فلت وزيت سمك...!
28 كانون اول, 2008

كان الجو صيفيا حارا، وقفنا في الطابور الصباحي حليقي الرؤوس ننتظر ان يأتينا الدور بالرش بـ"الفلت".

 لم تكن أمهاتنا قادرات على مكافحة القمل والسيبان بالطريقة التقليدية حيث يضعن رؤوسنا على أرجلهن ويبدأن بعملية "تفليّة" القمل، وكلما وجدن قملة قصعنها فيخرج لها صوتا مثل قرقعة خفيفة. ولم يكن الكاز، الذي كان أهلنا يستخدمونه لغسيل رؤوسنا لمكافحة القمل يكفي لعملية الإبادة الجماعية لهذا المخلوق الثقيل الذي كان يجعلنا نمضي يومنا واغلب ليلنا نهرش رؤوسنا الصلعاء.

فكانت عادة "حكمة الوكالة"، أي العيادة الصحية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أن تقوم دوريا برش رؤوسنا بمبيد "الفلت" الأبيض لمكافحة القمل والسيبان الذي كان سهل الانتشار بيننا نظرا لقلة النظافة واكتظاظ الصفوف المدرسية.

كان "آذن" المدرسة، ببدلته "السفاري" الزرقاء وحطته الأبيض والأسود يرافق أبو فؤاد عامل "الحكمة" يطوفون على الطابور بسطل حديدي مملوء بالمبيد الأبيض.

يحمل "الآذن" السطل ويمد أبو فؤاد كفه يغرف من المبيد ويعفر رؤوسنا الحليقة بعشوائية، ينتشر المبيد الأبيض على رؤوسنا ويهبط على وجوهنا وملابسنا، فنغدو مثل قبيلة من سكان استراليا الأصليين مطليين بالأبيض لمكافحة سحر الأرواح الشريرة.

لم نكن نقدر أحيانا على فتح عيوننا بسبب "الفلت" وكان "مربونا الأفاضل" يمنعوننا من إزالة "الفلت" عن رؤوسنا طيلة وقت الدوام حتى يعمل المبيد عمله في إبادة القمل والسيبان.

لم تكن حفلة رش "الفلت" الدورية تفرق بين النظيف فينا أو المصاب بداء القمل. كان الجميع يخضع لعملية الرش، وحدهم أبناء المدرسين أو مدراء المدرسة من كانوا يستطيعون الهرب من هذا "العقاب الجماعي" المسمى "علاجا وقائيا".

كانت حفلة الرش تنتهي لتبدأ عملية تغذيتنا بالحليب. لم نكن نحب "حليب الوكالة" فقد كان طعمه لا يطاق. اعتقد انه كان حليبا مصنوعا من "فول الصويا" او شيء ما ولكن ليس حليبا بقريا.

كان ابو فؤاد يحضر الحليب في براميل ألمنيوم من "مطعم الوكالة"، الواقع في بداية المخيم، على عربة يجرها بغل، ينزل البراميل بالقرب من "الحنفيات" المعطلة دوما، ويبدأ عمليه التوزيع.

كنا نخرج كل صف في طابور، نقف أمام أبو فؤاد نحمل طاسة صغيرة من الألمنيوم، نمدها أمامه فيغرف بطاسة من البرميل كمية من الحليب ويسكبها في طاستنا.

كنا نحاول التظاهر بشرب الحليب، نتلصص على مدرسينا، فان كانوا غافلين عنا دلقنا الحليب سيء الطعم في مجرى "الحنفيات"، أما من كان يتم ضبطه بدلق الحليب فقد كان يخضع لحفلة تعذيب كبيرة بسبب انه مهمل في تغذية نفسه بالحليب المغذي.

كانت "حكمة الوكالة"، المسؤولة عن تغذيتنا، توزع علينا في ايام اخر "زيت السمك"، كان يطوف "آذن" المدرسة، الحارس، على الصفوف يحمل علبة صفراء اللون مليئة بهذه الحبوب الذهبية ويعطي كل طفل منا حبة واحده، أما أضعفنا وزنا، فقد كان يجبر على تناول حبتين. كان الآذن أما يعطينا الحبوب وإما يضعها في فمنا مباشرة كخوري في "مناولة الكنيسة"، وكان يستخدم يديه بدون أي قفازات أو ما شابه.

كان مربي الصف يراقب حركتنا، فقد كنا نكره زيت السمك هذا، فإذا لاحظ الأستاذ أن أي منا بصق الحبة او لم يبلعها ناله ما ناله من الضرب.

كان "آذن" المدرسة، يعرف الطلبة المشاغبين، الذين كانوا يبصقون الحبة، وكنت واحدا منهن. كان يجبرنا أن نأكلها وليس فقط ان نزدردها. كان يضع الحبة في فمي ويقول لي :" أقرشها. ويتبع ذلك بشتيمة من نوع :" شحاد ومشارط".

كان طعم هذه الحبوب لا يطاق. ولم نكن نعرف السمك اصلا، هذا المخلوق العجيب، فكل صلتنا به كانت عبر "الفسيخ" المملح، الذي لم نكن نطيق رائحته عندما يقوم اهلنا بقليه اول ايام عيد الفطر بعد صيام رمضان.

لم اكن ادري ما هي الحكمة من قلي الفسيخ في اول ايام العيد السعيد حيث من المفروض ان يكون كل شيء نظيفا وانيقا وذو رائحة عطرية. لكن قلي الفسيخ كان يملأ البيت بل وكل المخيم برائحة زنخة..

عندي اجتماع الآن للتحضير لورشة تدريب ودراسة، أكمل لاحقا....

تعليقات

Comment Icon

مش كتير بتفرق هاي الايام ابو عمر ..
واعتقد انو الفسيخ بنعمل يوم العيد عشان تعوض الأملاح الي فقدت برمضان .. ومش عارف يمكن غلط ..

خالد السعود | 28/12/2008, 15:30 [ الرد ]

Comment Icon

نحن كنا أكثر حظا في مدارس الكويت في السبعينات، كانوا في الكانتين يوفرون الكتكات و اللبن المخيض و التوست بالجبنة المثلثة أو البيض و الشاي بالحليب في الصيف و شوربة العدس في الشتاء.

الحق المر | 30/12/2008, 06:55 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba