“زقاق العدم”..!!
30 كانون اول, 2007

 “مرحباً يا زقاق الهنا والسعادة. دمت ودام أهلك الأجلاء. يا لحسن هذا المنظر، ويا لجمال هؤلاء الناس! ماذا أرى؟!..”

خرجت من عملي امس على الساعة الخامسة، وهو وقت مبكر للذهاب إلى البيت بالنسبة لرجل مثلي لا رباط عليه من زوجة او ولد.

اخترت أن انزل إلى وسط البلد مشيا، كعادتي أيضا عندما أكون وحيدا. وقد أخذت هذه المرة الطريق إلى الدوار الرابع ثم الثالث ثم الثاني فالأول فشارع رينبو حتى نهايته حيث إحدى أدراج عمان يهبط بك قريبا من المحكمة الشرعية القديمة.اختار هذه الطريق في العادة لأنها ربما تكون من أجمل شوارع عمان، خاصة الجزء الممتد من الدوار الرابع وحتى قبل فندق الرويال، ثم شارع الرينبو الذي تعيد اعماره أمانة عمان الآن.

بعد ان انتهيت من الدرج، انحدرت هذه المرة في تجاه شارع الملك حسين والبريد، ووصلت مطعم فؤاد حيث اشتريت سندويشتي فلافل أي “الشاطر والمشطور وما بينها الكامخ”، ثم صعدت الدرج المتآكل لمطعم ومقهى “الاوبرج” وذهبت الى الشرفة رغم برودة الجو النسبية، وجلست هناك ارتشف الشاي الحلو بالنعنع المهجن، واكل في “المشطورتين اللتين بينهما الكامخ”، متفرجا على ابناء الشعب الطيب في المدينة القديمة في قيعان الوديان متدافعين كل في طريق.

انتهيت من المشطورتين اللتين بينهما الكامخ، وكاسة الشاي الحلو بالنعنع المهجن، وهبطت درج المقهى المتآكل وطفقت ادور على المكتبات بحثا عن الرواية الاخيرة لصديقي الروائي العراقي علي بدر “الركض خلف الذئاب”، فوجدتها وقد نفذت فاشتريت رواية ميلان كونديرا “البطء”، التي كنت قراءتها سابقا وفقدتها.

ثم يممت وجهي شطر محال بيع الـ”دي.في.دي”، اعتقد ان مجمع اللغة العربية لم يجد لهذا النوع من الاشرطة ترجمة عربية على غرار “السندويشة”، لذلك اعذروني عندما استخدم “العربيزي”، ليس لغرض تبيان حداثتي وانما لقصور في نشاط المجمع اللغوي.المهم، اشتريت او ابتعت واحد “دي.في.دي”، للفيلم السينمائي المكسيكي “زقاق المعجزات”، وهو كان مفاجأة لي ان اجده في وسط البلد.

زقاق المعجزات

عدت الى منزلي، ولبست بيجامتي ذات المربعات الزرقاء والبيضاء ووضعت الفيلم في مشغل الـ”دي في دي”، واستمتعت في مشاهدته ثلاث ساعات تقريبا.اما الفيلم فهو مأخوذ عن رواية عمنا الكبير المرحوم نجيب محفوظ، زقاق المدق، وهو ثاني فيلم عالمي يقتبس عملا روائيا عربيا بعد فيلم مكسيكي سابق اقتبس رائعة عمنا محفوظ “بداية ونهاية”.

 اما فيلمي الذي استمتعت فيه فهو بعنوان ب”

 El callejón de los Milagros

، ومعناه في العربية “زقاق المعجزات”، وقد انتج الفيلم عام 1995، بالتعاون بين معهد السينما المكسيكي وجامعة كوادلخارا. ونال عشرات الجوائز العالمية واعتبر ثاني اهم فيلم تنتجه السينما المكسيكية النشيطة.

“زقاق المعجزات”، من إخراج المبدع خورخي فونس، الذي كان قدم للسينما عدة افلام روائية، كما اخرج عددا من المسلسلات المكسيكية المعروفة مثل “الغجريات”.“زقاق المعجزات”، كان الفيلم الذي اطلق شهرة الممثلة سلمى الحايك، ووضعها على الشاشة العالمية. وهي تلعب دور “آلما”، في الفيلم وهو دور محوري وقد اقتبس من شخصية “حميدة”، في رواية عمنا محفوظ، فيما معنى كلمة “آلما”، الروح او يمكن “روحية” بتزبط، على كل فالاسمان في الرواية والفيلم لهما دلالات عميقة.

عمنا محفوظ كان كتب “زقاق المدق”، او زقاق العدم”، كما تصفه الشخصية المحورية في الرواية “حميدة”، عام 1947، وهي تعد واحدة من افضل رواياته الاربع في تلك المرحلة من ادبه التي اطلق عليها “الواقعية الاجتماعية”.في اجواء الحرب العالمية الثانية والاحتلال البريطاني لمصر تدور احداث رواية نجيبنا.

في زقاق المدق وهو حارة شعبية تعيش على هامش القاهرة الارستقراطية حينذاك.حميدة فتاة جميلة متمردة، لا ترضى بواقعها وتتحول الى داعرة في كباريهات يرتادها الضباط الانكليز.

المعلم كرشة صاحب مقهى في الحارة في الخمسينات من عمره، سأم الحياة الزوجية يعيش ازمة مع نفسه، ابوي ذكوري متسلط مثل “سي السيد” عنيف وشاذ جنسيا يميل لمضاجعة الغلمان.

عباس الحلو، صبي حلاق يعشق حميدة ويخطبها ثم يعمل في معسكر للجيش الانكليزي لتحصيل مهر حميدة، بعد عودته يعلم انها تحولت الى داعرة فيحاول انقاذها الا انه يقتل على يد ضابط انكليزي.

الست سنية عفيفي، ارملة متصابية، تدفع كل ما تملك للزواج من شاب يصغرها عمرا.السيد رضوان الحسيني، شيخ متدين فاعل خير، ضمير الحارة.

على أي حال، رواية عمي محفوظ مليئة جدا بالشخوص، غير ان الفيلم عالج “زقاق المدق”، من خلال الشخصيات الاربع الأساسية:دون رويتيليو، مقابل المعلم كرشة. “آلما” مقابل حميدة. “هابيل” مقابل عباس الحلو. “سوزانيتا” مقابل الست سنية عفيفي.

وقسم خورخي فيلمه الى اربعة أقسام لكل شخصية من الشخصيات الرئيسية الثلاث “دون ريو، حميدة، هابيل” قسم وجعل الاخير باسم “العودة”.

بقي خورخي فونس امينا لشخوص رواية محفوظ، ولفلسفته بشكل عام وللغة وروح النص فقد استخدم فونس لغة مكسيكية عامة في مقاربة للغة عامة محفوظ وشخوصه الهامشية.

واذا كان الاستعمار الانكليزي في رواية محفوظ حاضرا بقوة، فقد كان الاستعمار الكولونيالي الحديث في فيلم خورخي حاضرا ايضا، من خلال العلاقة الإشكالية والخضوعية مع الولايات المتحدة.

بين مصر والمكسيك مسافة كبيرة لكنهما يتشابهان في كثير من الاسئلة والمشترك: الهوية، الفقر، الذكورية، التاريخ الاستعماري القديم والحديث، الشخصية المصرية والمكسيكية، لذلك لم يكن غريبا مشاهدة فيلم مكسيكي بنكهة مصرية. 

اعتقد ان فيلم “زقاق المعجزات” فاق في نجاحه وقدرته على اقتباس روح النص اكثر مما فعل مواطن محفوظ حسن الامام الذي كان اقتبس الرواية لفيلم بنفس الاسم لعبت فيه شادية وصلاح قابيل وحسن يوسف وسامية جمال ويوسف شعبان وحسين رياض شخوص “زقاق العدم”. 

ملحق:

في رواية محفوظ يتحدث عن شخصية القواد (فرج ابراهيم)، وعن شراء الاصوات في الانتخابات، وشخصية القواد هذا هي التي تشتري الاصوات وهي التي قادت حميدة الى الدعارة. يعني “المال السياسي”، مش اختراع اردني محض، فما حد يزعل؟؟؟

mohmo60@hotmail.com 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba