إن من شيء ينقص هذه البلاد فهو بالتأكيد ليس الماء المتوفر بكثرة. ومع ذلك، فانا اجلس الان على شرفة منزل صديقي "سنان" استمتع بمنظر المطر "الحقيقي" الهاطل بغزارة على "شيكاغو"...
الساعة الان حوالي السادسة والنصف بتوقيت شيكاغو وقد استيقظت باكرا لانني نمت باكرا. بالاحرى قضيت اغلب امس نائما، سواء في القطار او في منزل "سنان" الذي اصر على استضافتي بكرم ولطف شديد منه ومنه زوجته.
اخذني "سنان" امس بسيارته من محطة القطار في شيكاغو التي وصلتها صباحا. وقبل ان نذهب الى البيت تجولنا قليلا في سيارته في بعض شوارع "شيكاغو".
كل شيء في هذه البلاد ضخم او huge، كأن لا حل وسط في اميركا. بلاد شاسعة جدا. مدن من الصعب ان تحيط بها وبشوارعها ومبانيها حتى لو سكنت عدد من السنين.
لاحظت ان صديقي يضيع في شوارع مدينة "شيكاغو" رغم انه يتعين بالجي بي اس"، وهو عبارة عن كمبيوتر صغير يرشد سائق السيارة على الامكنة والشوارع. ومع ذلك شيء بقلب الراس، كما نقول...
امس مثلا دعاني "سنان" لمشاهدة المدينة ليلا من على واحدة من اعلى المباني، مبنى " Water Tower.وهذا المبنى الذي يقع في اهم شارع في شيكاغو، شارع ميتشغان، يرتفع لاكثر من مائة طابق، ومبني من الفولاذ والزجاج الاسود اساسا، مثل اغلب ناطحات السحاب هنا.
انتظرنا في طابور نحو ربع ساعة لنتمكن من ركوب المصعد الى الطابق السادس والتسعين. كانت هذه اول تجربة ليّ في الصعود الى بناية بهذا الحجم او تخطي كل هذا العدد من الطوابق..
كان المشهد من الطابق السادس والتسعين كما لو كنت في طائرة. مدينة ضخمة تنبسط على مد النظر. اضواء تنفق ملايين الكيلووطات في الثانية، ربما، سيارات بالالاف، بنايات وعمائر بعشرات الطوابق. حركة طائرات دائبة تشعرك كأن الطائرات متوقفة في الجو تنتظر الماح لها بالهبوط في المطار...
من الطابق السادس والتسعين في ساعة مساء، من الصعب مشاهدة المارة. لكنهم في النهار كانوا يجبون الشوارع بالالاف. مئات الناس كانت تمارس رياضة الركض او المشي على شاطيء بحيرة "شيكاغو" التي اعتقد انها واحدة من ضمن البحيرات الخمس، اكبر خزان مياه عذبة في العالم، والله اعلم...
لم يحل الربيع هنا بعد. والأشجار لا تزال جرداء، وحدها اشجار الكرز ازهرت. ومع ذلك فالربيع هنا يكاد يفصح عن نفسه واتخيل كيف سيكون بعد اسابيع قليلة..
ما علينا...
كنت لاحظت وكتبت عن "البدانة" كسمة عامة عند الاميركيين، طبعا هذا لا يعني ان ليس هنا اجسام طبيعية او رياضية، بل يوجد منها الكثير. لكن الغريب في الامر ان هذه البدانة مفرطة كثيرا في سمنتها.
اعتقد ان الامر يعود الى طبيعة الاستهلاك هنا. فالاميركي انان مفرط في استهلاك الاشياء وتحديدا الطعام. الاقبال على المطاعم والاكل هنا ملفت للنظر. لا يوجد مطعم او كفتيريا او أي عربة تبيع مؤكلات خالية. بعض المطاعم في "نيويورك" او "واشنطن" او "شيكاغو" تشهد طوابير من الناس المنتظرين دورهم.
محالات السوبرماركت هنا مليئة بالالاف الاصناف من الاطعمة. الكثير منها شبه جاهز للاكل. لا يغلب الاميركي في ايجاد ما يأكله ولا ينفق الوقت الكثير على اعداد وجبة طعام. كل شيء متاح ومتوفر وشبه جاهز للاعداد.
اما المطاعم فهي بالمئات في المدن وربما في الشوارع. مطاعم تقدم مؤكلات من كل بلدان العالم. ومطاعم متخصصة بكل صنف، بما في ذلك مطاعم تقدم اكل غير معالج كيمائيا مثل المطعم الذي دعيت عليه في اخر يوم من وجودي في "واشنطن".
خلال وجودي في "واشنطن" او "نيويورك" اعتد التردد على المطاعم الصينية فهي الارخص هنا. وبعضها يقدم وجبات "مفتوحة" وبعضها يبيع الوجبة بالكيلو...
المهم...
كان لافتا بالنسبة ليّ حجم القمامة التي تضيق بها ارصفة نيويورك. اعتقد انها اكبر مدينة منتجة للقمامة..
تجولت اول امس في شوارع نيويورك في ساعة مبكرة جدا. كانت ملايين الاكياس الملونة، سوداء وزرقاء وبيضاء، موضوعة على الارصفة في انتظار سيارات جمع النفايات. وكانت هذه السيارات مخصصة لصنف محددة من هذه الاكياس.
في قمامة "نيويورك" ممكن ان تجد كل شيء بما في ذلك اثاث منزلي وادوات كهربائية. بعض الفنادق التي يتم تجديدها او بعض البيوت القت بمتاع كامل الى الشارع. وتبين ليّ ان لا احد هنا يشتري اثاثا مستعملا. كما ان كلفة نقل اثاث من ولاية الى ولاية او من منزل الى منزل تكاد تكون اغلى ثمنا من كلفة اعادة تاثيث منزل، في حال عدم وجود اشياء ثمينة..
استغرقت في الكتابة عن الاكل والقمامة، لانني اعتقد انهما اكثر ظاهرتان تعكسان مدى استهلاكية هذا المجتمع.
ذات مرة قرأت في كتاب "فيديل كاسترو" ، الازمة الاقتصادية والاجتماعية في العالم، بانه لو عمم النمط الاميركي في الحياة الاستهلاكية على جميع سكان لارض لاصبح العالم بحاجة الى توفير موارد اضافية تعادل سبع اضعاف موارد العالم الذي نعيش فيه.
المهم...
على الرغم من هذه الاتهلاكية البادية في كل شيء تقريبا، في البيوت والسيارات والملابس..الخ. الان ان هناك ما هوايجابي ايضا...
لا يستهلك المواطن هنا لمجرد التظاهر الاجتماعي. في المترو، يمكن ان تشاهد فقراء ومشردين يجلسون الى جانب رجل اعمال يرتدي بذلة فخمة ويحمل حقيبة غالية الثمن.
في نيويورك لا فرق بين أي انسان واخر وتقريبا، اغلب الناس تستقل المترو الى اعمالها او الى وسط المدينة. فغلبة تدبير مكان او موقف للسيارة الخاصة قد تضيع وقت الاميركي. اما اجرة توقيف السيارة فهي غالية جدا.
امس دفع "سنان" 63 دولارا لموقف السيارة لمدة اربع ساعات فقط هذا عدا عن التنقل بسيارة اجرة من والى المطعم الذي قصدناه. فليس سهلا ان تجد موقف قريب من المطعم...
ما علينا...
في نيويورك، زرت مكان "مركز التجارة العالمي"، الي اصبح محجا للزوار والسياح ومصدرا للدخل القومي. مئات السياح ياتون الى المكان لمشاهدة الموقع. لا يوجد في المكان شيء يذكر بما جرى في 11 ايلول 2001. سوى لوحة تذكارية كتب عليها :" ربما لن ننسى" ومتحق صغيرة وسوفنيرات تباع بكثرة.
على مقربة من المركز كان هناك اكثر من سبع "عربايات" تبيع مؤكلات وعصائر وفطائر وقهوة. هذه "العربايات" ملك لمصريين...
اغلب "عربايات" المؤكلات في شوارع "نيويورك" يملكها مصريون وهذا ظاهرة غريبة بحق. لكن تفسيرها ان كل مصري يحالفه الحظ ويصل الى "نيويورك" يساعده ابن بلده في تامين عمل، لذلك سسيطروا على تجارة العربايات" في "نيويورك.
قال ليّ "عصام" المصري الذي اشتريت منه قهوة عند مركز التجارة العالمي انه قدم حديثا الى "نيويورك" وهو بالكاد يعرف الانكليزي، وانه يتشارك مع بلديات له في العرباية، لانه لا يتطيع الحصول على رخصة من دائرة الصحة لانه لا يملك اقامة ولا يزال يقيم بشكل غير شرعي.
على بعد خمسة امتار من "عرباية" "عصام" كان يقف شرطيا من شرطة "نيويورك" ذات السمعة السيئة او العنصرية في العالم ، ومع ذلك كان "عصام" يبيع وتصرف بحرية كما لو كان في بلده.
مفارقة غريبة ان يتكسب عرب فقراء من مصيبة اقدم على فعلها عرب ايضا...
على أي حال، هنا لا احد يتدخل في الاخر. لا بل لا احد ينظر في الاخر.
في هذه المدينة خليط بشري عجيب جدا. هنا بالامكان مشاهدة اثرياء حقيقيون خمنتهم من فخامة السيارات التي يستقلونها او من محال الازياء الشهيرة التي يرتادونها، وهي بالمئات هنا، وفقراء ومشردون من كل دول العالم.
حاولت التدقيق في الوجود اليهودي في نيويورك لكنني لم الحظ شيئا مميزا في الشارع. بضعة مارة كانوا يلبسون القلنصوات اليهودية المعروفة. وثلاث او اربع شباب بملابس سوادء كانوا يروجون في احد محطات المترو لمحاضرة سيلقيها "ربايا".
على أي حال، يبدو للدين حضورا هنا من كثافة الرموز الدينية التي يرتديها اتباع الديانات الثلاث على الاقل: الحجاب للمسلمين،القلنصوة لليهود والصليب للمسيحيين.
في محطات المترو يتوقف عشرات من اتباع الديانات خاصة المسيحية، على مختلف الكنائس، بما فيها الكنيسة العملية، يوزعون بروشورات ملونة ويروجون لمحاضرة او نشاط.
بكفي بعدين...
جاز النت بوك تبعي لا يساعدني على الكتابة وبصراحة ندمت على شراءه. فهو يحتاج الى اصابع دقيقة للتعامل مع لوحة مفاتيحه الصغيرة، وكمان عندي مشكلة بحرف السين على اللوحة...
أظن إنو البنايه اسمها هانكوك وليس water tower.
البحيرة أيضا اسمها lake michigan.
إستمتع بوقتك في شيكاغو..
Mohanned | 19/04/2009, 19:48
يبدو انك يا صديقي على حق فعلا
اليوم عدت الى وسط المدينة وتاكدت من اسم البناية.لكن شو العمل مع التياسة...
اشكرك على التصحيح واعتذر لك..
محمد عمر | 21/04/2009, 04:25
المهم هلا داير بالك عالكاميرا ؟
سلم ع عمو سنان كتير كتر و زوجته كمان ..
reemi | 19/04/2009, 21:31
اكيد العربايات المصرية مش عرباية كبدة..!
بتلاقي كمان اذا فتشت كويس بالميجاماركت : كنافة اردنية مجمدة مكتوب عليها : السهل الاخضر- ماركا الشمالية,,!
محمد العمري | 19/04/2009, 22:44
أسعد الله أوقاتك ، كلما قرأت تدوينة جديدة عن جولاتك و مشاهداتك .. أشعر بالإطمئنان عليك بأن الأمور على ما يرام .. سرد جميل و أنيق .. خفيف على العين و الذهن ..
أهديك حكمة بمثابة اليقين عندي ..
( .. الحركة بركة و طمأنينة ..
و الركود أسن و سقم !)
دمت دائما بخير .. عين الله ترعاك .
فــاخـر النـحـال | 20/04/2009, 10:13
صباح الخير
صديقي مهند انا اقصد بناية "ووتر تاور" وقد تاكد من ذلك اما البحيرة فهي ميتشغان بالفعل.
الصديق محمد العمري لا استغرب ان اجد حتى منسف مجمد هنا فكل شيء موجود فعلا وشبه جاهز للاكل.
صديقي فاخر اشكرك
اشكركم جميعا
محمد عمر | 20/04/2009, 10:38
العزيز (محمد) ..
صباح الخير إن كان صباحا ..
مساء الخير إن كان مساءا ..
بتعرف ، أنا استغربت من كلمة (مؤكلات) التي وردت في اكثر من مكان في مدونتك ، على علمي أنها تكتب (مأكولات) إلا اذا الها شكل آخر للكتابة في اللغة العربية التي لا أدعى بانني ممن يتقنونها بحرفية عالية !
تبدو مستمتعا في رحلتك .. نيالك .
عبير هشام ابو طوق | 20/04/2009, 12:48
ماهو سر عظمة امريكا في نظرك؟ واستمتع باوقاتك
شخص | 21/04/2009, 10:38
If you are still in Chicago, the weather should be much nicer starting tomorrow! i am looking forward to the walk in the park.Enjoy the rest on your trip.
Summer | 22/04/2009, 07:10
تدوينة اكثر من رائعه
كما ذكرت في التدوينة المجتمع الامريكي بعيد عن المظاهر.
كان مرةهناك اجتماع لدينا في قسم الكمبيوتر في الجامعة لحضور محاضرة ، امتلات القاعة ، قدم رئيس القسم (الذي هو برتبة برفيسور) المحاضر. لم يبقى متسع له للجلوس فجلس على درج المدرج بعد ان انتهى من تقديم الضيف المحاضر.
eyad | 19/04/2009, 18:08 [ الرد ]