كنت قطعت عهدا على نفسي أن لا اكتب في السياسة مطلقا، لكن ما يحدث في غزة ليس مجرد سياسة إنها مأساة عصر...
هل يدرك البعض منا معنى أن تكون محاصرا، معنى أن لا تجد ماء ساخنا لتصنع منه "رضعة" حليب لطفلك المولود حديثا؟.
عندما كنت اقطن دمشق نهاية عام 1986، كان عمر ابنتي "ريمي" أشهرا فقط.
كان الرئيس السوري السابق حافظ الأسد قد وضع برنامج تقشف كبير وغير معلن. وكانت سوريا تمر بأزمة اقتصادية خانقة ترافقت مع "حصار غير معلن" من دول كبرى.
كانت خطة الأسد تقضي بتوفير التمويل اللازم للنهوض بالقطاع الزراعي وهو قد نجح في ذلك وجعل من سوريا البلد الزراعي الأول في المنطقة مع اكتفاء ذاتي في كل المنتوجات الزراعية.
لكن خطة الاسد كان لها تأثيرات سلبية كبيرة على المواطن في حينه.
لم نكن نجد في أسواق دمشق لا حليب ولا زيت ولا سكر ولا رز ولا اغلب المواد الغذائية الرئيسية ولا فوط ولا محارم، خاصة لمن لا يملكون بطاقة تموينية، اما من يملكونها فكان عليهم الانتظار في طوابير طويلة امام هذا المجمع التابع للدولة او ذاك بحسب توفر المادة هنا او هناك.
كانت الكهرباء تنقطع عدة ساعات في اليوم ضمن برنامج تقنين صارم. إلا انها كانت تنقطع عندنا، كما في اغلب المناطق، وخاصة الفقيرة منها عدة أيام، لأن التعدي على شبكة الكهرباء أصبح عادة وسلوك يومي للناس، فترى الناس وهي تمتلك أكثر من سلك كهربائي موصول بهذا العمود أو ذاك، أيهما يسري فيه التيار.
كان علينا الانتظار في طوابير طويلة للحصول على ربطة خبز أو اسطوانة غاز أو لتر كاز أو مازوت، هذا إن لم نتعرض للدفش والضرب والطرد من الدور من قبل رجل مخابرات أو حزبي أو أي مدعي.
من كان يملك المال كان يشتري ربطة الخبز من "السوق السودا" أو من سوق التهريب في المخيم، حيث كان يصل سعر الربطة إلى نحو 50 ليرة بينما لا يزيد سعرها في المخابز على عشر ليرات.
وكان الخبز يهرب من لبنان بكثرة كما كانت اغلب المواد الغذائية كذلك، لكنها كانت تباع بأسعار مضاعفة عن سعر السوق العادي.
وصار منظر الناس وهي تتراكض خلف "طمبر" المازوت حاملة "جالون" بلاستيكي"، او وهي تركض خلف "طمبر" الغاز حاملة الاسطوانة الفارغة مشهدا مألوفا، وليس مشهدا سينمائيا سرياليا...
المهم...
بدأنا نشتري لريم "فوط" قماش من سوق "البزورية" ونغليها ثم نغسلها بسبب عدم توفر الفوط الصناعية مثل "البابمبرز"، لكن انقطاع الكهرباء والكاز والغاز جعل الأمر صعبا لدرجة كبيرة. فصرت استعين بكل قادم من عمان ارجوه أن يطلب من أهلي هنا أن يرسلوا لي فوطا وحليبا ومواد غذائية. وقد قاموا أكثر من مرة بإرسال هذه الأشياء، وكان أهل "هيفاء"، ام ريمي، يؤمنون لنا "مونة" من زيت الزيتون والزيتون والعدس والبرغل وغيرها، وهو ما كان يعيننا بعض الشيء على تجاوز آثار "الحصار".
وكان ذات يوم أننا استيقظنا بدون أي نوع من المحروقات في البيت، وكان علينا ان نعد وجبة حليب لريمي، يعني "رضعة". ولكن الأمر كان مستحيلا بدون أي نوع من الوقود.
لجأت إلى جاري "أبو العون" وهو عجوز بدوي طاعن في السن، كان يعيش وحيدا في غرفة "حقيرة" أمام بيتي في "حي التقدم" المحاذي لمخيم اليرموك.
كان "أبو العون" يعد كل يوم "ركوات" قهوة عربية "سادة" يقوم ببيعها على زوار مقبرة "الشهداء" في المخيم، يتكسب من هذه المهنة ويعيش عليها.
كان "أبو العون" يغلي قهوته على حطب أو بقايا خشب يجمعها من الطرقات ويوقدها أمام غرفته "الحقيرة" التي استحال لون جدرانها وسقفها إلى الأسود لكثرة الدخان المتطاير من موقده أو "كانون" ناره.
ولمّا لم تكن نار "أبو العون" موقدة دائما ، فلذلك كان عليّ استغلال أوقات محددة، فاشتريت "تيرموس" لوضع الماء المغلي فيها لاستخدامه عند الحاجة، عندما تعز نار جاري.
وطبعا، قبل ذلك كنا انتقلنا من الطهي على الغاز إلى شراء بابور كاز ثم شراء "بابور غاز" صغير لأن تعبئة بابور الغاز كانت متاحة أكثر من شراء جرة غاز لأنها كانت اربح لأصحاب محال بيع الغاز ووافر للناس وتوفيرها اقل عناء.
الآن وأنا اروي هذه الذكريات، أتذكر كم كان الأمر مكلفا بالمعنى النفسي، أولا، عندما لا تجد في بيتك ما يسد رمق طفلك. كل هذا ونحن كنا نعيش في بلد كبير مثل سوريا لم تكن كل المنافذ مغلقة أمامه. بل كانت طرق التهريب مفتوحة لمن يملك المال، على الأقل.
ولن أتحدث عن المال الذي يصبح مطلوبا أكثر نظرا لاستشراء الغلاء والجشع وتجار الحروب والمآسي والتهريب والسياسة، ولا عن الوقت والجهد الضائع والركض ليل نهار للبحث عن ربطة خبز أو كيس حليب، وعناء السؤال عن توفر هذه المادة أو تلك في هذا المكان أو ذاك والركض خلفها من مجمع تجاري إلى آخر.
كيف والحال مع غزة...؟
في صيف عام 1982 كنت من ضمن المحاصرين في بيروت من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. وكانت مساحة المدينة تقلصت إلى اقل من ثمان كيلومترات مربعة.
لا كهرباء، لا ماء صالح للشرب ولا للغسل، لا طعام، لا مواد غذائية من أي نوع، وقصف بري وبحري وجوي متواصل ليل نهار لا ينقطع إلا لساعات محددة. وجمهور عربي مشغول بمتابعة كأس العالم.
في بيروت كان وقع الحصار على نفسي اقل وطأة من وقع أزمة دمشق. فقد كنت في الحصار عازبا: لا أطفال ولا أهل ولا من أخشى عليهم...
لكن، الأمر كان في بيروت لعبة انتظار لعبة تكون فيها أشبه ما تكون بـ"رجل ميت يمشي"، حيث لا أمل ولا حياة ولا أي شيء سوى الانتظار...
"الحصارُ هُوَ الانتظار
هُوَ الانتظارُ علي سُلَّمٍ مائلٍ وَسَطَ العاصفةْ
وَحيدونَ، نحن وحيدون حتى الثُمالةِ
لولا زياراتُ قَوْسِ قُزَحْ
لنا أخوة خلف هذا المدى.
أخوة طيّبون. يُحبُّوننا. ينظرون إلينا ويبكون.
ثم يقولون في سرِّهم:
ليت هذا الحصارَ هنا علنيٌّ.. ولا يكملون العبارةَ:
لا تتركونا وحيدين، لا تتركونا.
خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ.
وعَشْرَةُ جرحي.
وعشرون بيتاً.
وخمسون زيتونةً..."، حالة حصار، محمود درويش...
جميل جدا يا صديقي ان لديك فتاة ، كنت اشعر من مقالاتك الاخيرة انك وحيد..سعدت بذكرياتك لذلك وحزنت لحزنك..
صديق | 02/12/2008, 17:40
لطالما القى الفلسطينيون اللوم على غيرهم سواء عرب ام اجانب اذا ما اصابتهم مصيبة ما.. لكن هذه المرة بيدي لا بيد عمّر .. لقد خرب الفلسطينيون قضيتهم بايديهم .. حماس والسلطة على نفس القدر من المسؤولية فيما وصل اليه الحال في غزة و لا أحد غيرهما
رنا/ابو ظبي | 02/12/2008, 17:58
Well this is the first time i know that i used to live like this,i knew it was hard but not like this way, i had a tear on eye cuz i could feel ur pain that days ..but this explain why i am so modest :D
reemi | 02/12/2008, 20:34
هل هذا الرد الاخير من ريمي ابنتك رعاها الله؟
الرد الاخير | 02/12/2008, 21:10
Fortunately, yes i am
:)
reemi | 02/12/2008, 22:24
نيالك
!
صديق | 03/12/2008, 07:09
مشكلتك انك بتحكي عن غزة كأنك ما لك أي علاقة بها
محاصر | 03/12/2008, 11:52
مشكلتك انك
أبو عرب | 03/12/2008, 14:05
على حساب انت اسمك معروف ولا تختبئ وراء اسم اخر مثل اسم ابو عرب
استحي على نفسك شوي
محاصر | 03/12/2008, 14:33
اخ محاصر هذا الرد ثق انه ليس مني وكنت افكر بشطبه حقا...
محمد عمر | 03/12/2008, 14:34
اذا هيك أنا آسف وأرجو أن تقبل إعتذاري
محاصر | 03/12/2008, 14:38
لا عليك يا صديقي..
واتمنى من الاخ صاحب التعليق "ابو عرب" الاعتذار"...
محمد عمر | 03/12/2008, 14:39
أخي محمد
في تعليقي الاول وعندما قرأت مقالتك حقا هذا ما شعرت به
محاصر | 03/12/2008, 14:40
اللهم صبر أبناء غزة، وارحم أهلها.
أكثر شيء مزعج إنك شايف بعيونك ونفسك تعمل أي شي بطلع بإيدك، بس شو؟ حدا عندو حل؟
هيثم السليمان | 02/12/2008, 17:40 [ الرد ]