تترك فينا بعض الأشياء انطباعات لا يمحيها الزمن مهما طال حتى لو تحولت الى نثار محو، على رأي جمال الغيطاني....
من بعض الأشياء التي تثير في نفسي شجنا وذكريات خاصة بعيدة، اغنية وردة الجزائرية "بيسألوني عنك"....
ذات يوم وكنت أنهيت الصف الثاني ثانوي، كان هذا في صيف عام 1976 ، ليس على وجه الدقة بالضبط، لكنه اقرب إليها...
عندما أنهيت هذا الصف لا ادري ما الذي دار في نفسي لأهجر الأردن وأنا ابن ستة عشر عاما فقط لأهرب إلى جنوب لبنان، ربما هربت من فقري ومن قمع والدتي الذي كان فوق طاقتي على الاحتمال يزيده قمع المدرسين، على الرغم من تفوقي في الدراسة انذآك. ومع ذلك فقد قررت الهرب...
ذهبت إلى دائرة الجوازات العامة وأصدرت جواز سفر بموافقة والديّ الذي كذبت عليه "كذبة بيضا" ودفعت رسوم استخراج الجواز خمسة دنانير فقط...
كان ليّ صديق اسمه "بشير" وكان يكبرني بعدة سنوات لكني تعرفت عليه من خلال العمل السياسي، كان هو في "حركة فتح" وكنت انا منتميا للحزب الشيوعي.
طلبت من "بشير" ان يعطني رسالة توصية للحركة لقبولي مقاتلا في صفوفها، لأنني لم اعد أطيق البقاء في الأردن وسط أهلي وناسي.
كتب ليّ "بشير" رسالة صغيرة جدا وطواها عدة طيات وغلفها ببالون وطلب مني أن أخفيها واحملها الى مكتب فتح في دمشق "السبع بحرات" او "مكتب الغربي".
استدنت من صديقي "مفيد" الذي كان يعمل في مجمع النقابات، عندما كانت القوى اليسارية والقومية تسيطر عليه، وكان مجمعا ثقافيا وترفيها ونقابيا بامتياز قبل ان يتحول الى مسجد وحسب...
ذهبت الى سيارات "الشام" في "شارع الشابسوغ" قبل ان تنتقل الى "مجمع العبدلي" وركبت أول سيارة صادفتني وغادرت الى دمشق...
في دمشق أخذت "تكسي" من مجمع "البرامكة" إلى "السبع بحرات" وهناك سألت عن " الأخ عطا" على ما اذكر انه كان الاسم الذي اسماه ليّ "بشير"..
وجدت "الأخ عطا" في المكتب، وقد استقبلني بحفاوة بالغة بعد ان قرأ الرسالة ثم طلب اليّ الانتظار ليفرغ "الأخ أبو جهاد الوزير" من عمله. بعد دقائق استقبلني "ابو جهاد" وتحدث معي قليلا وسألني عن دوافعي وعن عمان.
تركت "الشهيد ابو جهاد" وعدت لعطا الذي قال ليّ : ان "السيارة العسكرية في الانتظار للاقلاع الى بيروت"..
ركبت "الحافلة العسكرية" التي كانت تاخذ طريقا خاصا بالعسكر السوريين والفلسطينيين العاملين في لبنان.
كانت هذه الرحلة اول عهدي بالسفر خارج الاردن، وقد كنت طوال الطريق مدهوشا بالمناظر والاشياء الجديدة التي كنت اراها اول مرة والمختلفة عن ما هو موجود في عمان، او ما كنت اعرفه في عمان وقتها...
لم تدم رحلة الحافلة الى بيروت اكثر من ساعتين ونصف فقط، أنهتها في منطقة "الفكهاني او جمهورية الفكهاني"، بحسب تعبير الناس هناك...
ما ان نزلت من الحافلة حتى سمعت اغنية "بيسألوني عنك" لوردة تندلع بصوت عال من مسجلة محل "عصر فواكه" كان يملكه الفنان اللبناني "فهمان" الذي كان يقف امام باب محله، فوقفت "اتفرج" عليه بقصر قامته وشواربه الكثة وشعره الكثيف الاشيب وفي الخلفية صوت وردة في أغنيتها هذه، ولازلت حتى الآن اذكر كيف ان "فهمان" استغرب بحلقتي فيه، فقلت له أنني قادم من الأردن واننا كنا نتابع مسلسله الضاحك مع "ابو سليم" فيضيفني "عصير خشاف" على الطريقة اللبنانية.
المهم...
ذهبت الى جنوب لبنان، وعمري لم يزد على ستة عشر عاما، وتم اختياري للانضمام إلى "كتيبة الجرمق" التي كانت تطورت من "السرية الطلابية"، التي أسسها على ما اعتقد الشهيد ماجد ابو شرار وعرفت بأنها "كتيبة الماركسيين والماويين اليساريين في فتح" وكان من بين مؤسسيها او المفوضين السياسيين فيها منير شفيق عندما كان "ماويا"، وقبل ان يتحول للاسلام السياسي.
خلال وجودي في الكتيبة قرأت كتاب شفيق، لم اعد اذكر عنوانه الان، الذي رد فيه على كتاب صادق جلال العظم "دراسة نقدية في فكر المقاومة الفلسطينية". واذكر وقتها انني اعجبت برد شفيق على كتاب العظم الذي كنت قرأته في عمان ضمن سجالاتنا نحن الشيوعيون مع "فصائل المقاومة"..
اعتقد أنني الآن اميل إلى رأي صادق العظم منه الى شفيق، وقد أثبتت الأحداث صحة تحليل العظم وبقي عمله صامدا فيما لا احد يذكر عمل شفيق.
بقيت 3 اشهر هناك في الجنوب في مناطق "الزررية وانصار وحبوش ودير قانون النهر والليطاني والنبطية" اقضي طيلة اليوم منتشرا تحت اشجار التين والزيتون هربا من تحليق الطائرات الإسرائيلية.
خلال هذه الاشهر بدأت اشعر بالحنين الشديد لعمان وأهلي والمخيم وبدأت أتصرف كالصغار، ابكي حنينا على أصدقائي وناسي وذكرياتي التي تركتها خلفي في عمان..
وعندما اشتد عليّ الحنين طلبت من قائد الكتيبة ان يتركني أعود لعمان وهو ما حصل فعلا، وعدت بعد ثلاثة أشهر من الغياب حيث لم يكن أهلي يعلمون بأي ارض حللت خلال الغياب...
عندي الأسباب كثيرة، اغنية وردة سمعتها اليوم، وأثارت في نفسي هذه الذكريات دونتها على عجل وأنا في انتظارها...
والله أيامك يا ابو حافلة ومن زمان ..
كم تمنيت أن أكون ثوريا حتى باتت هذه الأمنية هاجس يبعث الحسرة .. ما علينا ادرك ان الاوان فات وادرك بأني ا|لآن لن اكون ولا استطيع ..
بالمقابل لم ارغب يوما أن أكون حزبيا ..
خالد السعود | 21/11/2008, 17:46
فعلا سيدي، كما وصف غوار ابنه وهو يحاول بيعه في -كاسك يا وطن- اذ سُئل هل ثمة شجرة العائلة للطفل فقال : له سنديانة عائلة!!!!
وانت لك سنديانة من التاريخ الذي لا يخوضه غير الكبار..
والذي جعلني اربط هذا تدوينك هذا ، مشاهدة مقابلة احمد منصور مع سلطان العجلوني الذي غادر الاردن لتنفيذ عملية فدائية في فلسطين ، كان يومها ابن 16 عام مثل الاستاذ محمد عمر اذ خرج ابن 16 عام يريد القتال في لبنان ..
يساري يخرج بتنظيم هيكلي كبير واسلامي يخرج بذات التفكير ولكن من غير أطر تنظيمية وربما القاسم المشترك ان الرغبة كانت فردية لدى الاثنين..
يعني شعرة واحدة فقط ، بين عمل الاسلامي وعمل اليساري وكلاهما لعبة نصفها او اكثر من نصفها الموت،،الا تستدعي يوما قراءة نقدية من خارج اليمين واليسار، فالتنظيمات الاسلامية واليسارية دائما مادتها الشباب وعلى وجه ادق الفتيان ، اليوم ربما كل الذين كانوا في اليسار واليمن تحت مظلات تنظيمية قد تحرروا من هذه الأطر وهم يكتبون عنها او يتكلمون للتاريخ..!!
اعتقد استاذ عمر توافقني الرأي
محمد العمري | 21/11/2008
محمد العمري | 21/11/2008, 22:04
اشكركم اصدقائي بسمة وخالد..
صديقي الاستاذ محمد العمري، امثال رفيقي سلطان كثر، كان من اول شهداء الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 الشهيد احمد المجالي الذي ترك دراسته في كلية الطب في السنة الرابعة وذهب مقاتلا هناك وعاد الى الكرك شهيدا. وقد كتب فيه قصيدة تغنيها فرقة بلدنا: أغنية حب لشهيد الكرك
"أحمد المجالي"
هذا الوطن للناس وإحنا عزوته
ما يرفع الراس إلا مجده و عزته
و الدم ايش الدم لو كان انحبس
وما كان مهره في الحروب ومهرته
***
يا عيون إمي بالفرح لا تدمعي
أحلى الشباب هي اللي بتحارب معي
دمي بذر لحن الكرامة اتسمعي
أرض القدس شمسي و كفِّك منبعي
***
هلِّي بزغرودة و قمر
و غنيله يا أحلى المدن
احمد على الموت انتصر
ما ازهي شمسك يا وطن
***
ورده لكل صغير في ارض الكرك
للشيخ و الأم اللي قالت يا ملك
هذي الأرض أعطت و راح تعطي و اجت تستقبلك
***
مين شاف طفل صغير ودَّع ميمته
و كان القمر يغفى ع طلة غرته
مين شاف لمن عاد و لمنه ابتسم
و الورد طالع من سلاحه و جعبته
***
هذي فلسطينك إلك
هيِّ إلك
مثل الطفولة و صدر امك
و الكرك هيِّ إلك
هذي فلسطينك إلك
للي بيرفع رايتك
و يمسح غبار الليل عن مرتينتك
هيِّ إلك
هلي بزغرودة و قمر
على اي حال، اعتقد ان كل التجربة تحتاج الى مراجعة نقدية جذرية، اتفق معك بهذا وقد كنت اكتب ناقدا على الاقل تجربتي في قسم "كنت حزبيا"..
تحياتي..
محمد عمر | 22/11/2008, 08:28
شخص اخر وهو صديقنا ماجد زبون م عائلة بني حسن العظيمة ترك جامعة اليرموك وهو طالب معنا في السنة الثالثة ولكنه لليوم اسير لدى العدو الصهيوني ولم يتم اطلاق سراحه رغم الاتفاقيات والصفقات..
علي الزقط | 22/11/2008, 08:49
والشهيد ابن جامعة اليرموك ايضا فريد سوالمة الذي استشهد عام 1987 بعد عملية في قلب اسرائيل وهو ابن قرية بيت يافا الواقعة جنوب غرب اربد..
قصيدتك يا محمد عمر
..فتحت جروحنا على الشهداء
على الزقط | 22/11/2008, 08:52
صديقي علي، اشكرك
القصيدة ليست لي بالطبع واعتقد انها للشاعر ماجد المجالي، ولكني نقلتها من موقع الفرقة.
هناك اصدقاء كثيرون ليّ ممن اختاروا درب سلطان واحمد وماجد وفريد، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، ولو سمح لي بعضهم ان اكتب عنه فسوف اكتب تحية حب لهم..
محمد عمر | 22/11/2008, 08:57
صديقي لا تنسى المناضلة ورفيقتك تيريز هلسة بنت الكرك التي التحق بالجبهة وعمرها 16 عام واعتقلت وحكم عليها ب 240 سنة سجن ولم ترى اهلها الا بعد توقيع معاهدة وادي عربة .
http://www.alsdaqa.com/vb/showthread.php?t=24843
جمال عبد الرحمن | 22/11/2008, 09:08
اخي محمد عمر،،
قصائد ماجد بالفصحى غالبا وقصيدة فرقة بلدنا شهيد الكرك
لابراهيم نصر الله علم في راسه نار..!
محمد العمري | 22/11/2008, 09:17
اشكرك يا صديقي على التوضيح...
دمت
محمد عمر | 22/11/2008, 15:40
ورفيقنا الكبير نايف حواتمة امين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
صديق | 22/11/2008, 09:23
بالأمس شاهدت بالصدفة و أنا أقلب القنوات برنامج عن أحد شهداء عملية الخالصة التي حصلت قبل 20 عاما على قناة القدس، و كيف يعيش أبوه و أمه حياة البؤس و الكفاف في أحد مخيمات لبنان، فعلا برنامج مؤثر و أنت تسمع أمه تصف لحظة استحمامه لمدة ساعتين استعدادا للخروج للشهادة و كيف وزّع أغراضه المتواضعة على بقية إخواته، رحم الله جميع شهدائنا الأبرار الذين غادرونا و هم في عنفوان شبابهم الغض.
الحق المر | 22/11/2008, 10:49
تحوا الحديث عن الشهداء وهو فضل لا نستحقه
متفائل | 22/11/2008, 11:48
للاحرار وحدهم تشرق شمس الغد.
حسام عبيدات | 22/11/2008, 15:08
الآن وانا على سفر بلغني نبأ وفاة صديقي ورفيقي فيصل هلسة. كنت انوي ان اكتب عن فيصل وسوف اكتب، لكن لا اريد ان اكتب على عجل اخشى ان لا افي هذا الصديق حقه..
فيصل اكبر ثلاثة اخوة: مشعل، ضرغام وفيصل، من قرية "حمود" التي زرتها اكثر من مرة ونمت فيها واكلت مع اهلها.. الاخوة الثلاث كانوا رفاقي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، انا غادرت القطار وهم صمدوا.. فيصل ومشعل وضرغام دفعوا الكثير لاجل اردن ديمقراطي وفلسطين حرة، الثلاث اعتقلوا اكثر من مرة وتغربوا عن الكرك سنين طويلة في المنافي وفي السجون...
فيصل "ابو اليسار" وداعا ايها الاب الجميل...
كل العزاء لرفاقي مشعل وضرغام وام يسار وكل اهل حمود...
يا رفيقي ابو اليسار اعتذر اعتذار خاص جدا منك ومن ضرغام ومشعل انني لن اكون بينكم...
ابو اليسار وداعا يا رفيقي الجميل...
محمد عمر | 22/11/2008, 19:00
أستاذ محمد،
أغبطك على هذا التدفق في الكتابة، أتابع مدونتك، أجمل ما فيها تنوّعها بين اليومي، والسياسي، والثقافي
دمت طيبا
بسمة فتحي | 21/11/2008, 17:34 [ الرد ]