أمنية صغيرة...!
18 حزيران, 2008

 أخيرا عدت الى عمان، بعد ثلاثة أيام قضيتها في بيروت التي يقترف سكانها الحياة بحذر وكأنهم غير مصدقين ان مدينتهم تنعم بهدوء حقيقي...

 

عندما وصلت الى بيروت استقبلتني في المطار فتاة جميلة جدا من شركة علاقات عامة كلفت بنقل المشاركين من والى مطار بيروت والفندق...

خلال انتظارنا سيارة التاكسي سألتها عن الأوضاع في البلد. وخلال إقامتي في بيروت هذين اليومين سألت عدد من الناس. كانت اجابة الكل عبارة عن امنية صغيرة فحسب هي :" بس لو يتركونا نصيّف". هذه امنية الكل :" هدنة صيفية فقط"...

لكن هذه الامنية تبدو بعيدة المنال، فعلى بعد مرمى حجر من بيروت، في البقاع الأوسط، كانت تدور  اشتباكات حادة بين الأطراف انتهت بثلاثة قتلى واربعة جرحى. ناهيك عن عدد من الأحداث الامنية المتفرقة. لكن الوضع اللبناني لا يخلو من غرابة ففي بيروت تدور حوارات او اشتباكات كلامية لتشكيل الحكومة والكل يؤكد حرصه على تشكيل هذه الحكومة وعلى السلم الاهلي، يا سلام...

على كل، الناس هنا تعيش على الامل فقط. امل يمتد لثلاثة اشهر فقط. ومع ذلك فان اللبنانيين كعادتهم يواصلون حياتهم ولكن هذه المرة بحذر شديد كأنهم غير مصدقين ان "الإخوة الأعداء" لن يفعلوها مرة اخرى فالاشتباكات لا تزال تدور بين حين واخر ليس بعيدا عن بيروت...

ما علينا...

فاجأني الروائي صنع الله ابراهيم في اليوم الثاني للمؤتمر بإهدائي نسخة موقعة من روايته الاخيرة "العمامة والقبعة" بتوقيعه وقد كنت الوحيد الذي أهداه صنع الله الرواية.

خلال المؤتمر كله رافقت صنع الله فقد ذهبنا في جولة الى الضاحية الجنوبية.

اخذنا سائق السرفيس من منطقة الحمرا الى حارة حريك حيث نزلنا في "المربع الامني" لحزب الله وهو الان ورشة اعمار هائلة بعد ان دمرته الطائرات الاسرائيلية في حرب تموز 2006.

في الضاحية الجنوبية لا تلمس وجودا فعليا للحزب. فلا مسلحين له يجوبون الشوارع ولا تقييدات امنية على زوار الضاحية ولا مكاتب علنية. لكن تملس وجوده وحضوره قويا في كل زاوية من الضاحية ففي كل مكان تنتشر صور السيد حسن نصرالله وعماد مغنية وشعارات المقاومة.

في الضاحية تجولنا صنع الله ابراهيم وجمال عيد وانا بكل اريحية وجليسنا في مقهى يقع في اول برج البراجنة. الحياة تسير بشكل عادي جدا و شوارع الضاحية مكتظة بالناس والسيارات والباعة وليس من السهل السير على القدمين او حتى في سيارة بدون فترات توقف طويلة رغم الجهود التي بذلها رجال كبار في السن يرتدون بزات كاكية يبدو انهم تابعين للحزب يقومون بتنظيم عمليات السير في الشوارع المكتظة...

في برج البراجنة لا تزال عشرات الابنية المدمرة او المهجورة منذ الحرب الاهلية لم يتم اعادة اعمارها. ويبدو الفقر في الضاحية وفي برج البراجنة اكثر حضورا. لا بل انه فقر مرئي ومسموع ومشموم ايضا فالشوارع هناك اقل نظافه من باقي مناطق بيروت والكثير من محال الخضار تحديدا توجد في مخازن لا تزال شبه مدمرة منذ الحرب الاهلية والبضائع الشعبية تتكدس على الارصفة.

في الضاحية الجنوبية تغيب صور النساء والفتيات "السافرات" ليحض الحجاب بقوة وتغيب اللوحات الاعلانية التي تحوي صور النساء الجميلات النحيفات لتحضر لوحات دعائية للمقاومة وصور قادة الحزب وقادة ايران ونبيه بري...

وصلنا الى نهاية برج البراجنة ثم صعدنا الى "الميكروباص" عودة الى الحمرا وكان على الباص ان يتوقف عشرات المرات بسبب ازدحام السير ففي الضاحية كما في كل بيروت لا يبدو السير منظما كما هو عليه الحال في عمان مثلا....

سلك بنا الباص مناطق البرج حارة حريك الغبيري وكلها تقع في الضاحية وتتشابه في اكتظاظها وعجقتها. ثم انعطف الباص الى منطقة "صبرا" وهي اول المناطق "السنية". اول ما شاهدته في صبرا هي "مقبرة الشهداء" ثم مقبرة ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا.

صبرا لا تختلف كثير عن برج البراجنة فالفقر واحد، فصبرا هي ايضا منطقة شعبية يسكنها لبنانيون وفلسطينيون وسوريون وفي اسواقها الشعبية تجد الجميع ايضا يتسوق هربا من ارتفاع الاسعار في المناطق الاخرى مثل الحمرا...

رحلة الباص هذه تمثل رحلة في تاريخ لبنان السياسي فبعد الضاحية التي باتت تمثل "المقاومة الاسلامية" تدخل في صبرا ثم "الطريق الجديدة" صعودا نحو الفكهاني" و جامعة بيروت العربية وقاعة جمال عبدالناصر وجسر الكولا...

من صبرا الى جسر الكولا مرورا بالفكهاني، كانت جمهورية فتح لا بل جمهورية الراحل ياسر عرفات، ولكن لا يوجد أي اثر يذكر بهذا المرور الفلسطيني في هذه المناطق باستثناء اثار الرصاص على بعض البنايات كأنها "سوفنير" يذكر بالفلسطينيين الذي مروا عابرين بين مرحلتين...

عندما كنت في بيروت قبل الاشتباكات الاخيرة كانت هذه المناطق من صبرا الى كورنيش المزرعة مليئة بصور الحريري رفيق وسعد وشعارات تيار المستقبل. الان لا اثر على هذا الوجود بعد ان سيطر حزب الله على هذه المناطق لكن وجود الحزب بقي "خفي" ايضا حيث لا صور ولا شعارات للحزب في هذه المناطق فهو لم يحولها "ضاحية اخرى"...

طاف الباص باحياء كثيرة من بيروت...

 اليونسكو حيث كان تجمع المقاتلين الفلسطينيين خلال ترحيلهم عن لبنان صيف عام 1982. انها ذكرياتي وليست ذكريات المكان فقط. تحت أشجار الكينيا القديمة المزروعة على الرصيف كنت اقف منذ فجر 28 اب 1928 مع الاف المقاتلين الفلسطينيين نحمل أسلحة خفيفة وكيس بحارة فيه بعض الملابس فقط فهذا كل ما كان يسمح به كمتاع للراحلين في انتظار صعودنا الى شاحنات عسكرية تابعة للجيش اللبناني لتحملنا الى الباخرة اليونانية الراسية في مرفأ بيروت ومنها الى مرفأ طرطوس السوري بحماية البوارج العسكرية الفرنسية بحسب اتفاق "الرحيل" بين الراحل عرفات والمبعوث الاميركي حينها فيليب حبيب...

عندما كنت اسرد لصنع الله ابراهيم هذه الذكريات واسماء المناطق وخطوط التماس ومجريات الحروب والمفاوضات نظر الي وسألني :" لماذا لا تدون كل هذا"....

بعد اليونسكو دخل الباص في مناطق اخرى حيث بدأت المشاهد تختلف لندخل في بيروت اخرى بيروت أكثر نظافة واقل صخبا...

بيروت في الحقيقية ثلاثة مدن او ان لبيروت ثلاثة وجوه "بيروت الضاحية الجنوبية وبيروت الوسط حيث الحمرا وبيروت الشرقية ان جاز التعبير"...

في كل منطقة تكشف بيروت عن وجه مختلف...

في اليوم الاخير نقلتنا الاعلامية جيزيل خوري بسيارتها صنع الله ابراهيم وانا الى الاشرافية لنرى الوجه الثالث لبيروت. زرنا مكان اغتيال الصحفي سمير قصير زوج جيزيل حيث زرعت هناك زيتونة لتذكر بسمير وبفلسطين التي ينتمي اليها من ناحية الاب وينتمي اليها بالكفاح والقلم...

تجولت مع صنع الله في شوارع الاشرفية ثم جلسنا في احد مقاهيها. وكان بيننا نقاش طويل حول الحروب واليسار وعبد الناصر والادب...

في نهاية يومنا ودعني صنع الله بكلام اسعدني كثيرا فقد اعتبرني صديق حقيقي لامست ذكرياتي وحزني صميم قلبه...

اعتقد انني لن ارى صنع الله مرة اخرى فهو مثل كل الاصدقاء الذين عرفتهم في خلال مرور عابر بهذه المدينة او تلك لكن يكفي ان الأوقات التي بقيت معه فيها كانت اكثر من جميلة بل كانت مفيدة فصنع الله موسوعة متنقلة ومثقف كبير ومع ذلك فهو متواضع جدا لا يطرح آرائه باعتبارها شيء نهائي وحاسم...

بيروت، صيف 2008، تعيش حالة انتظار وترقب كانها تنتظر صيفا شبيها بصيف 1982 او صيف 2006 او تنتظر جولة اخرى من حروب الاخوة الاعداء...

بيروت لا تزال على حذر. اسواقها وفنادقها ووسطها لا تشهد حركة سياحية كبيرة. لعل الناس لم تأخذ اجازتها الصيفية بعد او لعلهم غير مصدقين ان الحرب لن تندلع بين فينة واخرى ويقعون في حصارها وويلاتها...

 

تعليقات

Comment Icon

الحمدلله على السلامة

عروبة | 18/06/2008, 23:08 [ الرد ]

Comment Icon

حمدا لله على السلامة وأنا سعيد بأن هذه الزيارة كان محورها لقائك مع صنع الله إبراهيم بدلا من التفاصيل السيئة للزيارة السابقة.
بالفعل ربما يجب أن تدون قليلا مما عشته في بيروت 1982 لأنني واثق أن شهادتك ستكون منصفة لأنك لست معنيا بالدفاع عن تنظيم أو اتهام آخر أو تحميل المسؤولية لأطراف ما. سوف تكتب الحقيقة كما رأيتها. ولكن إذا أحسست أن ذلك سوف يضاعف عليك الألم والذكريات السيئة فلا تفعل.

باتر وردم | 18/06/2008, 23:54 [ الرد ]

Comment Icon

سيد محمد ... صباح الخير ، والحمد لله على السلامة ...

شكرا لبيروت لأنها جعلتك سعيدا ، كم أشعر بالفرح لاجلك ... تحياتي لك .

عبير هشام ابو طوق | 19/06/2008, 07:05 [ الرد ]

Comment Icon

صباح الخير سيد محمد عمر
كيفك؟ وكيف صحتك؟ اولا دعني اعرفك على نفسي انا اخت متابعة.ويحتمل الاسم الذي استخدمه معنى واحد وهو انني بالقرابة اكون اخت المتابعة التي تكتب دوما تعليقات او ردود على مدونتك وبصراحة لقد عرفتها على مدونتك واصبحنا نتبادل الاراء حول كتاباتك اليومية.لقد توقفت عن قراءة مدونتك لفترة تزيد عن شهرين لاسباب خاصة ولكن تمكنت فيما بعدها الرجوع وقررت ان ارد على مدونتك بعد ان اجري مسح كامل لما كتبت في الشهرين اللاحقين.على اي حال بالصدفة كنت اقرا التعليقات واكتشفت ان اختي واحدة منهم وعرفت لقبها متابعة دون ان تخبرني وبعدما تحققت من صحة حدسي قررت ان اسمي نفسي اخت متابعة.اسفة على اللت والعجن بس عن جد انا من اكثر المعجبين بمدوناتك وكتير مبسوطة اني ببدا نهاري بقراءة مدوناتك.الحمد الله على السلامة وبتمنالك ايام حلوةز

اخت متابعة | 19/06/2008, 07:17 [ الرد ]

Comment Icon

اشكركم جميعا.. واعذروني ان كنت لا استطيع الكتابة اكثر من هذا الشكر...

محمد عمر | 19/06/2008, 10:14 [ الرد ]

Comment Icon

أول شي الحمدالله على سلامتك ..وشكراً على كتابة الوصف الدقيق لزيارتك لبيروت .. أنا لا أعرف الضاحية على الأطلاق ولم ادخلها بحياتي .. أنا أصلاً من منطقة ألمصيطبة وأهلي حالياً من سكان رأس النبع التي كانت شوارعها مسرحاً للأحداث الأخيرة خلال وجودي في بيروت ..
أمنيتي أن تطول الهدنة لأكثر من صيف حتى تتيح ألفرصة للراغبين في الهرب أن يجدوا بلداً آمناً يتبناهم ، فقصتنا أخذت منحاً جديداً وأنا فقدت الأمل ببلدي ....
بس أن تزور بيروت من دون أن تتمشى عالمنارة أو الروشة ، بدون فنجان قهوة أو أرجيلة غير محسوبة .. انشالله في زيارة قادمة..
والحمدالله على سلامتك مرة ثانية ..

Noura | 20/06/2008, 06:21 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba