عمان في اليوم السابع...!
21 ايلول, 2007

 إذا كان الرب قد استراح في اليوم السابع بعد خلق الكون، فهناك أناس لا يستريحون أبدا ولا يعرفون للزمن نقطة وقوف أو حتى فاصلة توقف..

اليوم هو يوم الجمعة، اليوم الذي يستريح فيه اغلب الناس في الأردن من عمل الاسبوع، صحيح ان الدولة قررت منذ أكثر من عامين يوم السبت عطلة يومية ثانية، إلا أن الجمعة بقيت اليوم الأكثر تعطيلا، ومع ذلك فهناك من لا يعرفون للعطلة طعم يقضون أيامهم يكدون الصخر جريا خلف لقمة العيش، وكأنهم على خط الجبهة، وملعونة الراحة في خط النار، على رأي الشاعر احمد فؤاد نجم.

في عمان، أو البلد، أو قاع المدينة، تجد هؤلاء منتشرين هنا وهناك، باعة بسطات الملابس المستعملة ، البالة، واغلبهم من العمال المصريين الذين يستأجرون هذه البسطات من باعة وتجار الألبسة المستعملة في شارع “الطلياني”، أشهر شارع في وسط المدينة لبيع البالة.

وبائعات البسطات، وهن في الأغلب عواجيز عراقيات، افترشن بسطات كرتون، وتلحفن بعباءات سود، تراهن وقد لوحت الشمس وغطى السناج المنبعث من عوادم السيارات بشرة وجوهن فزدن اسمرارا فوق اسمرار.

 تعمل العجوز من هؤلاء يوما كاملا على مدار اسبوع كامل تبيع السجاير، بالباكيت او بالسيجارة، أو الولاعات او ملاقط الحواجب أو مقصات الأظفار وكل ما خف وزنه وقل ثمنه، لتجني في النهاية اقل القليل من المال لا يكفيها قوت يومها.

عمان، ايام الجمعة، اليوم الذي استراح فيه الرب، تتحول الى مدينة عالمية، ترى فيها الوافدين من كل البلدان، عمال مصريين عائلات وإفراد عراقيين، عاملات وعمال من سيرلانكا وبنغلادش والصين وعمال سوريين. وسياح الدرجة الثالثة الغربيين. ولكن من النادر ان تجد اهل عمان الأصليين يجوبون شوارع وسط مدينتهم في يوم الجمعة، اللهم سوى للصلاة في المسجد الحسيني الكبير.

اهل عمان يفضلون قضاء يوم الجمعة اما في المنازل او في الرحلات او في زيارة الأقارب ساعات المساء، ولكنهم لا يهبطون الى وسط العاصمة الا اذا كان لهم بها حاجة.

أمام المسجد الحسيني الكبير، يتجمع عدد من الأطفال يبيعون للمصلين “الكرتون”، لاستخدامه في الصلاة لمن لا يجد مساحة للصلاة داخل المسجد المفروش بالسجاد، والكرتونة تباع بين خمسة الى عشرة قروش او حسب كرم الزبون، الكرتون يجمع مجانا من المحال التجارية، وحين تنتهي الصلاة، يقوم عدد من الشباب بجمعه وبيعه إلى مصانع إعادة تدوير الورق وسعر الطن يصل إلى خمسين دينارا.

سوق العبدلي الذي يقام كل يوم جمعة، ليس استثناء أيضا، فاغلب الباعة فيه وأكثر مرتديه هم من الوافدين أو الأجانب المقيمين في عمان لهذا السبب او ذاك.

وسط عمان، يكون هادئا أيام الجمع قياسا بأيام الاسبوع الستة، اغلب المحال مغلقة باستثناء بعضها، المطاعم عندما لا يكون الشهر صياما، محلات تصليح الألبسة في سوق اليمنية، بعض محال بيع البالة، محلات الأجهزة الكهربائية في سقف السيل، التي تفتح الجمعة لتبيع بضاعتها المقلدة ورخيصة الثمن للعمال الوافدين وخاصة المصريين الذين يغادرون الأردن إلى مصر، ويحرصون على شراء بعض الأجهزة الكهربائية والملابس الشعبية والحرامات بشكل خاص.

البلد، كما نسميها نحن الذين نقطن على إطرافها، بدأت تشهد تحولات مؤخرا، فمن انتشار بسطات الاسطوانات المدمجة الي “سي دي”، إلى محال بيع الـ”دي.في.دي” التي انتشرت مؤخرا قرب البريد. إلى المقاهي مثل مقهى جفرا الذي أصبح معلما لعمان، وكاد ان يتحول إلى حالة ثقافية نادرة، قبل أن “يطمع” أصاحبه في المال ويحولونه إلى “كوفي شوب”، يفرض عليك فيه “الترمس والبليلة والقطايف”، لتدفع فاتورة تعادل الفاتورة التي تدفعها في مقاهي عمان الغربية، بمعنى ما فقد فقد المقهى سمته الأولى التي عرفناه بها وتحول ككل “كوفي شوبات” عمان الغربية.

البلد، التي كانت قبل اعوام ذكورية بالكامل، وكان من الصعب أن ترى نساء فيها، لم تعد كذلك، فقد أصبحت ترى النساء أجنبيات كن أم أردنيات يمشين في وسط البلد ويجلسن على مقاهيها حتى الشعبية منها، بل ان مطاعم وبارات عمان القديمة مثل الاوبرج والسلمون والأردن وابو احمد لم تعد مقتصرة على الذكور فقط.

أمانة عمان تحاول منذ سنين تجميل وسط البلد، قبل ثلاثة أعوام بدأت في إنشاء مجمع رغدان السياحي وقيل انها أنفقت عليه 18 مليون دولار، ولكنه اليوم متوقف لا يعمل، بعد ان اكتشفت الأمانة أنها أنفقت الكثير وانه ليس من المعقول ان تعيده للسرفيس والبسطات الشعبية ، ربما تريد الأمانة ان تحوله الى “مول” على طريقة عمان الغربية ، الله اعلم.

والأمانة اليوم تعمل ايضا على “تطوير الساحة الهاشمية”، وقد أفرغتها من كل المحال التي فيها، ولا ادري طبيعة المخطط للساحة الهاشمية ولكن ، ايدي على قلبي.

كنت اعرف عمان في نهاية السبعينيات، ولا زلت اذكر “جسر رغدان القديم”، وهو جسر مقابل القصر الملكي، وقيل انه بني في أربعينيات القرن الماضي فوق سيل عمان لتمر عليه ملكة بريطانيا التي كانت في زيارة للأردن.

كما كنت اذكر “جسر المهاجرين”، وهو جسر قديم كنظيره “رغدان”، بني الجسران من حجر جميل وبطريقة معمارية جميلة كتلك الطريقة التي بنيت فيها “الجسور العشرة”، في منطقة القويسمة ضمن خط سكة حديد الحجاز، والحمد لله ان الجسور العشرة لا تزال قائمة.

وكنت اذكر فندق “فيلادلفيا”، مقابل المدرج الروماني، صحيح أنني لم ادخل الفندق ولا لمرة واحدة، ولكن كان فندقا جميلا، قيل انه استضاف الملك عبدالله الاول، ومؤتمر وحدة الضفتين، والله اعلم.

كل هذه المعالم التاريخية تم إزالتها، اعتقد على زمن السيد عبدالروؤف الروابدة حين كان أمينا للعاصمة، ولقد أزيلت هذه المعالم لأجل سقف “سيل عمان” الذي جف لاحقا وتحول الى مكرهة صحية، واسوا ما يمكن ان تجده في عمان عندما تتمشى في شارع سقف السيل هو الروائح الكريهة المنبعثة بشدة من فتحات سقف السيل.

أمانة عمان تمتلك ايضا مخططا لتغيير جميع “آرمات”، المحال التجارية في البلد، وليس مهما ان عمر بعض هذه الارمات يعود الى قرن خلى وكتب بخطوط وكرافيك نادرة.

كان لعمان، البلد، ملامح، وكان لها شخوصها وناسها، رقيب السير هزاع الذي كان يقف على مثلث المهاجرين مقابل مركز امن المهاجرين الذي هدمته الامانة ايضا، وكان هزاع لا يكل ولا يمل من الحركة وكنا نتوقف دقائق طويلة نتفرج على حركته الرشيقه وإخلاصه في العمل.

كان لعمان ايضا، فاطمة السلطية، امرأة يقال إنها مجنونة تتشبه بالرجال تسير في شوارع البلد ليل نهار بلا توقف، ولا ادري اين اصبحت.

في عمان كان ايضا ، عبالله، عبدالله هذا كان شخصا غريبا، يعيد تصميم ملابس العصر الفيكتوري أو القوطي الاوروبي يلبسها على طريقة نابليون او على طريقة “جووني ووكر”، او على طريقة شارلي شابلن. عبدالله هذا يقال انه كان عضوا في تنظيم فلسطيني مسلح قبل أن يفقد عقله، ولكن من اين كان له كل هذا الإبداع في إعادة تصميم الألبسة كما لو كان مصمما لملابس ممثلي السينما، عبدالله هذا كان لغزا من الغاز عمان لكنه مؤخرا أصبح عجوزا ولم يعد قادرا على ما كان يقوم به، والآن تجده إما قرب دوار الداخلية ينام هناك أو في أي منطقة خالية اخرى.

البلد، كان لها مقهى السنترال، وسينمات فخمة مثل سينما الحسين وبسمان ورغدان والخيام وزهران، ولكنها جميعها إما أغلقت واما تحولت إلى دور عرض رخيصة بعضها يعرض مقاطع إباحية وبعضها يعرض أفلام متواصلة وبعضها يعرض مباريات كرة قدم بتذاكر وخاصة مباريات الدوري المصري.

البلد ، كان ولا يزال فيها سوق خضار، وكان السوق يعج بعتالين من الجنسية الباكستانية يحملون سلاسل قش ينقلون فيها بضائع الزبائن الى منازلهم في جبل عمان أو التاج أو الحسين أو غيرها، لم يعد للسوق عتالين بسلاسل قش.

البلد، وسط عمان، لم يعد يستريح في اليوم السابع، البلد كان لسنوات هادئا لا تجد من يمر بشوارعه خلال الجمع ولكن المشهد تغير منذ زمن وربما كان اكبر تغيير حصل بعد حرب تحرير الكويت عندما بدأت عمان تشهد موجات هجرة جديدة وتقاليد جديدة.

البلد، عمان بلدي ، وانا عماني، وعمان مدينة السهل الممتنع، ما فوق سطحها وما يبدو للناظر والزائر ليس هو ما يمور في أعماقها. عمان مدينة المفارقات حيث لا حدود بين المسموح والممنوع.

تعليقات

Comment Icon

جميل تمسكك بالذكريات، أحذرك من أن يتم هدر دمك بحجة اتهام الذات الإلهية بالإستراحة وهو أمر موجود في الدين المسيحي وليس القرآن، الطريف في الأمر أنك استخدمت عبارة استراح في اليوم السابع وهو تشبيه أدبي جميل ولكنك اعتبرت هذا اليوم هو الجمعة أي يوم الراحة عند المسلمين، هنيئاً لك أستاذ محمد فقد أثرت حفيظة أتباع الديانتين من محدودي الفكر.

sara | 30/01/2008, 15:47 [ الرد ]

Comment Icon

ما هو المسجد الحسيني اللذي تزعم .. ؟

تمنيت ان تكون لك ثقافة دينية اكبر قبل كتابتك لـ الموضوع

اسئل الله لك نور البصر والبصيرة

عبدالله | 30/01/2008, 15:48 [ الرد ]

Comment Icon

تقول اذا كان الرب قد استراح في اليوم السابع بعد خلق الكون

هل أعرف من هذا القول أنك تدين باليهودية ؟؟

هل الله عز وجل يتعبه شئ ؟؟

تعالى الله عما تصفون

وتأتي من تسمت بسارا لتؤيد وتبارك وتنصب نفسها الحكم بجمال الموضوع وأن من انتقده فهو محدود الفكر
وياليتها عرفت من الذي نسب الراحة لله عز وجل بعد أن خلق السماوات والأرض

عبـد الله | 30/01/2008, 15:49 [ الرد ]

Comment Icon

اشكرك ايها العماني الرائع ان عمان تعيش في قلوبنا ولا ننسسى ذكرياتها ويا ريت امانة عمان تظل محافظة على تراثها وما تخربها تحت حجة اعادة تنظيمها خاصة (البلد)

محمد عمرو | 23/09/2008, 14:24 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba