فهمت، ويبدو أنني فهمت خطأ من غير قصد مني، أن التدوين "مساحة" شخصية، لا "هايد بارك" افرغ فيه آرائي بـ"حرية" في السياسة والمجتمع والدين والجنس وأي شيء، أي شيء...
مدونة إلى "صديق"...
مناسبة "إدراجي" هذا أن احدهم وجه اليّ لوما شديدا أمس لأني "أبوح بحرية" عن نفسي. وزاد أن "عتب" علي قلة اهتمامي بـ"الشأن العام" وغرقي في "الشخصي"...
قبل أن أكمل أريد أن انقل بيت من الشعر لأبي نوّاس: "دع عنك لومي فإن اللوم إغـراء... وداوني بالتي كانت هي الــداء"...
عندما "اخترعت" هذه المدونة أردت منها إسقاط كل الأقنعة التي ارتاديها، عبر الاعتراف بها، لأنني تعبت من أن لا أكون "أنا"...ولأن:" ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ".على رأي محمود درويش في قصيدته الجديدة "لاعب النرد"، أردت من هذه الاعترافات أن يكون ليّ دور "ما " بما سأكون..
ذات مرة قرأت رواية "اعترافات قناع" للياباني يوكيو ماشيما، هذه الرواية أراد منها مشيما إسقاط كل الأقنعة التي رافقته طيلة حياته وكان يعتبرها جزءا من "شخصيته" حتى وصل إلى مرحلة لم يعد قادرا فيها على تحمل تعب "الأقنعة" فباح بكل ما لديه بما في ذلك إقراره بمثليته الجنسية، خاصة الفصل الأخير الذي يشكل مفتاح فهم الرواية، وان كل آرائه في "القوة والإنسان النيتشوي و القوة اليابانية المنبثقة من قوميتها لم تكن سوى إعجاب بالجسد الذكوري القوي والمظهر الرجولي الذي كان يفتقده ويقدسه في نفس الوقت بل ويعشقه...
لم تكن رواية اعترافات قناع تتناول ضياع هوية اليابان بعد الحرب بقدر ما كانت رواية شخصية اسقط فيها مشيما اضطراب هويته الجنسية على اضطراب هوية اليابان، أو هكذا فهمت الرواية واعتقد أني فهمتها "صح". مشيما انتحر بعد هذه الرواية...!
كان مشيما يقصد من اعترافاته تخليص النفس أو على الأقل البحث عن ذاته وهويته...
في فيلم " Dead Man Walking " تصر الأخت هيلين "سوزان سرندون" على بونسيلت "شين بين" الاعتراف بجريمته كسبيل وحيد لتخليص نفسه من الألم والفراغ الروحي التي جعلته "إنسان ميت يمشي". بالطبع يبقى بونسيلت يرفض الاعتراف وإسقاط "القناع" الذي يلبسه حتى لحظة الإعدام ويطلب المغفرة لكنه يعترف في اللحظة الخطأ عندما يكون الأوان فات... فات المعاد...
أردت من هذه المدونة أن "اعترف" قبل فوات الأوان. اعترف وأبوح لكي استطيع ان ابني "حياة جديدة" أكثر صدقا مع النفس...
ربما لا يحتاج أحد غيري لطقس "التطهر" هذا، لكني بحاجة ماسة له...
" أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على غيرك!"، هذا يعني ان تصدق كل "الأقنعة" التي ترديها، يعني الأسوأ بلا مقارنة...
ملاحظة ختامية لـ"الصديق":
ذات عشرين سنة او أكثر قليلا قضيتها عندما "كنت حزبيا" وكنت اعقد اجتماعات يزيد عددها على الثلاثين اجتماعا في الشهر، كنا نقضي ثلثي الاجتماع نتناقش في غرف مغلقة وبسرية تامة حول الوضع السياسي. مجموعة مراهقين يناقشون اتفاقيات سالت 1 وسالت 2 حول سباق التسلح ومبادرة النجوم وانهيار بورصة نيويورك والاجتياح السوفياتي لأفغانستان ، وكل القضايا أو "المستجدات السياسية المحلية والإقليمية والدولية" كما كنا نطلق عليها في " البند الأول من الاجتماع"...
مسكين "الرفيق" الذي كان يختار ليكون مقررا للاجتماع فقد كانت اصابعه تؤلمه بشدة وهو يدون على الورق كل فذلكاتنا الصبيانية...
كنا مراهقين مأخوذين بعدد من الجمل الرنانة والشعارات الطنانة والمفاهيم التي لم نكن نعلم منها شيئا سوى جزءا من تعريفاتها "المدرسية"...
الآن، عندما نجتمع بضعة أصدقاء في غرفة مغلقة أو على طاولة مقهى أو بار نخوض نفس النقاشات عن "المحافظين الجدد، وأسعار النفط، وطبيعة المرحلة...
قبل ان أستقيل من العمل الحزبي، سألت نفسي " ما جدوى كل هذه النقاشات السياسية في الغرف المغلقة، وما هو الأثر الذي سوف يتركه رأي مراهق في السياسة، لماذا نرغب في كل هذا "العبث" أو "العدم" الذي لا طائل له، من نحن لنقول ما نقول؟
ما نفع لو كتبت في السياسة، وما نفع لو قلت لكم ما كنت أقوله في "سباق التسلح، وحرب النجوم وانهيار البورصات وجوع الفقراء وتغمة الاغنياء" ونحن نعيش في عالم الفوضى، عالم "اثر الفراشة" حيث لا يستطيع احد أن يتحكم بأي شيء، أي شيء...
ماذا يعني لو كتبت الآن مدونة في ذم العالم والحكومات والاحتلالات والبيوعات والمتطرفين والمعتدلين والمحافظين والليبرالين وباسم عوض الله ومحمود عباس ومحمد دحلان والمحاور والمناورات وحروب الاعداء والاصدقاء وفتح المعابر وفتح البتاع...
يا صديقي: هذه مدونتي "مساحة ليّ" وليست "هايد بارك". هذه مدونتي أريدها لتساعدني في بناء حياة جديدة، سوف ابنيها ولو بقيت وحيدا على قمة جبل. هذه مدونتي أريد منها أن لا أبقى "رجل ميت يمشي". هذه مدونتي لأني أريد منها أن أكون "منذ الآن غيري"...
"مَنْ أَنا لأقول لكمْ ما أَقول لكمْ ؟ ...أَنا لاعب النَرْدِ، أَربح حيناً وأَخسر حيناً أَنا مثلكمْ أَو أَقلّ قليلاً "...
لماذا هم الاصدقاء ان لم يكونوا لتوجيه اللوم وتنصيب انفسهم اوصياء على عقلك وان لم يرتدوا قبعات الخبراء...!!
هذه المدونة وان كانت مساحة شخصية بالنسبة لك، فهي أيضا مساحة نجد فيها أنفسنا نحن القراء. مثلما كنت تجد نفسك في العديد من الأعمال التي تقرأها أو تشاهدها، أنا أيضا و أظن العديد من القراء يجدون أنفسهم في هذه المدونة. في بوحك الشخصي أن تمس جزءا من حياتنا لا تجرؤ أو لا نقدر على الوصول اليه. هذا البوح أشد تأثيرا و أكثر انسانية من أي حديث في "العام".
ابراهيم | 03/07/2008, 21:17
يا زلمه انت عندك الشجاعه والجرأه على إباحة مواضيع قليل منا من المكن ان يفكر بها حتى في سرية باطنه. أنا مثلآ اتمنى لو انني أملك الجرأة لأباحة ما في داخلي. أرجو أن لا تكترث لتعليقات القراء السخيفه ولا بأس في شخصنة المدونه.تحياتي
Hatem Abunimeh | 03/07/2008, 21:32
هذا هو هدفي من انشاء مدونة أيضا
بل أنني لم أطلع أحدا أعرفه عليها حتّى أكون أنا = أنا مش مجاملات و أقنعة
هل تعتقد أننا سنصل الى الخلاص بهذه الطريقة؟
RUBA | 05/07/2008, 21:04
اشكرك يا أخت ربى
انا اعتقد انه لا يوجد شيء اسمه "خلاص" هناك محاولة لفهم النفس والعالم من اجل ان يستطيع الانسان ان يتحكم في حياته قدر الامكان ان يتصالح مع نفسه قدر الامكان اما الخلاص فعذه اختراع العقائد والاديان والايديولوجيات بالنسبة لي لا فهي غير موجودة...
اشكرك مرة اخرى واشكر صديقي حاتم على تعليقه الجميل.
محمد عمر | 05/07/2008, 23:20
"يا صديقي: هذه مدونتي مساحة لي ..." هذه فقرة أكثر من رائعة وكلام مهم بالنسبة لك وبالنسبة لنا أيضا.
وعادة عندما أقرأ مثل هذا الكلام في مدونتك، أنا نفسي أشعر بالتفاؤل والسعادة والأمل.
أتمنى قراءة المزيد من المدونات المليئة بهذا الكلام الجميل والذي يدعو بالفعل الى التفاؤل والفرح.
عروبة | 03/07/2008, 20:19 [ الرد ]