حياة الآخرين: برسم الاغتصاب أو اليسار...!
30 كانون اول, 2007

" إن معاجم اللغات جميعًا لم تعرف، عِبْرَ تاريخها الطويل، لفظةً أجمل من لفظة الحرية، باستثناء لفظة الحب...".

لا ادري ما هو السبب الذي دفعني مساء امس الى إعادة مشاهدة الفيلم الالماني "حياة الاخرين" او " The Lives of Others ". وهو فيلم نال عام 2006 على جائزة اوسكار أفضل فيلم أجنبي.
ربما هي ذكرياتي عن الانتماء الى إيديولوجية يسارية مغلقة والعيش تحت نير انظمة قمعية، تسمي نفسها اشتراكية او اخرى "رجعية" ليست افضل حالا فيما يتعلق بالحريات.
فيلم "حياة الآخرين"، يستحق ان يكون ايقونة للباحثين عن الحرية. هو فيلم، ربما ، من المفترض ان يشاهده كل من يعتقد انه يملك الحقيقية المطلقة التي تخوله الحق ليس في التجسس والقمع والقتل، بل وحتى في تدمير إنسانية الإنسان وتجريده من آدميته. عندما يتم تحويل الكل جاسوسا ومخبرا عن الكل: الحبيبة على الحبيب والزوج على الزوجة والصديق على الصديق. عندما تدمر هذه الأنظمة والإيديولوجيات، الحب والحرية ولا تحقق الشبع كما تدعي بل التجويع.
تدور احداث الفيلم في جمهورية المانيا الاشتراكية، المانيا الشرقية، في الفترة ما بين 1984 و 1989 عندما انهار جدار برلين بين الألمانيتين الشرقية والغربية.
 يطلب من المحقق والمخبر (جيرد ويسلر) في جهاز الامن السياسي لالمانيا الشرقية المعروف بـ"ستازي" التجسس على حياة الكاتب المسرحي المعروف في بلده وغير المعادي للنظام (دريمان) وحبيبته الممثلة المسرحية المشهورة ايضا (ماريا كريستا زيلاند) وهي ايضا مثل صديقها لا تكون معادية لنظام بلدها.
يقوم ويسلر بتركيب أجهزة تنصت في كل أركان شقة (دريمان) بما في ذلك غرفة نومه، ويتجسس على حياته كاملة حتى على علاقته الجنسية مع حبيبته (زيلاند)، يربط (ويسلر) اجهزة التنصت هذه بغرفة تحكم في شقة علوية ويبدأ بكتابة تقرير مفصل عن حياة (دريمان وزيلاند) واحاديثهم وعلاقتهم الحميمة.
يكتشف (ويسلر) بعد ايام ان السبب الحقيقي للتجسس ليس حماية الامن القومي للبلد بل لاجل مصلحة شخصية لوزير الثقافة عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم، الذي يستغل منصبه في إجبار (زيلاند) على اقامة علاقة جنسية شاذة تقريبا معه، وهي تقبل مكره بهذه العلاقة حماية لنفسها وخوفا من حظر مسرحياتها او تعطيل عملها وشهرتها.
عندما يكتشف (ويسلر) هذا تبدأ نقطة تحول في حياته، ويدرك مدى وحشية النظام الذي كان مؤمنا فيه بقوة، فيبدأ بالتستر على الكاتب المسرحي (دريمان) الذي تبدأ هو الاخر حياته بالتحول الى معارض للنظام بعد انتحار صديقه الشاعر بفعل القمع الشديد الذي مورس عليه ومنعه من الكتابة والتعبير.
يقوم (دريمان) بمراسلة مجلة (ديرشبيغل) في ألمانيا الغربية باسم مستعار، ويكتب أول موضوع عن الانتحار في المانيا الشرقية الذي تتستر عليه الأجهزة الامنية، ويستمر في كتابة هذه المقالات التي تكشف عن قمع النظام وتأثيره على حياة الناس في البلد. تمنحه المجلة الة طابعة صغيرة الحجم يخفيها في تحت الارضية الخشبية للشقة.
بعد المقال الاول تنشط الستازي في معرفة الكاتب المتخفي باسم وهمي، وتشك في (دريمان)، تعتقل حبيبته ويجبرها (ويسلر) تحت ضغط عليه وعليها بالاعتراف على حبيبها. لكن (ويسلر) يذهب الى الشقة قبل المخبرين الآخرين ويسرق الة الكاتبة حماية للكاتب المسرحي.
بعد سقوط جدار برلين ، أي سقوط النظام، يكتشف (دريمان) انه كان تحت الرقابة وان احد ما تستر عليه، فيذهب للبحث في ارشيف "الستازي" الذي اصبح في متناول الجمهور للاطلاع عليه، ويتعرف على الاسم الحقيقي للمخبر (ويسلر) الذي يكون اصبح ساعي بريد في المانيا الجديدة.
في نهاية الفيلم يكتب (دريمان) كتابا يهديه الى (ويسلر).
نال الفيلم عدة جوائز عالمية في الاخراج والتصوير وغيرها، فهو فيلم مشغول جيدا، رغم انه الفيلم الروائي الاول لمخرجه الشاب فلوريان فون دونرسمارك.
قد يجد البعض في الفيلم، حكاية واحده او جانب واحد، هو القمع والثقافة والمثقفين، هذا صحيح وكلنا نشاهد هذا الواقع يوميا حتى في بلد مثل الاردن عندما يشترى المثقف بالأعطيات أو بالترهات الوطنية والقومية او عندما يحارب المثقف المستقل بوسائل شتى.
لكن الفيلم ابعد من هذا الجانب انه فيلم عن تحطيم ادمية الانسان، عن تحطيم الحب والحرية، عن جعل الانسان جاسوسا او مرعوبا يمشي متلفتا يمينا ويسارا انه فيلم عن "الجدران التي لها اذان"، عن الانسان الذي يصل به القمع حد الخوف من الحديث لزوجته او حتى لنفسه.
الان، سوف يقال لي انني مبعوص من اليسار او انني ابالغ، اقول:
عشت في دول قمعية واعتقد ان مخرج الفيلم أخذته الرأفة والرحمة في انتقاده القمع الاشتراكي..!!
بالمناسبة، فان قصة الفيلم حقيقية، يستند اغلبها على حياة الممثل الذي قام بدور المخبر (ويسلر) الذي كانت زوجته تتجسس عليها لمدة ست سنوات، واكتشفها بعد اتاحة ارشيف “ستازي” للعامة.
mohmo60@hotmail.com

تعليقات

Comment Icon

قد يكون الفيلم من أجمل الافلام التي شاهدتها مؤخرا، وهو فعلا يستحق ان يكون في مكتباتنا.
المشهد الذي علق في رأسي حتى الساعة والذي ترك اثرا بقي حتى الساعة هو المشهد الأخير، مشهد شراء الكتاب وجملة
it’s for me
اما عن القمع والتجسس، لا شك انك تعرف النكتة العربية التي تنتهي بجملة: ولد ضايع، لمين هالولد؟
نهارك سعيد.

هي | 30/12/2007, 12:00 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba