خالتي صفية والدير
19 ايلول, 2007

كتبت اليوم مدونة بعنوان “خالتي عيشة وحمار ابي والهجرة”، وقد حاولت تقليد عنوان رواية المصري المبدع الروائي بهاء الطاهر في رائعته “خالتي صفية والدير”، وهي رواية تحولت الى مسلسل تلفزيوني عرض في رمضان قبل الماضي على ما اذكر.

بداية اود الاعتذار من البهاء الطاهر والقراء على هذا التقليد غير المتقن طبعا.رواية “خالتي صفية والدير”، تستحق القراءة فعلا، بل وتستحق القراءة في شهر رمضان تحديدا، فالرواية وبعيدا عن حبكتها شبه البوليسية، هي صرخة في وجهة التعصب الديني، هي رواية عن المجتمع المصري الريفي “الصعيدي”، الذي كان متسامحا ومتعايشا، قبل ان ينتشر الفكر الديني المتزمت والتعصب والحروب الطائفية.

وهي من بين قلة من الروايات العربية التي تناقش التطرف الديني.لم تشهد مصر قبل انتشار الوهابية والتعصب الديني، قبل نحو 30 عاما، اذا جاز لنا قياس المراحل بالسنوات، لم تشهد مصر حوادث عنف طائفية بين مسلميها واقباطها كالتي تشهدها الان، بسبب وبدون سبب.ومصر، ام الدنيا، ليست استثناء ابدا، فالتعصب الديني ينتشر على مساحة العالم تقريبا، وانما يأخذ ابعادا وحشية في مجتمعاتنا العربية، يعبر عنه نفسه في الحروب الاهلية كما في العراق وحرب صعدة في اليمن والحرب الطائفية الباردة في لبنان، والتفجيرات المستمرة والمتنقلة في اكثر من بلد عربي كالجزائر والمغرب او كما وقع في الاردن من تفجيرات دموية وفي اغلب البلدان العربية.

عندما بلغت من العمر 19 عاما، غادرت الاردن، متنقلا في بلاد الله الواسعة، وعدت اليها بعد نحو 15 عاما من الغياب، ولانني عشت في بلدان منفتحة وبعضها بعيد عن المنطقة، وقد كانت وسائل الاعلام لا تزال متخلفة مقارنة بالوضع الحالي، فقد تفاجأت بعد عودتي عام 1992 بمقدار التغيير الذي شهده المجتمع الاردني وبكم التزمت الديني المنتشر، وكأن المجتمع الذي عرفت وعشت، المجتمع المنفتح المتسامح انتهى مرة واحدة والى الابد.

قبل ان اغادر الاردن كنت اعيش في مخيم الوحدات، وهو كان مخيما فقيرا جدا يكاد اغلب سكانه ان يكونوا من المعوزين والسائلين، ومع ذلك فقد كان مجتمعا متسامحا جدا كباقي المناطق والاحياء في الاردن.

كنا لا نجد اي مشكلة في ابدا في التعاطي مع النساء، وكان طبيعيا ان تتحدث مع جارتك، او مع زميلتك في الدراسة وتستعير منها او تعيرها كتبك ودفاترك، وكان طبيعيا جدا ان تذهب الى منزل اخيك بدون وجوده وتجلس مع زوجته واطفاله دون حرج، وكانت اغلب النساء فوق سن الاربعين يلبسن الزي التقليدي الثوب والشاشة البيضاء، اما الفتيات فكن يلبسن تنوارت “واشارب”.

وعندما انتقلت من مدراس الوكالة الاعدادية الى المدرسة الثانوية الحكومية، وكانت تقع في جبل الاشرفية، يأتيها الطلاب من مخيم الوحدات وجبل الاشرفية والتاج وحي الارمن والجوفة والقويسمة وغيرها، كان لنا زملاء مسيحين لم يخطر في بالنا يوما ان نسألهم عند ديانتهم بل عرفنا ان بعضهم مسيحي لانه كان يختار ان يغادر حصة التربية الاسلامية، فيما كان بعضهم الاخر يبقى لحضور الحصة وحتى الان لا اذكر مطلقا ان احدا ناقش زميله المسيحي في ديانته، هذا ناهيك عن انني لم اشهد مطلقا اي مشاجرة بين طلاب بسبب الديانة.قريبا من مخيم الوحدات ، في الاشرفية في شارع بارطو تحديدا، كان هناك كنيسة جميلة جدا، اعتقد ان عمرها اكثر من سبعين عاما، وكنا نرتادها لنعلب كرة قدم في ساحتها دون ان يزجرنا احد او يغضب منا احد، ولم نكن معنيين بمعرفة اي شيء عن الكنسية مطلقا ولا لاي طائفة تتبع، كانت مجرد بناء بالنسبة لنا وساحة للعب وسور نجلس عليه وقت التعب، واعتقد ان التعامل الامبالي مع الكنيسة وقتها، كان سببه اننا لم نربى على الريبة من الاخر وعلى رفضه فشكلت في وجداننا مجرد بناء، ربما كالجامع الذي كنا نزوره احيانا للتغسيل عندما نكون في سوق الخضار حيث كنت اعمل عتالا في ايام العطل.

عندما دخلنا الجامعة ايضا، اختلف الوضع علينا تماما فاصبحنا نختلط بطلاب من كل المناطق ومن شتى الاصول والمنابت، وكانت مشاكلنا في حينها لا تتعلق لا بالقبيلة ولا بالدين، ولم تكن الجامعة الاردنية تشهد اي حادث عنف على اساس جهوي او قبلي او طائفي، وكانت زميلاتنا الطالبات يتعاملن معنا بثقة اكبر دون الخوف والرعب من  الحديث مع الرجل والشعور الدائم بان نواياه سيئة كما يحصل الان، وكان طبيعيا ان تزورك في بيتك زميلتك او تجلس معك على المربع الاخضر او في كافتيريا التجارة.

اليوم، وما دفعني للكتابة في هذا الموضوع، ليس ظاهرة التزمت الديني فقط، بل حادثتين عشتهما قبل ايام، اثارتا غضبي وحيرتي.

الحادثة الاولى:

كنت قبل ايام في زيارة لابنتي، وكانت بنتي الاصغر، ذاهبة الى البقالة المجاورة للمنزل. بالقرب من المنزل هناك عدة بقالات بينها بقالة صغيرة ومتواضعة ولكنها نظيفة جدا، مرتبة حسب تعبيرنا، تعود لشاب مسيحي من السلط مهذب وخلوق جدا وجنتلمان في التعامل مع الزبائن وكثيرا ما اجلس عنده في البقالة ، حيث اصبح عماد صديقي،وحيث اجد دائما فنجان قهوة سادة في استقبالي كما في استقبال اغلب الزبائن. ابتني الصغيرة تفضل دائما التعامل  مع عماد والشراء من بقالته، وعندما وصلت المنزل لزيارتهم كانت تشتري من بقالة عماد ولكنها عادت بعد قليل وهي تشتم وتستشيط غضبا، على كل، هي حادة الطباع شرسة ومزاجية.وعرفت منها ان سبب ثورتها، ان صاحب الدكان الاخر وهو شيخ كبير طاعن في السن، استوقفها عند خروجها من بقالة عماد وقال لها “لماذا تشتري من بقالة هذا الكافر، الله راح يوديك النار”، وبالطبع فان الصغيرة بحدة طباعها كالت للشيح ما توفر لها من الشتائم ليس لانها متسامحة بل لانها تكره بقالته التي تقول دائما عنها انها “دكان وسخة ما بنظفهاش”.

الحادثة الثانية:

ساقني حظي العاثر، قبل ايام ان استقل سيارة اجرة”تكسي”، من الشيمساني الى الصويفية، وفي الطريق شاهد سائق التاكسي فتاة تلبس بنطلون جينز ضيق ” خصر ساحل، وتي شيرت بودي،.

ما ان شاهدها حتى بدا عملية “التف والنخع والشتائم”، ليس عليها بل على والدها الذي وصفه ب “الخنزير الذي لا يغار على عرضه”، واسهب وتمادى تماما وانا كاظم غيظي فهو كان يوجه الحديث لي اولا واخيرا لانني اولا لدي بنتين يلبسون كهذه الفتاة تماما ولم اجد نفسي في اي مرة من المرات محرجا من طريقة لبسهن ابدا بل واشتري لهن ملابس هدايا كهذه كلما سافرت او كلما كان هناك مناسبة.

هذه المشاهد تصادفك يوميا، من شقيقتك التي لم تعد تمد يدها للسلام عليك، الى زوجة اخيك التي لم تعد تفتح لك باب بيتها، الى بعض خطب المساجد التحريضية، الى نظرة النساء للرجل بوصفه وحشا قابلا الى ان يتحول مغتصبا في اي وقت. الى مئات الكتب التي تباع في مكتبات عمان وعلى بسطات وسط البلد مثل “كبائر النساء وعذاب القبر وغيرها “.

قبل سنوات وجدت نفسي مجبرا على زيارة مدرسة بنتي الكبيرة للشكوى على مدرسة اللغة العربية التي كانت تقضي حصتها تتحدث الى الطالبات عن عذاب القبر وكيف ان الله سوف يعلق السافرات من شعورهن وصدورهن ولا ادري ماذا ايضا، كأن الله، الذي وسعت رحمته السموات الارض، شخص سادي لا يرحم، وكأن الدعوة للهداية لا تتم الا بالارهاب.

لكن الادهى، ان المعلمة حرمت ابنتي من حصتها ، لانها رفضت ارتداء الحجاب. يتحدثون عن رفض المدارس الاجنبية للمحجبات ، وعندنا من يمارسون العكس، تحت حجة امتلاك الحقيقة المطلقة والحق الشرعي كانهم اوصياء على عباد الله، ولا تسغرب يوما لو ان احدهم شتمك او بصق عليك لمجرد انك تسير مع فتاة سافرة، فمن يوقف طفلة صغيرة ويحرضها على جاره ليس بعيدا عليه ان يشتمك او يحتقرك، لمجرد اعتقاده بانه صاحب حق مطلق.

يقول الحكيم سقراط:“لست ضد الهة الجمهور، ولكني ضد فكرة الجمهور عن الالهة”.

وانا لست ضد المتدينين من اي دين كانوا، ولست مع او ضد احد، لست مع الجينز او الحجاب ولست ضدهما، ولكني مع تقبل الاخر ومع حقه في الاختلاف، واذا كان هناك من يعتقد انه يملك الحق والحقيقة ويريد هداية الناس فالاولى به ان “يدعو الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” و “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضو من حولك فاعفو عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين”. 

mohmo60@hotmail.com

تعليقات

Comment Icon

قصصك مثيرة و مواقفك نبيلة و رؤيتك و اضحة.

داود كتّاب | 07/01/2008, 19:04 [ الرد ]

Comment Icon

أستاذ محمد

أسلوبك رائع حقاً، وأفكارك أيضاً أنت لا تعلم مقدار التعصب الموجود في مجتمعنا، لسوء حظي كفتاة خلقت في مجتمع كهذا فأنا مضطرة لأن أسمع من الشباب والفتيات أن رمضان كريم، ولا بد للكثير من الشبان الذي لم يوفر لحظة للنظر إلي وتأملي بنظرة (فاحصة) أن يذكرني أنه صائم وأنني أكدر عليه صيامه بمنظري، لدى صديقات مسيحيات امتنعن عن ارتداء الصليب لما يسمعنه من (مسبات) عليه، وأنا هنا لا أتحدث عن المسلمين فقط وأصفهم بالتعصب، فالتعصب وكره الآخر مهما كان هذا الآخر مرض استفحل بينناوأصاب غالبية شعبنا، المشكلة أن التعصب لم يعد دينياً لكان ربما هناك مبرر لما نجده للأسف في بعض النصوص الدينية من مختلف الديانات التي هي أبعد ما تكون عن الدعوة إلى تقبل الآخر، لكنه أصبح قبلياً عشائرياً أيضاً. أحمد الله أني تربيت في منزل علمني أن الدين لله والوطن للجميع، لكني للأسف عندما كبرت وجدتني أعيش في مكان الدين فيه أمر يخص كل ما تصادفه على الطريق، والوطن لأبناء العشائر الكبرى. صدقني أخاف أن أرزق بفتاة لأني لا أعلم كيف سأربيها في هذا العالم الذي كلما تقدم بالعلم تراجع بالفكر.

sara | 07/01/2008, 19:04 [ الرد ]

Comment Icon

مما و لا شك فيه انك غيرمطلع على حقيقةا لاسلام ولا على حقيقة العالم اليوم وتتبنى موقف اناس في العصور الغابرةو ما بحثت عن الحقيقة بنفسك لعلك تحيي بداخلك ما قتلته مسيرتك الشاقة بين بلدان العنصرية والتزمت العرقي الحقيقية هداك الله

هبة | 15/01/2008, 19:58 [ الرد ]

Comment Icon

مش لازم مادمت مابتحسش بحرج من لبس بناتك يبقة انت صح , وانصحك بفهم الدين بشكل صحيح بعيد عن التطرف وفى التطرف لا اقصد به التطرف الدينى فقط فقد تكون متطرفا ولكن للاتجاه المعاكس وهذا مااراه فيك فانت حتى لا تشعر نفسم بالخطا فى حق نفسك وفى حق اهل بيتك تحاول المبالغة بذكر الاحت التى لا تمد يدها بالسلام عليك اى منطق الذى تتحدث عنه يا اخى الحلال بين والحرام بين وانت تحر ان تدع نفسك تربى ابنائك كما تريد ولكن انصحك ان تكتفى بهذا ولا تضلل غيرك

ياسر | 02/04/2008, 00:46 [ الرد ]

Comment Icon

أظنك تعرف حقيقة الاسلام و سماحته و تعلم جيداً انه دين الله الحق .. ولكن اما انك تكابر او في قلبك مرض..!!

نسأل الله الهداية و السلامة لنا و لك..

محق | 07/04/2008, 08:55 [ الرد ]

Comment Icon

نسال الله حسن الختام سيدي الفاضل الدين لايقاس بافعال الناس

me_king_of_nothing | 24/11/2008, 12:02 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba