كسكسي بالسمك...!
06 تموز, 2008

  بصراحة انا اليوم مشغول قليلا لكني لا اريد ان افوت فرصة الكتابة عن واحد من اهم الافلام التي شاهدتها في حياتي..

 قبل ان اكتب عن الفيلم..

يحبطني ان صالات العرض عندنا لا تستورد افلاما عربية جدية وحقيقية مثل اغلب الافلام التي تعرض في مهرجان الفيلم الاوروبي العربي ، وتركز على افلام هوليوود البائسة وافلام "لحق السوق" المصرية وتتجاهل الانتاج المصري والعربي الحقيقي..

الشيء الثاني الذي يحبطني هو قلة عدد الجمهور الذي يحضر عروض هذه الافلام.

دائما نشتكي ان عمان مدينة مملة لكن عندما تحين فرصة نادرة كهذه لا تتكرر الا مرة في العام لا يجد الواحد منا جمهورا يتابع هذه النشاطات الثقافية والتي تقام مجانا.

المهم ، فيلم "كسكسي بالسمك" تحفة سينمائية رائعة وان كان المخرج التونسي الاصل عبداللطيف كشيش كسر فيه قواعد سينمائية كثيرة في التصوير والحوار والمضمون وروعة الاداء للممثلين هواة...

الفيلم باختصار يدور حول حياة مهاجر تونسي في فرنسا (سليمان)، يعيش فيها اكثر من نصف قرن ويجد نفسه بعد 35 عاما من العمل في حوض اصلاح السفن متقاعدا .

لكن سليمان الذي يبلغ من العمر 61 عاما يرفض ان تنتهي حياته متقاعدا بدون عمل ويرفض العودة الى بلاده كما يريد اولاده والجلوس في منزل العائلة المهجور معتمدا على الراتب التقاعدي ومنتظرا الموت على طريقة (مت قاعدا).

سليمان هذا الذي يبقى اغلب الفيلم صامتا، تبدع كاميرا كشيش في نقل احاسيسة ومشاعره من خلال التركيز على لقطات تعابير وجهه، يرغب في بداية حياة جديدة فيفكر في انشاء مطعم متخصص بالكسكسي بالسمك اللذي تجيد زوجته الاولى "سعاد" طبخه.

يشتري سليمان سفينة مهجورة لاقامة المطعم عليها بمبلغ التعويض الذي حصل عليه ويحاول الحصول على قرض لتمويل كلفة تشغيل المطعم. لكنه يفشل في ذلك فيتفتق ذهنه عن فكرة احياء حفل في الطعم ودعوة مستثمرين الى حفل العشاء هذا لاقناعهم بجدوى المشروع.

وبسبب طيش احد ابنائه "مجيد" تكاد الحفلة تنتهي الى كارثة حيث يأخذ مجيد السيارة التي فيها "الكسكس" ويذهب لممارسة "الخيانة الزوجية" في مكان ما مجهول، خيانة الزوجة تعادل خيانة الاب وقيمه النبيلة.

تحاول "ريم" ابنة صديقة سليمان انقاذ الموقف لحين تقوم امها (صديقة سليمان) بطبخ الكسكس فتؤدي وصلة رقص رائعة جدا وباحساس شديد وايقاع متوتر يتناسب مع توتر سليمان الذي ذهب يبحث عن زوجته سعاد للمساعدة في اعداد كسكس جديد لكنه لا يعثر عليها ويسرق ثلاثة اطفال مارقين دراجته النارية فيحاول مطارتهم في مطاردة مع الزمن لتحضير الكسكس وانقاذ الموقف لكنها تنتهي بموته. وينتهي الفيلم بنهاية الرقصة وبام ريم وهي تصل بالكسكس الى المطعم.

المهم، لا يعني موت سليمان نهاية الحياة، بل ان حلمه اثمر ليس مطعما ناجحا بل تآلفا بين عائلته نفسها وعائلة صديقته وتضامن كل اصدقائه. كأن المخرج يريد ان يقول لنا ان تضامن المهاجرين بعضهم بعضا هو ما ينقذهم من الفقر والغربة وليس التمسك بالقديم فقط الذي من الممكن ان يكون ركيزة فقط للانطلاق وليس انغلاقا عليه.

صعب اكتب عن الفيلم وانا لا زلت منذ امس تحت تأثيره حقيقة.

ما لفت النظر في الفيلم الطويل (ساعتين ونصف) هو اداء الممثلين وخاصة الفرنسية الروسية الاصل التي لا اذكر اسمها زوجة (مجيد) عندما تستغرق في مشهد مدته اكثر من خمس دقائق باداء عالي وحساس لا يصدق المشاهد انه مشهد تمثلي، تستحق هذه الممثلة جائزة افضل ممثلفة مساعدة حصلت عليها في مهرجان دبي. كما وادء "ريم" خاصة في مشهد الرقص والحوار مع والدتها.

كسكسي بالسمك فيلم خارج القواعد في كل شي خاصة في المضون فقد كسر قاعدة "المهاجرين" ضحايا لا حول ولا قوة لهم وكسر قاعدة اسطورة نقائهم. انتقدهم بشدة انتقد انغلاقهم وانتقد عاداتهم وتقاليدهم وعدم تضامنهم وكسلهم ، وانتقد جلافة الفرنسيين ونظرتهم الاستشراقية المضللة عن المهاجرين.

باختصار انه فيلم من الروائع. ساعتان ونصف تمضيان دقيقتين ونصف...

جلجامش 21

فيلم "جلجامش 21" للعراقي طارق هاشم. فور الانتهاء من مشاهدة الفيلم كان انطباعي عنه "سيئا" لكني بعد اعادة التفكير فيه يتكشف الفيلم عن "جواهر حقيقية" انه فيلم الالم العراقي بامتياز. تجربة سينمائية مثيرة للاهتمام من مخرج حقيقي.

اعتقد اني مدين بالاعتذار للمخرج لاني خلال الحوار استعجلت نقده...

الفيلم عبارة عن حوار على "الماسنجر" بالصوت والصورة بين المخرج طارق المدلل في كوبنهاغن برفقة كلب اكثر دلالا ومسرحي عراقي (باسم) محاصر في غرفة حقيرة ببغداد.

يصل هاشم بالمشاهد الى حد كراهيته كمخرج لانه يمارس "سادية حقيرة" على صديقه باسم المحاصر في بغداد في استجوابه لاستخراج كل ما عنده عن الواقع المؤلم الذي يعيشه في بغداد. استغل هاشم بانانية مفرطة صديقه باسم. لكن هاشم قصد هذه "الحقارة" ليخرج كل الالم الكامن في باسم وقد نجح فعلا في ذلك لدرجة افقدت باسم حزنه النبيل واخرجه عن كبريائه..

فيلم جلجامش 21 فيلم مشاكس لمخرج مشاكس كسر حدود الانسان ليخرج المه وكسر حدود اللغة والحوار "اللائق" ليصل الى لغة الانسان المقهور الحقيقية..

انه فيلم الالم المستعصي على أي وصف. وفيلم عن خيانة الجميع للمواطن العراقي ، الاميركان والحكومة وزعماء الطوائف والميشيات..الخ

اخر صرخة..

الفيلم المغربي القصير الذي سبق عرض جلجامش 21...

فيلم قصير عن الفقر والجوع والعجز الانساني. فيلم عن عائلة مغربية تعيش في احدى العشوائيات. اب عاجز ومشلول مرمي في سريره وام تبيع الشوربة للصيادين وطفل بكر يشاهد امه خلسة وهي تخون والده مع جارهم الذي يستغل فقر وجوع الاسرة وعجز الاب وكبت الام للوصول الى غايته الوضيعة.

يموت الاب بحسرة الخيانة التي تترك ندوبا بالطفل تدفعه الى محاولة الانتحار لكنه يصرخ صرخته الاخيرة احتجاجا على خيانة الضعف الانساني ، على استغلال الفقر والحاجة والعوز لمآرب حقيرة..

بصراحة افلام المهرجان في اغلبها، واوو، خمسة على خمسة ولو انها كانت قاسية تركزت مواضيعها على الموت والالم والحزن والضعف الانساني والخيانة...

تعليقات

Comment Icon

مبروك على البرنامح الان انتهيت من الاستماع اليه.اول مرة اسمع صوتك ما شالله نايس.بصورة عامه الحلقه كانت جيده بس اعتقد انها تفتقد للموضوعيه .يعنى كان القضيه قضيتك.اتمنى الحلقات التاليه تكون اجمل من ناحيه الطرح مع تمنياتى لك بالموفقيه..جون ..من الولايات المتحدة

جون سميث | 06/07/2008, 15:01 [ الرد ]

Comment Icon

صديقي جون
اشكرك على هذا الاطراء. بالنسبة للموضوعية . المعروف ان وسائل الاعلام تلتزم الموضوعية في الاخبار فقط اما البرامج فمن حق المقدم ان يتبنى وجهة نظر وهذه السياسة التحريرية التي تعتمدها اذاعة راديو البلد. ومع ذلك فقد اتحت مساحة واسعة للرأي المخالف..ساحاول في المرات القادمة ان اكون موضوعيا اكثر.
اشكرك جزيل الشكر

محمد عمر | 07/07/2008, 08:17 [ الرد ]

Comment Icon

مشكور على النقد الفني ولكن يا ريت في المرة القادمة تحذر القراء في البداية بأنك سوف تكشف عن نهاية الفيلم وتفاصيله. لأنه بصراحة، بعد قرائتي لمقالتك، لن استمتع بمشاهدة الفيلم بعدما عرفت نهايته..

moryarti | 06/07/2008, 20:17 [ الرد ]

Comment Icon

صديقي مورياتي..
اشكرك واعتذر عن كتابة قصة الفيلم لكن الافلام يمكن مشاهدتها ليس من اجل القصة ففيلم كسكسي بالسمك تحديدا لا يعتمد على "الحبكة" ابدا وهذه من بين القواعد التي كسرها كشيش الفيلم ممكن مشاهدته لكل جماليات السينما التي فيه. التصوير الحوار المضمون الاداء الفكرة...الخ وانا متأكد انك لو شاهدت الفيلم الان سوف تندمج معه كثيرا.
اشكرك مورياتي ومرة اخرى اعتذر...

محمد عمر | 07/07/2008, 08:10 [ الرد ]

Comment Icon

استاذي العزيز محمد عمر,
الصراحة انا لم يعجبني فلم جلجامش 21 فلم اجد فيه شيئا جديدا و لم يكن اسقاط الوضع العراقي على كلكامش و انكيدو فعالا بل كان مفتعلا بشكل لا يصدق و لكن هذا هو حال الفن العراقي الذي لا يزال يخوض في الإصطناع بشكل كبير.
ولكني لا أذكر اي المنتقدين أنت, لقد كان هناك شاب أردني يجلس في الصف الأخير انتقد التحدث عن الذات الإلهية, و بعدها أذكر رجلا أردنيا تحدث عن المرأة العراقية الا انه يخيل لي انه كان شابا أيضا. و بعدها لا اذكر شيئا.
يا للأسف لم اصبر على مشاهدة الكسكسي بعد خيبة أملي بكلكامش.

عراقي في عمان | 07/07/2008, 17:18 [ الرد ]

Comment Icon

اشكرك يا صديقي
كما قلت، عندما فكرت في الفيلم وجدت فيه اشياء جديد وبل عكست وجهة نظري في قضية "محاولة" المخرج المساواة بين حصار مثقف في العراق وغربة مثقف عراقي في المهجر. في الفيلم يبدو المخرج تعمد ان يرينا الفرق الكبير بينهم فبينما هو في غرفته الجميلة ويحتضن كلبا مدللا يكون صديقه باسم يكاد يموت حصاار وجوعا.
بالمناسبة كنت ثاني المتحدثين بعد الدكتور العامي.
اشكرك

محمد عمر | 08/07/2008, 09:42 [ الرد ]

Comment Icon

يبدو أنك لست عراقيا في عمان, أنت حاقد ولاأعرف جنسيتك. ويبدو أنك لاتهتم بالسينما.ولن يعجبك أي فيلم. فيلم كلكامش كان تحفة فنية لم أشاهد مثله سابقا.فهو طريقة جديدة مبتكرة. إستطاع المخرج أن يجعلنا داخل اللعبة لمدة ساعة كاملة على الرغم من أن معظم أحداث الفيلم تدور في غرفتين فقط. كان فيلما جديدا بمعنى الكلمة.وهكذا عودونا أخواننا المبدعين من العراق. أما فيلم كسكسي بالسمك , فهو سينما رائعة لايشبه أفلام الأكشن الأمريكية التي تشاهدها وأكيد سيكون مملا بالنسبة لك ( عراقي في عمان)فأنت يبدو لاتبذل جهدا في التأمل,وهذا الفيلم تأمليا وعميقا

سينمائي أردني | 08/07/2008, 01:37 [ الرد ]

Comment Icon

اخي الغالي سينمائي أردني,
لا أفهم سبب تهجمك القاسي علي, ربما تكون قد قرأت تقييمي لليلة بيبي دول, ولكني أحب الأفلام و انا أيضا صانع هاو لها, و أتمنى ان اتعرف عن كثب على صناعة السينما, وبأية الحال فالفلم ليس إعجازا مبهرا فحتى الأستاذ محمد عمر لم يعجبه إلا بعد ان اقنع نفسه بذلك بعد محاورة فكرية. لقد فهمت ما أراد طارق هاشم ان يوصله, وليس العيب في انا كمتلقي من ناحية التأمل, فالإسقاط و المغزى واضح و مكشوف, ولكنه لم يصنع بشكل جيد, فالحوار عن كلكامش و أنكيدو كان مصطنعا بقسوة, وكعراقي فانا لم أر أي شيئ جديد ولقد انبهرت انا بالكثير من الأفلام الوثائقية التي تتحدث عن العراق في تلقائيتها و عفويتها أكثر م هذا الفلم بكثير, أداء السيد طارق هاشم لم يكن متقدا بالشكل الذي يستوجب نباح كلبه عليه في وصلة هي اكثر ازعاجا من أي شيء آخر, النقاط الوحيدة التي اعجبتني في الفلم هي جرأة المخرج في كسر التابوهات ربما, و على أية حال فلا أخفيك انني لست من متذوقي مثل هذه الأفلام الغير تجارية الذي قد يجوز ان نطلق عليها مصطلح art films و هذه أول مرة أحضر أحدها بناء على نصيحة السيد محمد عمر.
سلامي لك و أرجو ان تكون متقبلا للصراحة فأنت و أنا ندرك ان صناعة الأفلام العربية لا تزال بحاجة الى أشواط لكي تقدم فيلما يثير الإعجاب فعلا.
لكي تشاهد فيلما عن العراق انصحك بمشاهدة
Voices of Iraq
Iraq in Fragments
Sari's Mother
وبامكاني تزويدك بها شخصيا ان احببت

سلامي.

عراقي في عمان | 08/07/2008, 18:46 [ الرد ]

Comment Icon

صديقي اشكرك على تعليقاتك وردك اللطيف.
"جد لاخيك عذرا"...

محمد عمر | 09/07/2008, 15:53 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba