تسلمت مع الجواز تذكرة السفر وذهبت إلى مطار بيروت الذي كان متاحا لسفر جميع أفراد "القوات المشتركة" بغض النظر عن سلامة وثائقهم وأختام الدخول والخروج، وذلك من خلال التنسيق مع "الأمن اللبناني"، الذي كان يمنح تأشيرات الدخول والخروج لهؤلاء بدون كثير تدقيق.

صعدت إلى طائرة "الميديل ايست" اللبنانية المتجهة إلى "مطار الكويت"، حيث احتجزت ست ساعات برفقة عسكري، بدون أي ذنب سوى وثيقة سفري "الملّحفة"، بعدها أخذت طائرة "اليمدا" اليمنية، المتجهة إلى "عدن".

كان "مطار عدن"، الثورة، عبارة عن مبنى اصفر صغير، يبدو أنه كان مطارا عسكريا بريطانيا، تركه الاستعمار الانكليزي وبقي على حاله دون الكثير من التطوير.

أما التفتيش فكان يتم على طاولة خشبية متهالكة من قبل جنود غير مبالين بعضهم كان لا يزال يمضغ "القات"، الذي تعرفت عليه أول نزولي في المطار الأصفر.

 على كل، لم يكن لديّ ما يستحق التفتيش، وكوني قادم بوثيقة يمنية من قبل تنظيم فلسطيني فقد استقبلت من قبل رجال الأمن بحفاوة وترحيب.

بقيت في "عدن" في منزل تابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تسعة أيام، كنت خلالها أكاد أموت جوعا، فطعام اليمينيين كان غريبا بالنسبة لنا، واغلب المطاعم غير نظيفة مطلقا. أما الخضار والفواكه فهي شبه مفقودة والمتوفر منها يباع حبات بسيطة على قارعة الطرقات، حيث تفرد نساء ورجال عجائز شاشات قماش يوضع عليها بضعة حبات ليمون صغيرة أو حبات "طماطم" متناهية الصغر او بلحات او حبات "جوافة" صغيرة ايضا.

بعد تسعة أيام نقلت إلى مطار عسكري، ثم إلى طائرة عسكرية يمنية روسية الصنع اعتقد أنها كانت من طراز "اليوشن".

لم تكن الطائرة مجهزة لنقل الإفراد إنما للمعدات، لذلك لم يكن فيها سوى مقاعد حديدية جانبية ترفع وتنزل ولم تكن كافية لكل ركاب الطائرة من عسكريين وأفرادا آخرين كانوا معنا متوجهين لسبب أو آخر إلى "المحافظة السادسة" آخر محافظات "اليمن الديمقراطي"، (الجنوبي)، على الحدود مع عمان...

أقلعت الطائرة العملاقة، التي لا زلت اذكر أنني شاهدت بتعجب واستغراب احد "قباطنتها" في مقعد "توجيه" في ذيل الطائرة. وبدأت في الارتفاع والتأرجح، وكلما كانت تتأرجح كنت اسقط على المتاع العسكري المكدس في وسط الطائرة، إذ إنني لم أتمكن من الحصول على مقعد وبقيت واقفا كل الرحلة أو جالسا على طرف كومة مربوطة بشبك من السيور الجلدية.

بعد عدة ساعات هبطت الطائرة في "مطار المكلا"، على ما اعتقد. والمكلا هي عاصمة حضرموت، "المحافظة الخامسة" في اليمن، إذ لم يكن في "المحافظة السادسة" مطارا تهبط فيه الـ"اليوشن" الضخمة.

اعتقد انه كان في انتظاري في المطار سيارة "تويوتا" عسكرية تابعة للجبهة الشعبية لتحرير عمان نقلتني في رحلة طويلة وشاقة إلى "المحافظة السادسة".

عندما وصلت "الغيظة" وهي "مدينة" صغيرة اقرب ما تكون إلى قرية، اغلب بيوتها من الطين، بما في ذلك البيوت المكونة من طابقين أو ثلاث. نقلت إلى "مدارس الثورة" على أطراف "المدينة" وبالقرب من ساحل البحر.

كانت "مدارس الثورة العمانية" مقسمة إلى قسمين، قسم في مدينة "الغيظة" وهي الأكبر، إذ كان يتعلم فيها نحو ألفي طالب من أبناء عمان، من أبناء "الثوار" أما المدرسة الاخرى فكانت في قرية "جادب" على الحدود مع عمان وكانت مدرسة ابتدائية صغيرة على شاطئ البحر وطلابها لا يزيدون على ألمائتي طالب غير متجانسين عمريا وتعليميا بينهم أمهات وأميون.

كنا نحو ثلاثة عشر مدرسا، أردنيون وفلسطينيون ولبنانيون، وكان اغلبنا يرفض الخدمة في مدرسة "جادب" لأن هذه القرية كانت بعيدة عن كل ما يمت بصلة للمدنية والحضارة وكانت الطريق إليها جبلية وعرة وخطرة يحفها الموت من كل جانب ولا تصل إليها سوى الشاحنات الروسية العسكرية الـ "كماز"، التي كان يطلق عليها السكان اسم الـ"66"، ولا ادري لماذا؟ وكذلك بعض قوارب الصيد التي لم يكن السفر بواسطتها آمنا أيضا ولم تكن متوفرة دائما.

هناك، اختلف المدرسون على من يذهب إلى "جادب" ولأنني كنت متحمسا جدا لدرجة هوجاء فقد كنت أول المتطوعين، ثم تطوع رفيقي "عامر" الذي كان قادما من روسيا حيث كان يدرس، وكان مبليا بقصة عشق مع ابنة أو قريبة الرئيس الأفغاني الأسبق "بابراك كرمال"، آخر الرؤساء الشيوعيين لأفغانستان قبل أن "تحررها" الـ"سي. أي ايه" والمجاهدون العرب، وكانت رفيقه "عامر" في الجامعة في الاتحاد السوفيتي، وقد هجر دراسته لهذا السبب.

حملت أنا و "عامرا" أغراضنا البائسة ووقفنا ننتظر أن يفرغ الطلاب العمانيون من تحميل سيارة الـ"66" ببراميل النفط التي كانت تنقل للمستشفى الصغير واليتيم في "جادب" وسيارة الإسعاف الوحيدة هناك. وبعض المواد التموينية الاخرى.

وعندما امتلأت الشاحنة بكل حمولتها الخطرة هذه طلب إلينا السائق "أبو حامد" الركوب فوق البراميل الممتلئة بالديزل.  

زهقت بكمل بعدين....

تعليقات

Comment Icon

بانتظار البقية!

تحياتي, و كل عام و أنت بألف خير

ياسين | 08/12/2008, 21:05 [ الرد ]

Comment Icon

ذكرتني برواية "وردة" لصنع الله ابراهيم
هذه الرواية التي صدمت بقرائتها لأنها قد فتحت لي بابا إلى عالم لم أكن أعلم بوجوده حتى؛ عالم كان مغيّبا بالنسبة إلي

في انتظار البقيّة من "وردة" محمد عمر

مياسي | 08/12/2008, 23:35 [ الرد ]

Comment Icon

nice , the sad thing is that they cancelled your scholarship because of your beleiefs.

eyad | 09/12/2008, 22:38 [ الرد ]

Comment Icon

سلاما من ارض ظفار
ربما كنت احد طلابك في مدرسة جادب لم اعد اتذكر جيدا كل ما اتذكره الاستاذ الفلسطيني ابو عامر صاحب العيون الزرق
في انتظار التكميل

ابو الحسين | 15/07/2009, 21:17 [ الرد ]

Comment Icon

سلامات يا رفيقي
هو كان اسمه"عامر" وكنا سويا. وكان اسمي "خالد".
تحياتي

محمد عمر | 24/07/2009, 18:59 [ الرد ]

Comment Icon

سلامات يا رفيقي
هو كان اسمه"عامر" وكنا سويا. وكان اسمي "خالد".
تحياتي

محمد عمر | 24/07/2009, 19:08 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba