The Reader...!
08 شباط, 2009

نقول بالعربي الفصيح:" الساكت عن الحق شيطان اخرس..."، أليس كذلك؟، يمكن، لكن متى يكون الحق معنا في القول...

كم مرة تعرضت لمواقف، شخصية وعامة، فضلت فيها الصمت على الحديث، في وقت لم يكن فيه الصمت فضيلة، ولم يكن فيه الكلام من فضة، ولا السكوت من ذهب.

كنت في وسط البلد أمس، واشتريت فيلم " القاريء" أو " The Reader"، وعدت إلى منزلي لمشاهدة الفيلم، الذي كنت قرأت عنه، وعرفت انه نال عدة جوائز عالمية ومرشح لنيل غيرها.

يتخذ فيلم "القاريء" من "المحرقة النازية" لليهود محور الدراما، لكنه ليس فيلما عن المحرقة، مثل كل الأفلام التي عالجت هذا الموضوع وأصبحت مملة ومكررة، واتضحت دوافعها السياسية قبل الإنسانية.

 بالعكس، قد يكون فيلم "القاريء"، او هكذا رأيته، هو الوحيد من بين أفلام "المحرقة النازية" الذي يظهر "تعاطفا" واضحا مع "الجلاد" النازي، واقصد مع "الجنود" و "الناس العامة"، المخدوعة، الذين كانوا يخضعون للقانون وينفذونه دون ان تكون لهم يد في إقراره ولا قدرة على خرقه، ولا حول ولا قوة لهم في ما حصل، فيما جلس المثقفون عاجزون عن ممارسة دورهم.

لكنه فيلما عن "السريّة"، عن المفارقة بين أن تعرف وتختار الصمت لأي سبب كان، شخصيا أو عاما، وبين ان تقول وتبوح، حتى لو أدى ذلك إلى نتائج غير مرغوب بها، أو حتى لو كان مخالفا لرأي "القطيع".

 إنها مفارقة أخلاقية: القانون، الاخلاق، فقدان البراءة، الشعور بالذنب، الصمت...

"السريّة": شائعة في الأدب الغربي، هكذا يقول الأستاذ الجامعي في الفيلم، أحيانا يستخدم الأدب هذه السرية لإغراض شريرة وأحيانا للتورية وأحيانا لدوافع نبيلة.

السريّة التي يناقشها الفيلم هنا، تعني الصمت حين يتوجب الكلام.

لكن "السريّة" وتورية النفس والصمت ليست المفارقة الأخلاقية الوحيدة التي يطرحها الفيلم.

فهناك المفارقة الأخلاقية العويصة بين أن تلتزم وتنضبط للقانون وأنت تعرف انه جائر. تنفذه بحذافيره وأنت تعلم انه سيؤدي إلى كارثة إنسانية.

إنها مفارقات أخلاقية لمجتمع "عقلاني"، مجتمع يخضع لـ"القانون". ومجتمع يسوده رأي عام، مصنع ومعلب، مجتمع تحكمه ثقافة "عقلانية" نمطية ترفض الاختلاف حتى في الحب والعلاقات الإنسانية. واسر أبوية الطابع لا يمتلك فيها الفرد حرية التعبير عن نفسه ويعجز عن الكلام.

كنت ابحث في الفيلم عن "شيء شخصي جدا"، عن الحب والصمت، لكني اكتشفت فيه أكثر من "ثيمة" جعلته أكثر تأثيرا بيّ، مما لو شاهدته بعين مشكلتي.

ينتقد الفيلم دور "القاريء"، المثقف المتعلم، الذي ينحاز للصمت في وقت لم يكن فيه هذا الصمت فضيلة. المثقف، المتعلم العاجز، عاطفيا وانسانيا، الجالس على مقاعد المتفرجين، فيما يرى بأم عينه حيوات الناس وحرياتهم تهدر على مذبح "قانون" جائر، ورأي عام سائد، وضغوطات مجتمع مريض بعقدة الذنب، وضغوط لوبيات..

قاريء، متعلم مثقف يؤثر الصمت، ويبقى في مقاعد المتفجرين يبكي عجزا، خوفا على نفسه وأسراره ومنافعه الشخصية.

تنويه: هنا مقابلة مع مثقف لم يسكت عن الحق...!

انه فيلم عن التغريد خارج السرب وعن ذهب الكلام، ومع ذلك فلا زلت اشعر ان: 

"ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال قد حضر أهله، وليس كل ما قد حضر أهله قد حان وقته". وخاصة في القضايا الشخصية...!

تعليقات

Comment Icon

لماذا شعرت أنك تتحدث عنا ؟

شعرت أنك لا تحكي الفيلم، إنما تصف واقعنا ..

أما بشأن الكلام والسكوت .. فهذا يعتمد على الموقف .. وعلى الخسائر والأرباح التي ستنتج من الكلام ..

المفارقة أن العرب هم أكثر من قتلوا بسبب ألسنتهم، لا أذكر أنني سمعت عن أمة اغتالت هذا القدر من الـمتكلمين سوى في العرب، منذ الأزل وحتى الآن !

أحيانا نتكلم ونقول خطأ: الحكي ببلاش .. !

تحياتي

77math | 08/02/2009, 11:12 [ الرد ]

Comment Icon

صديقتي لقد كتبت عن الفيلم وليس عن الواقع.
فمن انا لاقول لكم ما اقول..
اشكرك

محمد عمر | 08/02/2009, 14:55 [ الرد ]

Comment Icon

"ينتقد الفيلم دور "القاريء"، المثقف المتعلم، الذي ينحاز للصمت في وقت لم يكن فيه هذا الصمت فضيلة. المثقف، المتعلم العاجز، عاطفيا وانسانيا، الجالس على مقاعد المتفرجين، فيما يرى بأم عينه حيوات الناس وحرياتهم تهدر على مذبح "قانون" جائر، ورأي عام سائد، وضغوطات مجتمع مريض بعقدة الذنب، وضغوط لوبيات.."

أؤمن بشدّة بقول ادوار سعيد أنه من واجب أي مثقف أن يكون له دور ناقد للسلطة, أيّاً كانت هذه السلطة, و بدون هذا الدور الناقد الذي هو واجبه تجاه مجتمعه باعتباره طليعة فيه, بدون هذا الدور, ليس المثقّف إلا شاعر بلاط.. بغض النظر عن سبب صمته أو سلبيته أو نظره إلى اتجاه آخر

تحيّة

syriangavroche | 08/02/2009, 12:43 [ الرد ]

Comment Icon

عندما يكون الكلام هم وسط الضجيج ..
أعتقد أن الصمت أفضل ..

خالد السعود | 08/02/2009, 12:52 [ الرد ]

Comment Icon

http://www.youtube.com/watch?v=HHMSKGwHt5g&feature=related

لك | 08/02/2009, 13:21 [ الرد ]

Comment Icon

لقد بلغت القلوب الحناجر...!

محمد عمر | 08/02/2009, 14:57 [ الرد ]

Comment Icon

اشكركم

محمد عمر | 08/02/2009, 14:56 [ الرد ]

Comment Icon

Mr. Mohammad, did you notice that Nazi's are taking over the media recently?
I watched the Reader and Valkyrie, and really feel there is much to say!

Kahrabgeyya | 15/02/2009, 13:55 [ الرد ]

Comment Icon

صديقتي كهربجية. لا ادري اذا كانت ملاحظتك ممكن تعميمها. لم الحظ الامر، ولا اعتقد ان الفيلمين ممكن ان يشكلا دليلا على ذلك. مع ان الامر يستحق المتابعة فعلا.
اشكرك

محمد عمر | 16/02/2009, 09:22 [ الرد ]

Comment Icon

read this my friend
http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=mulhak_thakafi&type=mulhak_thakafi&day=Tue

محمد عمر | 17/02/2009, 08:27 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba