فكرة وحلم...!
04 تشرين ثاني, 2007

كان الراباي اليهودي سلامة بن نعمان يُسأل من قبل قومه: ”انك تدعونا إلى العودة إلى فلسطين، هل تقصد الفكرة والحلم والأمل”. وكان يجيب :” بل اقصد التراب والشجر والصخر”…

 

كنت مساء اليوم في زيارة لمخيم البقعة للتعزية بوفاة والد زميل لنا في العمل، والد زميلي توفي عن أربعة وستين من العمر، بمعنى انه ولد قبل “النكبة” بثلاث سنين، ومع ذلك فان صديقي ابلغ إلى: أن والده كان في العشرة سنين الأواخر من عمره دائم التذكر لـ”فلسطين”، وليس مجرد ذكرى إنما أحيانا يعتقد انه ذاهب إليها أو يعيش الحالة كأنه فيها، عائدا إليها.

والد زميلي الذي مضى، ذكرني بوالدي الذي رحل قبل نحو من خمس سنين، عن أكثر من ثمانين حولا.

على ان والدي الذي بلغ من العمر عتيا، أصابه نوع من الخرف أو الزهايمر، وكان إخوتي يتفقدونه فلا يجدونه في البيت، فيبحثون عنه في الشوارع والطرقات، ليجدوه يبحث عن “باص أريحا” او عن “باص حيفا”.

حسب علمي، ولا اعتقد انني دقيق، فالمصاب بزهايمر او الخرف يفقد الذاكرة القريبة والمتوسطة، وما يتبقى له هو ما حملته الذكريات الأولى، ذكريات الطفولة الواعية والشباب.

كان والدي يعتقد جازما انه لا يعيش في “القويسمة”، وهي حي بالقرب من مخيم الوحدات بعمان، حيث ولدت بدون ملعقة، لا من ذهب ولا من فضة ولا حتى من تنك، وحيث ترعرعت، بدون ان أكون في كنف اهل محبين او أمهات حنونات بل عصابيات.

المهم، ان والدي كان في كثير الأحيان، يعتقد انه يعيش حقا في قريته “الخيرية”، القريبة من يافا، ومرات كان عندما يستقبل زوارا يعتقد أنهم أصدقائه القديمين أو جيرانه في القرية. حتى أن أسمائنا كانت تستشكل عليه فيخلطها بأسماء مجياليه في القرية.

زميلي المكلوم بفقدان والده، قال لي انه عثر مرة على عجوز وقد حملت على رأسها “بقجة” ملابس، وخرجت تبحث عن “باص العروّب”، والعروب مخيم في الخليل، وسمي كذلك لقربه من بلدة بهذا الاسم. وذكر لي صديقي حوادث كثيرة متشابهه كهذه، صادفها أو نقلت إليه.

خلال وجودي في العزاء، حضر شيخ كبير، لا تزال آثار وسامة الشباب باقية على محياه السمح، لدرجة أنني لم استطع ان ارفع عيني عنه وهو يتحدث بصوت جهوري ولغة جميلة عن ذكريات الناس في قريته “الدوايمة”، القريبة من الخليل، وكيف كانوا يتعاضدون في السراء والضراء، وقد ختم الشيخ حديثه بجمله اقتبسها حرفيا ” أدعو الله ان يعيدنا الى ديننا والى وطنا، فلا كرامة لنا بدون وطن”.

قد يكون حديث الشيخ ليس أكثر من نوستالجيا تصيب الشيوخ، حنين دائم الى اول منزل مهما نقلوا فؤادهم من الهوى، وقد يكون، وهو اغلب الظن عندي، ان هؤلاء الشيوخ بمن فيهم من نحب ان نطلق عليه “خرّف”، شديدو التعلق بماضيهم “الجميل”، شديدو التعلق ببساطة الرضى والكفاف، الذي افتقدوه في عالم يزداد تعقيدا، وثقافة توغل في الاستهلاكية، ومخيمات تضيق بأهلها وعليهم. شديدو التعلق بماض، حيث رحابة الفلاحة والأرض مقابل مخيمات تنزنق عليهم بشوارعها وزنقاتها ويعلوها الغبار ورايات أكياس النايلون السوداء تتطاير من فوق رؤوسهم أو العالقة على أسلاك الكهرباء تخفق كرايات سوداء رفعت في ساعة شؤم، والفقر المنبعث من كل زواياه مرئيا ومسموعا ومشموما.

في مخيم البقعة، تجد هناك، كل ما يذكرك بـ”فكرة” اليهود السائلين للراباي نعمان، ولكن ليس شجر وحجر وصخور سيدة الأرض، التي كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين.

هناك في المخيم، يتنافس أكثر من مرشح على المقاعد النيابية، يذكرونك بـ”الفكرة”، وقد رفعوا شعارات كـ”وطني ليس حقيبة وانا لست مهاجر”، “حق العودة ..حق مقدس”، ” لا للتوطين”، “فلسطين لنا من نهرها الى بحرها”….

أكاد أغادر العقد الرابع من عمري، ثلاث سنين تفصلني عن الخمسين، عشتها كلها خارج “الحجر والشجر والصخر”، عشتها كلها داخل “الفكرة والحلم والأمل”، لم أر سيدة الأرض سوى مرة واحدة في حياتي.

كنت في السادسة من عمري، عندما قام أهلي عام 1966 بزيارة إلى أريحا لإحياء “موسم النبي موسى”، تاريخنا تاريخهم لولا اختلاف المعنى.

موسم النبي موسى هذا، كان الفلسطينيون يواظبون على إحيائه كل عام قبل الاحتلال، وقد منعتهم إسرائيل عنه، لان النبي موسى لهم!!، حتى عادوا للاحتفاء به قبل عامين.

والموسم يقام بالقرب من أريحا، في قلعة بناها صلاح الدين الأيوبي، وهي ليس لها علاقة بقبر النبي موسى عليه السلام، فهو فقد حسب التوراة في جبل نيبو، ولم يعرف له قبرا.

لكن الرواية التاريخية تقول إن صلاح الدين مر بقوم من الأعراب متجمعين حول بئر على جبل اجرد، فسال عنه فأجابوه بأنه “بئر كليم الله موسى”، فأمر الايوبي ببناء المقام وقد أتم الظاهر بيبرس بناء المسجد والأروقة عام 1256، على ما تقول كتب التاريخ.

عشت “الفكرة والحلم والأمل”، وقد قضيت نحو عشرين عاما من عمري “مناضلا” في سبيل تحويلها الى “شجر وحجر وصخر”، ربما كنت ساذجا أو حالما أو مخدوعا، وربما اسكن في عقلي حلما جمليا خسرته بعد ليل الخيبات الطويل. لا ادري!!

المهم الآن وهنا

فعندما أتدبر في الأمر أجد نفسي وقد تعلقت بفكرة فقط، عجزت عن تجسيدها حتى في مشاعري، فمثلا عندما غادرت الأردن أول حياتي كنت اشعر بحنين جارف إلى هذا البلد الذي ولدت ونشأت فيه ولمسته بشرا وشجرا وحجرا وصخورا، فيما لم يراودني في أي لحظة حنين مماثل لسيدة الأرض، التي كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين.

عندما اقلب “الفكرة” في راسي، أجدها دائما، محض ذكريات زرعت فينا، وتاريخ درسناه، وحقوق منهوبة نطالب بها، لكن هذه الفكرة عجزت ان  تتحول عندي إلى أي معنى مجسد، إلى مشاعر خاصة، إلى ذكرى ملموسة، ولا أكاد الآن اذكر من “موسم النبي موسى”، سوى قلعة ضخمة تتوسطها بئر، تقف على جبل اجرد يطل على وديان سحيقة لم يبق فيها غير حجارتها. وباعة “حلاوة النبي موسى”، وهي حلوى تحتاج الى “شاكوش” لتكسيرها، فهي مجرد ماء وسكر وصبغة.

والى هذه الذكرى، أضيف، “عمّال”، مجرى مائي، وسط مزرعة موز في أريحا انتقلنا إليها بعد ان صلى اهلي على كليم الله في الوادي المقدس طوى، وهبطنا الجبل الاجرد، لتناول الغذاء في المزرعة التي عرفت لاحقا، ان “عمال” الماء الذي كان يقطعها كان جزءا من مشروع زراعي، أقيم بإشراف الجامعة العربية وتحت إدارة الفلسطيني موسى العلمي لـ”دعم صمود أهلنا في فلسطين”.

ومن مزرعة العلمي انتقلنا إلى منزل شقيقتي الأكبر في مخيم عين السلطان، والآن لا استطيع ان أتبين اي ذكرى او فارق بين المخيم والبلدة وكل ما اذكره هو مجرد خيالات لبيوت من الطين والقش المتناثرة، ولا ادري هل كانت المخيم أم أطراف البلدة.

هذا كل ما اذكره عن “سيدة الارض”، لكن لي في عمان الكثير، ملاعب طفولتي في الجبال وأزقة مخيم الوحدات الموحلة شتاء المغبرة صيفا، وشجرة التوت التي اعتادت أمي أن تربطني إليها كلما أرادت معاقبتي، والملجأ الحقير الرطب الذي حفره والدي بعد “نكسة حزيران”، وقد حشرتني فيه والداتي عدة مرات كعقوبة كانت تعتقد أنها رادعة.

وفيها أيضا ذاكرتي عن مدراس وكالة الغوث، وأستاذ الدين الذي كان لا يحلو له طريقة في العقاب غير جلدنا على اقفيتنا بعد ان ينزع عنا سراويلنا، ويجعل زملاء لنا يشدوننا إلى أول مقعد في الصف، وأستاذ الرياضيات الذي كان يفرك “الصرار" أي الحصاة” بأذاننا حتى يقطر منها الدم، ومعلم الرياضة الذي كان يتحرش بالفتيان المرد البيض، ورائحة النوم والبول المنبعثة من سراويل الأطفال الذين اكتظت بهم الصفوف.

وفي مدارسها، أو بالأحرى مدارس مخيماتها، لا تزل رائحة حليب الوكالة عالقة في انفي، منعتي سنوات طوال من شرب الحليب. ورائحة وطعم زيت السمك، وغبار الطباشير، وعصا المدير، وصفوف التفتيش الصباحية على الأظافر والمحارم والشعر الذي كان يتوجب حلاقته على الصفر حتى لا يتحول مرتعا للقمل والسيبان، وأناشيد “موطني موطني”، وقسما بالساحقات الماحقات فقد عقدنا العزم على أن تحيا الجزائر” التي كانوا يجبروننا على إنشادها في الساحة قبل الدخول إلى الصف المدرسي ونحن نتكتك بردا وتلسع ندف الثلج البادرة أقدامنا شبه العارية.

لم اعد استطيع المتابعة، ربما أكملت لاحقا.

تعليقات

Comment Icon

إذا كان لابد من الحلم حتى نعود لواقعنا فلما لا؟؟
ولكن لربما من فقد الشئ وإنحرم منه هو فقط من يشعر به حق الشعور..
فجميع من قطن في هذه الأرض المباركه… يحن لها،لأنها جزء من كيانه..
وهنا أقصد أجدادنا فهم أكثر حباَ وولاء..
لأنهم شربوا من مائها ولامسوا أرضها.
ولعل أجل أحلامنا أن تلامس أقدامنا تراب هذه الأرض المقدسه..

لقاء | 18/01/2008, 20:17 [ الرد ]

Comment Icon

مرحبا أستاذ محمد
ذكرني مقالك هذا بالمسلسل الرائع ( التغريبة الفلسطينية)كنت أبكي في كل حلقة , ودمعت عيناي عندما قرأت كلماتك, الموضوع حزين للغاية ولكنه حلو…حلو, أيمكن أن يكون الحزن حلوا؟

تحياتي

ماجدة | 18/01/2008, 20:18 [ الرد ]

Comment Icon

صديقي محمد ..هذه السطور في مدونتك تعود في سنين الى الوراء وتفتح باب الذاكره على ايام بائسه لكنها جميله اعتقد انه الظروف التي مررت بها في حياتك اعطتك زخما في الكتابة وهذا واضح من لغتك التي تسخرها في طرحك للقضايا الانسانية.

لقد اشعلت ذاكرتي كنا في مدارس الوكالة نجبر على بلع حبوب زيت السمك ذات الرائحة الكريهه كما كنا نسرق الطباشير وناخذها للبيت لنطبق مقولة نانسي عجرم شخبط شخابيط على جدران المنزل، ربما يكون الموضوع الذي كتبته حزين بالنسبة لك لكن لا تستطيع ان تنكر ان هذه الذكريات والاحداث التي عشتها تشكل جزءا كبيرا من شخصيتك ومن اطارك المرجعي في الحياه وفي النهاية هذه الذكريات نعيش لنرويه000 وشكرا على مدونتك الرائعة

محمد العرسان | 18/01/2008, 20:20 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba