هذه تدوينة كتبتها على دفعتين "مخربطة" تماما. كتبتها بين انتظاري للباص في واشنطن وتوقف القطار الذي ركبته الى شيكاغو...
أحاول أن أجد مقدمة أو مدخل لهذه التدوينة، وقد شق علي الأمر. فعن ماذا اكتب. عن مشاعري ام عن مشاهداتي او انطباعاتي...
انا الان في القطار الذاهب من "نيويورك" الى "شيكاغو". وهو متوقف الان في محطة تدعى "الن باي"، الرحلة من "نيويورك" الى "شيكاغو" سوف تأخذ 16 ساعة وقد غادرت "نيويورك" على الساعة الرابعة والان تشير الى السابعة من مساء اليوم الخميس.
كلما بدأت بكتابة تدوينة سرقني شيء ما عن إكمالها. ففي "واشنطن" بدأت بكتابة واحدة وانا في انتظار الباص ثم تركتها. حاولت كتابة اخرى خلال الرحلة لكني فضلت ان استمتع بمشاهدة الطريق. والحال الان كذلك. لكني استغل الان فرصة توقف القطار في اول محطة للكتابة.
المهم...
بقدر المتعة التي اعيشها خلال رحلتي هذه او جولتي هذه في اميركا بقدر ما اشعر بالإرهاق الشديد وتختلط على المشاعر واشعر بفقدان قدرتي على الكتابة والوصف.
وصلت "نيويورك" امس الاربعاء على الساعة الرابعة والنصف من "واشنطن العاصمة"، وكنت قد ركبت باص يطلق عليه هنا اسم Chinatown Bus وخلال انتظاري الباص كنت كتبت التالي...
واشنطن
الساعة الان الرابعة الا ربع عصراً بتوقيت نيويورك، اجلس في القطار الذاهب الى "شيكاغو" حيث سأقضي حوالي 16 ساعة في القطار.
لكن من حن حظي فأن القطار مزود بالكهرباء والانترنت اللاسلكي، وهذا ما شجعني على كتابة هذه التدوينة.
واشنطن
ارشدني صديقي "داود" على طريقة رخيصة للانتقال من "واشنطن" الى "نيويورك". فقد دلني على باصات استحدثتها الجالية الصينية الكبيرة هنا...
لكن "داود" لم يكن يعرف اين تقف هذه الباصات ولا كيف تتنقل. حاولت الدخول الى موقعها عبر الانترنت. لكنني عجزت كذلك عن معرفة مواقف هذه الباصات، ذلك لانني لم اكن اتوقع ان لهذه الباصات مواقف عادية في عدة مناطق من العاصمة تنطلق منها من دون ان يكون لها مجمع واحد او كراج موحد.
سألت احد عمال الفندق فوصف لي مكان بعيد جدا. اخذت المترو وذهبت الى هذه المنطقة لاكتشف انه لا يوجد لهذه الباصات موقف في هذه المنطقة.
عدت وسألت من جديد. وارشدتني الناس الى منطقة " Chinatown ". اخذت المترو في الاتجاه المعاكس وعدت الى المنطقة، وبدأت بالسؤال حتى ارشدوني الى مكتب صغير جدا يقع في قبو حقير، لا تبدو عليه أي ملامح "الفخامة" او الحضارة الاميركية.
دخلت المكتب وحجزت تذكرة ذهاب الى "نيويورك" بعشرين دولارا فقط. كنت افكر بالذهاب الى نيويورك بالقطار، لكنه كان سيكلفني بين 75 الى 100 دولار. شكرا للصين...
العاملون هنا، وهم بالاحرى امرأتين فقط، يتحدثن الصينية بين بعضهن البعض.
دفعت العشرين دولارا ووضعتها المرأة في حقيبة يدها واعطتني تذكرة ورقية بسيطة من مكينة تشبه ماكينات البطاقات الممغنطة او تلك التي تستخدم عندنا لاعادة شحن الموبايل.
في المكتب، الذي انتظر فيه الباص واكتب هذه التدوينة، احتشد عدد كبير من المسافرين. جميعهم من "الافرو- اميركان" و"الهيسبانو- اميركان" و "الصواينة"، بحسب التعبير الذي اصبح دارجا عندنا لوصف الصينيين.
يبدو الفقر هو السمة المشتركة والظاهرة على الركاب. والتقشف هو سمة المكتب الذي انتظر فيه بكراسيه الجلدية الممزقة وتواضع كولر الماء وكاسات البلاستيك.
بحسب ما عرفت فان "الصينيين" هنا اخترعوا هذه الوسيلة لنقل ابناء جلدتهم العمال بين الولايات باسعار معقولة ولكن بخدمة نظيفة ومنضبطة لكن بدون فخامة.
لا يحتاج الامر بالنسبة لهم مكاتب فخمة، وموظفون ببذل، وماكينات كاش رنانة ولا مواقف كبيرة مزودة بمسارات واشياء اخرى ليست سوى من لزوم ما لا يلزم.
كل ما في الامر مكاتب صغيرة ومتقشفة منتشرة في اكثر من منطقة. عاملة او عامل بشنطة جلدية وماكينة لسحب التذكرة التي بيست سوى ورقة "كاش" وحسب.
اما الباص فله مواعيد محددة بدقة. ومواقف عديدة يتوقف فيها. لا يوجد أي اشارة تدل على هذه المواقف. لكن على الركاب ان يستخدموا الانترنت لمعرفة مواقف الباصات ومواعيد انطلاقها وبمكان الراكب شراء تذكرته عبر الانترنت او من سائق الباص او عاملة المكتب ببساطة. لا ضرورة لأي بهورة هنا سوف يتحمل الركاب عبئها المالي.
المهم...
في الباص...
أوحى ليّ المكتب المتواضع أن الباص الذي سوف نستقله سيكون على شاكلة "باصات ابو صطيف"، وباصات "ابو صطيف"، لمن لا يعرفها، هي باصات شعبية خاصة تعمل على نقل الركاب بين محافظات دمشق.
وقد سميّت كذلك لانها باصات شعبية يستقلها ابناء المحافظات الفقراء. لا مواقف محددة لها، وركابها مثل ركاب " ع هدير بوسطة" فيروز، لكن باضافة سندويشات البيض المسلوق وروائحها...
اما باص CHINATOWN فقد كان مختلفا تماما فهو مثل "البولمانات" في سوريا، والبولمان هذا مثل باصات شركة "جت" او غيرها عندنا. منظر فخم وكراسي مريحة نسبيا وتلفزيون صغير لتسلية الركاب و "حبة ملبس" وكاسة ماء مع ابتسامة من مضيف غلبان لزوم استغفال ابناء المحافظات الاقل فقرا واشعارهم بالفخامة. مع فارق ان باص Chinatown مريح وحديث ونظيف جدا وبدون أي مظاهر كذابة وعمالة زيادة فالمهم نقل الناس باقل كلفة...
اكتشفت لاحقا ان احد باصات هذه "الشركة" يتوقف ظهرا في الساحة التي لا تبعد مسافة خمسة دقائق عن الفندق الذي كنت اقيم فيه. وكم ضحكت من نفسي عندما تجشمت عناء الذهاب بعيدا بحثا عن محطة موحدة للباص كما كان في مخيلتي
غادرت "واشنطن" بالباص الى الساعة الحادية عشرة صباحا لاصل "نيويورك" على الساعة الرابعة والنصف عصراً...
توقفت عن كتابة هذه التدوينة عندما حضر الباص وبدأنا بالصعود اليه...
اعود لقطار "شيكاغو"...
بعد ان كتبت جزءا من هذه التدوينة خلال توقف القطار في محطته الاولى توقفت عندما بدأ المسير.
والان اكتب بعد ان قطع القطار حوالي 16 اعة متواصلة قضيت اغلبها نائما. لان الوقت كان ليلا ولم استطع مشاهدة شيء وكنت مرهقا جدا.
قال ليّ مضيف القطار انه لا يزال امامنا نحو اربع ساعات ونصف الى "شيكاغو" استغليت الوقت المستقطع هذا لشراء قهوة بدولار وثمانين سنتا. والهبوط من القطار لتدخين سيجارة.
تكلفة القطار من "نيويورك" الى "شيكاغو" حوالي 132 دولارا اشتراها صديقي "سنان" عبر الانترنت وكذلك حجز غرفة الفندق في "نيويورك" التي اشتراها "سنان" عبر الانترنت ايضا.
الانترنت هنا اصبحت تتدخل في تفاصيل حياة الاميركيين. ومع ذلك فهي مكلفة بالنسبة للزوار ومن الصعب ايجاد "انترنت كافية" في بعض المناطق. الان ان بعض المطاعم والفنادق والمقاهي توفرها مجانا. وكذلك الامر في محطة القطارات.
وبالامكان شراء بطاقات او "دخول" عن طر يق بطاقات الائتمان...
ما علينا...
اعتقد ان هناك مدنا في العالم ان لم يراها الانسان سيفقد الكثير. ومن هذه المدن "فاس" في المغرب "ونيويورك"...
نيويورك هذه، اطلق عليها احدهم ذات مرة مدنية العالم. وهي كذلك.
انزلني باص الـ Chinatown في وسط المدينة او الـ Downtown او في الـ Time Squire ، 42 Street.
في هذا المربع البسيط، مثلا، تجد بذلة ب 68 دولارا وعلى بعد عدة "بلوكات" تجد بذلات وازياء وماركات بالاف الدولارات..
نيويورك يجتمع فيها كل شيء، تبدو "واشنطن" امامها "قرية للمتقاعدين" او حي سكني هاديء للعقلاء والسياسيين وغيرهم. واشنطن متحف كامل بمتاحفها ومناظرها الخلابة، خاصة "زهر الكرز" الذي كان حظي ان زرت المدينة في موسمه.
وزهر الكرز هو ما يضفي على طبيعة "واشنطن" جمال خاص. والان هو موسم تفتح شجر الكرز. وقد كنت عرفت ان الامركان نقلوا الى بلادهم شجرة الكرز من اليابان حديثا. وفي اليابان كما في واشنطن الان يحتفل سنويا بزهر الكرز في مثل هذا الوقت.
المهم....
القطار بدأ المسير والشمس اشرقت... لا ادري متى سارفع هذه التدوينة..
"نيويورك" شي مختلف...
نيويورك متحف بكل شيء: سكانها ومبانيها واضوائها وطبيعتها وحتى قمامتها، كل شيء هنا يستحق الوصف والمشاهدة والتوقف امامه طويلا...
صحيح ان في "نيويورك" مناطق مشهورة تستحق الزيارة الا ان كل ما في المدينة يدعوك للتأمل...
سكان "نيويورك" خليط بشري من كل سكان العالم. شوارع فسيحة كلما نظرت الى الاعلى الى ناطحات السحاب شعرت ان الشارع يضيق ليصبح زقاقا.
مباني نيويورك شاهقة جدا الحديث يجاور القديم. لكن ليس هذا مهما. فكل هذه المباني باتت شهيرة بسبب السينما.
وانا اتجول في المدينة كنت اشعر انني اعرفها اعرف مبانيها، اغلبها، معالمها السياحية...
الصحيح انني غير قادر على التركيز في الكتابة فجمال المناظر خارج القطار ملفتة تماما.كنت فهمت ان الرحلة ستتمر 16 ساعة كلني قضيت في القطار 21 اعة ولا يزال امامي ساعة واربعين دقيقة.
.. يسعد أوقاتـك ..
.. "تـوهتـنـا" معـاك .. (كن و إهدأ) .. حابين نستمتع بالتدوينة ..
دمت بخير ..
فــاخــر النـحـال | 19/04/2009, 07:04
نهارك سعبد (اعتقد ان هناك مدنا في العالم ان لم يراها الانسان سيفقد الكثير. ومن هذه المدن "فاس" في المغرب "ونيويورك")وانا اعتقد ان ليس هناك كثير من الكتابات التي ادا لم تقراها ستفقد او تخسر شيئا لكن مدونة محمد عمر شى جديد مختلف ومفيد
شخص | 19/04/2009, 10:06
صباح الخير للجميع
محمد عمر | 19/04/2009, 15:08
محمد عمر في عقر دار الإمبريالية ولا يرى إلا الإنساني منها...هممممـ... غريب !
Naser | 19/04/2009, 15:20
very nice, I enjoed your description.
eyad | 19/04/2009, 17:57
واللهي انا ماني عارف ايش الهدف من التدوينة دي :(
حتى انها ليست مركزه على موضوع معين
حاتم | 24/10/2009, 11:05
السلام عليكم..هذه أول مرة أدخل فيها هذه المدونة كنت أبحث عن موضوع ووجدتها أمامي لقد أعجبني الموضوع جدا فقد كان عفويا جميلا علاوة على انه عن موضوع مقرب الى قلبي وهو السفر. أتمنى لك التوفيق ولكم أتمنى أن أمربنفس تجربتك فأنا عاشقة للسفر والتجول في أنحاء الأرض ولكن الى الآن لا تسمح لي ظروفي بذلك. صدقني هذه من أجمل أيام العمر التي سوف تتذكرها مستقبلا. شكرا لك
asma | 10/11/2009, 07:06
جميل جدا:)
ميّـاسي | 19/04/2009, 01:06 [ الرد ]