امس، استيقظت، ولاول مرة، على صوت طبلة المسحراتي، ولا ادري لماذا يصر البعض على الاحتفاظ بهذا التقليد، رغم التكنلوجيا المتقدمة من الساعات المنبه الى "الموبايل" الذي يوقظك على الموسيقى او على صوت المغني علي الديك، او متعب الصقار او واو هيفاء وهبي او "لد لد جيف انو ، جيف اخذ الطابة منو"، الا ان المسحراتي لا يزال مصرا على قرع الطبول والصراخ "قوموا على سحوركم اجى رمضان يزوركم"، او "وحدو الله"، وفي العشر الاواخر من رمضان، يبدأ المسحراتية بقرع الباب عليك لاخذ الاجرة، واذا كان "ساعي البريد يقرع الباب مرتين"، على طريقة فيلم الرائع جاك نيكلسون والجذابة الحلوة جيسكا لانغ، فان المسحراتية او المسحرين، يقرعون الباب اكثر من عشر مرات، والكل يدعي انه ساهم في ايقاظك في ثلاثين الصيام.
عندما كنا اطفالا، كان الاهل، وكنا فقراء جدا، نسكن مخيما للاجئين، هو مخيم الوحدات، في العاصمة عمان، يعطون المسحراتي بعضا من كعك العيد مع مبلغ صغير قد لا يتعدى العشرة قروش، وبالمناسة انا بموت بكعك العيد، ولو اني صرت اشتريه من محال الحلويات، نظرا لان قلة من الناس يعملون الكعك هذه الايام، كانت العائلات تسنفر قبل قدوم العيد وتسهر النساء حتى الفجر في الافران انتظارا لدورهن في شوي الكعك بالفرن قبل انتشار افران الغاز واختراع الميكرويف.
ما علينا، لا اريد ان اكتب عن عادات رمضان، ولكن المسحراتي الذي ايقظني فجرا من نومي، وانا نومي ثقيل بالعادة، ذكرني بقصة والدتي وطبلة سيدي.
قصة امي وطبلة سيدي
عندما بلغ عمري 15 عاما، كان هذا عام 1975، التحقت بتنظيم ماركسي محلي، كان يطلق عليه اسم "الحزب الشيوعي الاردني/الكادر اللينيني"، وهو حزب اصلاحي جدا، انشق عن الحزب الشيوعي الام، وتزعم الانشقاق وقتها سياسي اردني معروف هو فهمي السلفيتي، وكان هذا الحزب اصلاحيا جدا لدرجة ان اعضاء الحزب الام كانوا يتهمونه بالانحراف ومحابة الدولة والحكومات المتعاقبة، ومع ذلك فقد كانت الاجهزة الامنية مصرة على ملاحقة اعضاء هذا الحزب، رغم ان الحكومات الاردنية اليوم، تتحدث بلغة "متطرفة جدا" قياسا بلغة "الكادر اللينيني" الاصلاحية، بل "الطرية"، وكان اعضاء التنظيم ملاحقون بشكل عام، يتعرضون للاعتقال او الفصل من العمل او الجامعات والمعاهد او الحرمان من السفر وسحب الجوازات.
وقد التحقت بالحزب تأثرا باخي، الذي يكبرني باربعة اعوام، وكان دخل الجامعة الاردنية بمنحة من وزارة التعليم، كونه حاز المرتبة السابعة على محافظة العاصمة في امتحان الثانوية العامة "التوجيهي"، وتسلم شهادة تقدير من مضر بدران الذي كان وزيرا للتعليم حينها على ما اذكر واعتقد.
لكن اخي تعرض للاعتقال، وسحبت منه البعثة الدراسية، حتى استنكر الحزب، اما الاستنكار، فهو عادة كانت تستخدمها الاجهزة الامنية للنيل من معنويات الحزبيين انذاك، ومفادها ان تقوم بنشر اعلان استنكار للحزب في صحيفة "الرأي" او "الدستور" وهما الصحيفتان الوحيدتان اللتان كانتا تصدران في ذلك والوقت بانتظام، وطبعا على حسابك، تقول صيغة الاعلان، انا المدعو فلان الفلاني، استنكر بشدة علاقتي بالحزب الشيوعي وافكاره الهدامة، واعلن ولائي واخلاصي لجلالة الملك وحكومته الرشيدة". وكان كل شخص يستنكر الحزب، يعتبر في نظر رفاقه وزملائه والحزبيين الاخرين "ساقط او متساقط بالاحرى "، لم يحتمل التعذيب او التضحية وانكار الذات، وكانت قصص "الصمود امام المحققين" مفخرة لمن لم "يتساقط" وموضوع قصص وروايات كما في كتابات هاشم غرايبة او سعود قبيلات وغيرهم من القاصين والروائين، اما اهم من كتب في هذا الشأن فكان المرحوم عبد الرحمن منيف في "شرق المتوسط". ثم "الان وهنا"، وطبعا فان ادب السجون عندنا شائع جدا من صعب حصره.
وقبل اخي هذا كان اخي الاكبر، او البكر، التحق ايضا في نهاية الستينيات من القرن الماضي، بتنظيم "الانصار" المسلح، التابع للحزب الشيوعي الاردني ايضا، ولكن سرعان ما ترك اخي التنظيم تحت ضغط امي، وسافر للعمل في الكويت، حيث كانت اختى الاكبر تعيش مع اولادها وزوجها الذي كان يعمل سائقا لدى جامعة الكويت.
ما علينا، مرة اخرى، عندما تخرجت من الثانوية، حصلت ايضا على منحة دراسية من وزارة التربية والتعليم، كاخي، كوني حصلت على ترتيب الثالث على مدرستي"ثانوية حسن البرقاوي الثانوية الثانية للبنين".
المهم انني دخلت الجامعة الاردنية، عام 1978/79 على ما اذكر، والتحقت بكلية الاداب، وما ان دخلت السنة الثانية كطالب بقسم اللغة الانكليزية، حتى غيرت تخصصي الى اللغة العربية، لانني كنت حزبيا نشيطا ولا وقت كافيا لدي حتى "اضيعه" على الدراسة، وخاصة الادب الانكليزي، الذي كانت دراسته صعبة ومعقدة للغاية، ذلك ان الجامعة الاردنية كانت في ذلك الوقت لا تزال تحتفظ بسمعتها العلمية العالية، وكانت الدراسة فيها مفخرة للطالب واهله.
خلال العام 1979 او 1980 شهدت الجامعة تظاهرة كبرى واعتصام طلابي دام اكثر من عشرة ايام، تخلله صدامات مع رجال الشرطة وحرس الجامعات، وكانت التظاهرات اندلعت في نهاية شهر اذار بمناسبة توقيع الرئيس المصري الراحل انور السادات على اتفاقية كامب ديفيد، وتزامنا مع احتفال الشعب الفلسطيني بذكرى يوم الارض واحتفال الجيش العربي والشعبين الاردني والفلسطيني بذكرى معركة الكرامة.
ولما كنت ناشطا سياسا، فقد كنت من ابرز المشاركين في التظاهرات، كنا وقتها ننام على حرير قناعات بسيطة واوهام كبرى، وقد استدعتني دائرة المخابرات العامة للتحقيق معي، وبعد ذلك تم فصلي من المنحة الدراسية، وكان هذا كارثة بحد ذاته لي ولاهلي لاننا لم نكن على قدر تحمل اقساط الجامعة بسبب خط فقرنا المدقع.فقد كانت وزارة التعليم تتكلف بكافة اقساط المبعوث الجامعية اضافة الى راتب شهري مقداره 35 دينار، وكان هذا الراتب ثروة للطالب في ذلك الوقت، فاجرة الباص من سوق الخضار بعمان حتى الجامعة كان اربعة قروش، وثمن وجبة طعام في مطعم الجامعة، مش في الميلك بار طبعا، انما في المطعم المقابل، كان ثمن الوجبة لا يتعدي 75 قرشا او دينارا اذا ارد الطالب "البعزقة" والتحلية بالكاسترد او البودين او المهلبية او شراء موزة او برتقالة او تفاحة.
ولاننا اخي وانا، تم استدعائنا للتحقيق، وتم فصلنا من المنح الدراسية، فان امي لم يكن يعجبها واقع الحال، وكانت رحمها الله، كثيرة الشكوى والتذمر، تقضي ايامها ولياليها، في الشكوى او في "الترويد"، على طريقة نساء القرى، واحفظ عنها مقاطع "ترويد او نواح " مثل قولها "يا همي ماشيلك ثور عمّال ولا يحرث على الجنبين عمّال، وانا ربي بلاني بناس انذال تتر ما يفهمو رد الجواب"، او قولها "صّبرت صبر الخشب تحت المناشير"، وغيرها..
كانت امي، تشعر انها" مبتلاه او "مبليه"، على حد قولها بابناء "عاقون"، خاصة وان اخواتي الثلاث، اللواتي لم يكن قد تزوجن بعد، كانوا يتعاطفون معنا، ويخفون كتبنا واورقنا ومنشوراتنا ليس عن اعين الاجهزة الامنية، بل عن اعين امنا، التي اعتادت على البحث والتفتيش في كتبنا او في طيات الفرشات والجنابيات المرصوصة فوق "الدوشك"، والدوشك هو حامل خشبي كانت توضع عليه الفرشات وجنابيات نوم قبل ان نعرف اختراع التخت والسرير وغرف النوم.
وكانت امي كلما وجدت "كتبنا الحمراء"، او منشوراتنا تقوم بتمزيقها وحرقها، واحيانا ، ولانها كانت امية لا تعرف القراءة، كانت تحرق بعضا من كتبنا المدرسية، رغم انها كانت حريصة جدا جدا على ان نكمل تعليمنا، وقذ سامتنا سوء العذاب، وخاصة انا ، في سبيل ان نكون من "الاوئل في المدرسة" وما "نخزيها قدام الجيران والقرايب".
امي، الامية، لم تكن تميز بين انتماء ابنائها لتنظيم اردني محلي، همه الاول المسائل الداخلية، وبين الانتماء لتنظيم فلسطيني همه الاول "تحرير فلسطين"، وكانت في وجدانها تحسب ان الجميع سواء وانهم مشتركون في عملية "التحرير" القادمة"، لذلك كانت كلما تريد تعنيفنا او "بهدلتنا" بالاحرى على سلوكنا "الشائن" في الانتماء للاحزاب، تقول لنا "مش عارف ليش مستقتلين ترجعو فلسطين. علشان ترجعو طبلة سيدكم!!، ما يروحو ولاد دار ندى او دار رشيد يقاتلوا ليرجعو بياراتهم وبيوتهم".
كنت كلما سمعت بطبلة سيدي استغرب، ما الذي تقصده امي، وفي مرة سألت والدي: ماذا تقصد امي بقولها "روحو رجعو طبلة سيدكم"، وعرفت من والدي ان اهله في فلسطين، كما اهل امي طبعا، كانوا فقراء فقرا مدقعا، لا يمتلكون حتى فتر واحد من الارض هناك، اللهم سوى طبلة سيدي الضرير الذي كان يعمل "مسحر"، في رمضان. وعرفت ايضا ان "دار ندى او دار رشيد من اعيان قريتنا "الخيرية"، التي تقع بالقرب من يافا، تركوا "عزبا واطيان ما لهاش عدد في البلد"، على حد تعبير يس اسماعيل يس في احد افلامه، عندما اراد مغازلة احداهن فغنى لها "ماما سبتلي "ترككت لي" في البلد اطيان كتير ما لهاش عدد".
ولما لم تترك لنا لا امنا ولا ابينا ولا اجدادنا سوى "طبلة سيدي المسحر". كانت امي تستغرب لماذا لا ينخرط اولاد الذوات في العمل الحزبي او العمل المقاوم لاجل تحرير ما كانوا يملكونه، وتستغرب اكثر انخراط فقير في عمل لا يجلب عليه سوى المتاعب وليس لديه ما يستعيده او يدافع عنه.
هذه قصة طبلة سيدي، ولا ادري من هو الذي يملك الحقيقة، امي، ام كارل ماركس ام ابو ذر الغفادري ام الامام علي بن ابي طالب، فامي كانت تستغرب انخراط الفقراء في الثورة او في الاحزاب، بحجة ان ليس لديهم ما يسترجعونه، وبحجة انهم قد يقتلوا او يعتقلوا دون ان يسأل عنهم احد او يدافع عنهم احد، خاصة "انو ما الهم ظهر ينسندو عليه"، او "بيضاتهم مش كبيرة". في حين ان كارل ماركس قال في بيانه الشيوعي ان "الطبقة العاملة بوصفها الطبقة الاكثر فقرا هي المعنية الوحيدة بالثورة لان ليس لديها ما تخسره سوى قيودها"، اما الصحابي ابو ذر الغفاري فقد كان يقول "عجبت لرجل فقير لا يجد قوت يومه ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه"، اما الامام علي فقد كان يتمنى "لو ان الفقر رجلا"، لقتله، وهو قول يرتقي حد التحريض على الثورة.
الارجح ان والدتي كانت على حق على الاقل اكثر من ماركس.