Hopeless emptiness. Now you've said it. Plenty of people are onto the emptiness, but it takes real guts to see the hopelessness
(1)
كنت عائدا للتو من "الشريط الحدودي" الذي أنشأته إسرائيل في جنوب لبنان. كنت عائدا من عملية اختطاف فاشلة لضباط في "جيش لبنان الجنوبي" كان مسؤولا عن عمليات التعذيب في سجن "الخيّام" صيت السيء والسمعة.
كنت قبل أن أراها معرضا للموت في كل لحظة. كنت مدججا بالسلاح أكمن مع ثلاثة من رفاقي على حافة الطريق في انتظار مرور سيارة الضباط العميل. لكنه لم يمر يومها ولم نعرف السبب.
انسحبنا عائدين في اتجاه "بيروت" وقبل أن نصلها صعدنا الطريق الإسفلتي الضيق نحو معسكر التدريب في "الدلهمية" على بعد عدة كيلومترات جنوب "بيروت".
كانت هناك بلباسها العسكري، كانت في دورة تدريبية. وكنت فتى في العشرين، في أول الحب.
عندما وصلنا المعسكر كانت نوبة حراستها. تركت رفاقي وذهبت لرؤيتها. جلست معها لاطفيء نار شوقي إليها.
كنت فتى في العشرين من عمري، بدون نظارات طبية، مأخوذا بقدرتي على الحب والحرب معا. كنت أفكر بيني وبين نفسي: هل أنا، أنا؟
كيف يمكن أن تقترب من الموت وتكون مستعدا للقتل والموت معا وأنت تفكر في الحب. كيف يمكن أن تكون عاشقا و "إرهابيا" في لحظات؟
كيف يمكن ان يجتمع الحب والحرب، العشق والموت معا؟.
(2)
عدت من "كوبا" خلال الإجازة السنوية بعد سنتين من الدراسة هناك. كنت بشوق وحنين لرؤية أصدقائي اللبنانيين الذين لم أرهم منذ خرجت مع "القوات الفلسطينية" بعد حصار بيروت.
أخذت سيارة الأجرة اللبنانية من "كراج البرامكة" في "دمشق" وقصدت لبنان. لم يكن بحوزتي سوى "وثيقة سفر كوبية" صالحة للاستخدام لسفرة واحدة" "هافانا / دمشق وبالعكس".
قبل أن نصل إلى منطقة "المصنع"، النقطة الحدودية اللبنانية، هبطت من سيارة الأجرة، وتسلقت الجبل لأدخل لبنان تهريبا.
اجتزت مسافة تزيد على الأربعة كيلومترات في الجبل سرت بتوجس بين أشجار البلوط والسنديان متخفيا خلف جذوعها وخلف الصخور خشية الوقوع في أيدي أفراد الجيش السوري او اللبناني.
كانت مغامرة حقيقية، كنت معرضا أما للاعتقال أو الموت في أي لحظة. لكني كنت مصمما على رؤية أصدقائي.
اجتزت الحدود وأخذت سيارة أجرة في تجاه منطقة "شتورة". وهناك سألت عن السيارات الذاهبة إلى "جرود الهرمل"، كنت أريد زيارة صديقي ورفيقي "أيمن" او "إسماعيل".
قال لي سائق إحدى السيارات انه ذاهب إلى "الجرد" لكن عبر طريق "زحلة".
كانت "القوات اللبنانية" و "الكتائب تسيطر على "زحلة" وكان كل فلسطيني يمر من هناك معرض لخطر الاختطاف أو القتل.
قلت له إنني أريد أن اذهب عن طريق "بعلبك" لأنني لا استطيع أن أغامر بالمرور عبر "زحلة".
أدرك السائق فورا سبب خوفي، وقال ليّ: لا تخف استطيع ان أخرجك من فم الحوت؟.
لا ادري لماذا صدقت كلامه فورا ووافقت على الذهاب معه عبر هذه الطريق الخطرة.
عندما اقتربت السيارة من حاجز "القوات اللبنانية" على مدخل المدينة بدأ قلبي يدق بقوة. كان السائق يتفرس بوجهي وينظر إلى نظرات لم أكن قادرا على تفسيرها آنذاك. لم أكن اعرف ما إذا كان يريد طمأنتي أم انه كان يتفرس في وجهي لمعرفة رد فعلي فقط.
عندما طلب مني احد أفراد المليشيا هويتي، بحثت في جيبي عن هوية قديمة، أو منتهية الصلاحية كنت أخرجتها من "الجامعة اللبنانية" قبل أربع سنوات عندما سجلت طالبا فيها ولم أكمل تعليمي لأنني لم ارغب في مواصلة الدراسة في وقت كنت أشاهد فيه الناس يقتلون ويقاتلون. فقررت التخلي عن دراستي والانضمام للقوات العسكرية للثورة في الجنوب.
تفحص الميليشاوي جيدا في الهوية وسألني لماذا لم أجددها، فاختلقت كذبة سخيفة.
لا ادري لماذا سمح ليّ بالمرور...
وللان أتسأل بحق، ما هو السبب الذي دفع بهذا الميليشاوي الشاب ان يسمح ليّ بالمرور بدون تدقيق أو تحقيق مع أن سحنتي ولهجتي وكل ما فيّ يدل على هويتي الحقيقية؟
ومع ذلك فقد خرجت من بطن الحوت حقا...!
(3)
خلال حصار "بيروت" كنت ورفيقي "فؤاد" من ضمن ضباط القوة الأمنية الفلسطينية اللبنانية المشتركة، التي كانت كلفت مهمات حفظ الأمن ومنع الاختراق الداخلي للمدينة.
قال لي رفيقي "فؤاد" خلال احد أيام الحصار المديد انه وصله تقريرا عن مقاتلين من رفاقنا يتعاطون المخدرات في إحدى القواعد العسكرية في منطقة "الطيونة" التي كانت واحدة من أكثر خطوط التماس التهابا مع العدو الإسرائيلي.
أراد "فؤاد" أن يتأكد من صحة التقرير. لكن القصف الإسرائيلي كان يومها عنيفا جدا.
أقنعني "فؤاد" الذي كان عسكريا مدربا وعمل لاحقا مرافقا للدكتور جورج حبش انه يستطيع قيادة السيارة الـ"البيجو 504" البيضاء التي كانت مخصصة لنا من قبل القوة بأمان وانه قادر على الإفلات من قصف الـ"اف 16"...
لا ادري لماذا أقنعني "فؤاد" بقدرته هذه فوافقت فورا على الذهاب معه.
عندما اقتربنا من "الحرش" على "طريق قصقص"، بمحاذاة "ميدان سباق الخيل"، اشتد قصف الـ"اف 16" وبدأت أسراب الطائرات هذه تمشط الشارع برشاشات الـ"22 ملم" مستهدفة سيارتنا.
فتحنا أبواب السيارة وانبطحنا بجانبها لكن القصف كان عنيفا. هربنا بأقسى سرعة في تجاه مدخل بناية قريب.
أصيب "فؤاد" بجروح خفيفة ونجوت أنا من كل سوء.
(4)
في الانتظار...!
كنت قصدت أمس الذهاب إلى "مركز الحسين الثقافي" في "رأس العين" للاستماع الى ثلاثي جاز اسباني.
لكن صديقتي "ن" اتصلت معي خلال مسيري ماشيا إلى وسط البلد. أخذني الحديث معها نسيت مقصدي.
قالت ليّ: انك تضع نفسك في "الانتظار"، رجل يجلس على مقعد الاحتياط في انتظار شيء ما سوف يحصل؟.
كانت تقصد انني "انتظرها" ليست هي بل الاخرى؟
اذ لم انتظرها فماذا انتظر؟
ان تنتهي غسالتي الفل اتوماتيك من وجبة الغسيل التي وضعتها صباحا فيها؟
ام انتظر تعليقا على مدونتي؟
ام انتظر مديحا من طالب جامعي دربته في ورشة تدريب؟
ام انتظر سائق طائش يقتلني على مفرق طريق او يصيبني بعاهة دائمة؟
ام انتظر الراتب اخر الشهر.
ام انتظر منصبا او شهرة او مديرا يلقي على تحية الصباح ويمتدح عملي؟
ان لم انتظرها فماذا انتظر؟
(5)
يقول احد أبطال فيلم " Revolutionary Road ": الحياة تمنح الإنسان فرصتان. أن لم يغتنم احداها يندم.
ولقد منحتني الحياة عشرات الفرص لاحياها كرحلة جبلية صعبة وشاقة، لكنها كانت حياة عشتها على الحافة دائما. متأرجحا بين الموت والحب والحياة والسفر والغربة والاعتقال...الخ، حياة غنية، حياة تستحق أن تعاش حتى آخر رمق.
عشتها في الانتظار: في انتظار ان اكبر وأتعلم واستقل وأتخلص من قسوة أمي؟
كنت انتظر العودة إلى وطن سليب. انتظر واحلم بفردوس مفقود.
انتظر ان اخرج من حصار. ان أنجو من موت محقق. ان اعود للبيت، ان اعود لحبيبة.
كنت انتظر أن امنح بناتي أمنا وأمانا وبيتا وتعليما وتربية وحياة طيبة؟.
أريد فرصة أخيرة من الحياة: أن تمنحني الشجاعة أن أرى اليأس والفراغ إذا ما حصلا في حياتي وعندما أتوقف عن الانتظار. عندما لا أعود أتوقع شيئا على الناصية الاخرى للشارع.
أريد فرصة أخيرة من الحياة: أن انهي حياتي بنفسي عندما أتوقف عن الانتظار والحلم والعبث والسؤال والشك وتقلب مزاجي وعن البحث عن أسطورتي الخاصة، اي عندما لا اعود مجنونا او مريضا نفسيا واصبح "عاديّا"...
"...ولد أطاح بكل ألواح الوصايا..والمرايا..ثم..نام..ثم..نام ..ثم... نام !!..."
في مسلسل سوري لقصي خولي وسلاف فواخرجي اسمو رسائل الحب والحرب .. لازم ضروري تشوفو .. بيحكي عن حصار بيروت ..
reemi | 17/02/2009, 12:39
دائما مبدع وجريء.
عزة | 17/02/2009, 13:35
الحمد لله على سلامتك مع انها متأخرة,واذا صار فيك اشي من هذيك الأيام ما بنلاقي حدا يفضفض عنا ولا حدا يدربنا في Bristol Hotelالله يعطيك العافية يا استاذ محمد والله يخليك الى من تحب.
monsef sadaqah | 17/02/2009, 20:04
الحياة ليس مجرد فرصتين فهي مليئة بالفرص لكن على الشخص ان يعرف متى يغتنم الفرصة.. يوما ما ستأتي هذه الفرصة وتكون سعيد بها .. ويعجبني سردك عن ذكرياتك
نور العمد | 18/02/2009, 23:52
جميل!
آلاء الحسيني | 19/02/2009, 16:18
ماذا ذكرتُ من المكانِ
سوى الرحيل لغيره
صفصافةٌ أخرى
تذكّر أختها
بنعاس كفي
في جدائلها
غيومٌ تعبر الأيام
صادقة و كاذبةً
(أسر بما أرى)
ماذا ذكرتُ من البلاد
سوى المرور
لغيرها
جند الجمارك
لا يطيلون التأمل
في حقائب سيرتي
لا يسألون عن الشتاء
بموطني
ما جاء بي ؟
الأسباب لا تحصى
و لكني
إلفتُ متاجرَ الأضواء
في سوهو
و صاحبت اغترابي
في مدائنَ لا تُرى
أحببت نسيانا
يطوق وجهتي
أو يجعل الأصحاب أبهى
هونج كونج تردني
نحو الصبا
و الريح تهرمُ
و الشواطئ هاجرتْ
و رجعت
كي أجد البلاد غريبة
عن أمسها
أبناء أعمامي اشتروا
قمح القرى
بدراهم المنفى
رفاقي في الضحى
مروا
إلى أقصى الصدى
ماذا ذكرت من الشوارع
غير نسياني لها
أو من يردون السلام
بلا كلام
ثم يزدادون في حلمي
اكتمالا
حين تسقط توتةٌ
أوراقها
المصدر
أعتقد أن الانتحار الذي تقصده بالفرصة الأخيرة ..
هو الحرام بعينه ..
لأنّك يجب أن تظل حيًا لـ تنتظرها وتحلم وتعبث وتسأل وتشكّ ويتقلب مزاجك ألف مرة في الدقيقة وتظل تبحث عن أسطورتك الخاصة ..
وتظل تتمنى أن تموت قبل أن تنتحر "عاديّةً" وضجرًا ..
77Math | 17/02/2009, 11:45 [ الرد ]