كنت الجمعة في يوم تدريبي طويل. كنت متدربا، وليس مدرباً. هذه المرة كان التدريب يتم عبر "الفيديو كونفرس" و الـ "سكايب"...
كنت اتدرب على يد بروفسوره اميركية، استاذة "تحليل المضمون" في احدى الجامعات الاميركية. وقد سبق ان دربتني على "تحليل المضمون الكمي" مرتين.
امس، الجمعة، كان التدريب مختلفا نوعا ما، فقد كان تدريبا على ما يعرف بـ"
تحليل المضمون المفاهيمي"، او تحليل طريقة استخدام المصطلحات والمفاهيم وتأثيرها على المتلقي.
هذا التدريب هو جزء من برنامج للامم المتحدة لرصد "لغة العنف والكراهية" في وسائل الاعلام العراقية. لاجل تصميم برامج تدريب للاعلاميين العراقيين على ايجاد "اساليب تحرير" لمضمون الاعلام يبتعد به عن لغة التحريض على العنف.
يستند مشروع التحليل على رصد عدد من المصطلحات والمفاهيم الشائعة الاستخدام، وسياقاتها، التي يعتقد انها تؤجج او تحرض على العنف.
اما هذه المفاهيم، التي بلغ عددها نحو 150 كلمة او مصطلح، فقد تم رصدها من خلال دراسات ميدانية اجريت مع 50 صحفيا عراقيا، اجمعوا على انها مفاهيم "محرضة على العنف"، خاصة اذا استخدمت في سياقات محددة.
ما يجري في العراق، يجري في كل الدول العربية...!
الغريب ان عددا من هذه المفاهيم هي مصطلحات او مفاهيم سياسية بحتة، لكنها تحولت عند المتلقي العربي الى ما يشبه "الشتائم"، وتاليا اعتبرت جزءا من التحريض على العنف والكراهية.
فمن بين هذه الكلمات هناك مثلا: المحاصصة، الفيدرالية، الاحزاب النافذة، الاغلبية والاقلية، المقاومة الوطنية...الخ
ولو اردت ان اضيف الى هذه المفاهيم لطالت القائمة، مثل: اليسار واليمين، الاقليات، الكونفدرالية، المولاة، الممانعة، الليبرالية، الليبرالية الجديدة، الشيوعية، اقتصاد السوق...الخ
كل هذه المفاهيم هي في الاصل مفاهيم يستخدمها علم السياسة وتدرس في الجامعات بوصفها ادوات تحليل علمية محايدة لها تعريفاتها المحددة.
لكن هذه المفاهيم العلمية تتحول مع الزمن الى لغة تحريض وكراهية تحمل شحنات او ارث ثقافي ويديولوجي او "احكام قيمية" عندنا وحدنا...
لا يضير دولة مثل سويسرا ان تكون "اتحاد كانتونات"، لكن كلمة "كانتون" عندنا شتيمة، مع ان اصل الكلمة عربي تم تغريبه.
ولو قلت لسياسي ياباني او هندي انه يميني فلن يغضب، بل ان السياسيين انفسهم يصفون انفسهم باليساري او اليميني، لان هذه المصطلحات لديها تعريفات سياسية تستند اساسا على طبيعة الفكر السياسي الذي يتبناه هذا السياسي او ذاك.
لكن لو وصفت سياسيا عربيا بانه "يميني"، خصوصا، فقد يقاضيك في المحكمة بتهمة القذف والسب.
عندنا مثلا، يقوم قانون الانتخابات على
"المحاصصة" وهذه المحاصصة موجودة في كل دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الاميركية، وهي تعني افساح المجال لكل الفئات للمشاركة السياسية.
ومثلا عندما قام
انيس القاسم بمحاولة توضيح مبدأ "مفهوم المحاصصة" في قانون الانتخابات وسبب الاخذ به من قبل المشرع الاردني ، في فقرة من مقاله المعروف "
تصويب اوضاع ام تصويب مفاهيم؟، قامت الدنيا ولم تقعد ضد القاسم متهمة اياه بانه من دعاة المحاصصة وتهم اخرى شتى ليس اقلها التخوين، على الرغم من ان الكاتب تناول المفهوم من منظور قانون الانتخابات وحسب.
لكنها عندنا، كما هي عند كل العرب، تهمة شنيعة يا ويل من يدعو لها.
قبل ايام كنت في ورشة عمل حول "طريقة تعاطي وسائل الاعلام العربية مع التعددية الدينية"، وقد ثارت ثائرة احد المشاركين عندما لفظ زميل له مصطلح "الوهابية".
في نفس الوقت كانت صحيفة "
الحياة" اللندنية وصحيفة "
الاخبار" اللبنانية قد فتحتا ملف "
الوهابية" وحركة التجديد فيها، وقد اجمع عدد من الكتاب، وخاصة
الكاتب السعودي احمد عدنان، بان اتباع
الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن يضيرهم في شيء ان يطلقوا على انفسهم مصطلح "
الوهابيين" لكن هذا المفهوم تحول مع الزمن الى ما يشبه "السبة" او "الشتيمة" لانه صار في
حكم اهله بانه يحمل "حكم قيمة"...
المشكلة،
تسعى الامم المتحدة وبمساعدة، او باقتراحات من الصحفيين العراقيين الى وضع بدائل لهذه المفاهيم، ومن بين البدائل مثلا: استبدال مصطلح "الفيدرالية"، مع ان نظام الحكم في العراق صار فيدراليا بحسب الدستور، الى مصطلح "الاتحاد".
واستبدال "المحاصصة" بـ"المشاركة" واستبدال الاغلبية بـ الاكثرية الانتخابية. في محاولة للتخفيف من وقع الاحكام القيمية التي تحملها المفاهيم المجمع على "تحريضيتها"..
المفارقة ان الكلمات او المفاهيم "البديلة او الاستبدالية" هي كلمات عامة، وليست مفاهيم سياسية، اي لا تمت لعلم السياسة بشيء وليس لها تعريفات محددة، وهي عامة جدا جدا، مجرد كلمات "اعلامية" لا اكثر ولا اقل.
فكلمة "الاتحاد" قد تعني اتحاد تام، اي اندماج، او اتحاد فيدرالي او اتحاد كونفدرالي...الخ.
والمشاركة السياسية ليست هي بحال من الاحوال بديل لـ"المحاصصة" كنظام سياسي معمول به في كل دول العالم لحماية حقوق جميع مكونات المجتمع بالمشاركة السياسية وخاصة حقوق الاقليات او الضعفاء .
على اي حال، اذا كانت نوايا الصحفيين العراقيين والامم المتحدة طيبة، هدفها محاربة العنف الطائفي من خلال "تحييد" لغة وسائل الاعلام، يبقى الخوف من ان استخدام البدائل سوف يعني مزيدا من التعميم واللغة "الجاهلة".
لكن ما العمل والعقل العربي قادر على تحويل اي علم الى خرافات وعداوات وفتاوى ظلامية...
الموضوع يمكن شوي فلسفي..لكن الملاحظ إنو اللغه عندنا سواء منطوقه او مكتوبه لها "وزن" و تأثير..من الدراهم لقطع الرأس كلو كان وما زال عندنا مرتبط باللغه..المحتوى أو الغايه أصبحت ثانويه..
والله ما أنا عارف بس يمكن النصوص الدينيه كونها مكتوبه بلغه معينه جعلتها ذات اهميه كبيره بحياتنا..بدل من أن تكون اللغه وسيله أصبحت غايه بحد ذاتها..
Mohanned | 10/07/2010, 05:55 [ الرد ]