أسرار الآلهة...!
17 آذار, 2009

 كانت أمي، مريم، رحمها الله، تردد مثلا لم افهم معنى كلماته تماما وإن كنت فهمت ما هو المقصود منه.

كان المثل التي اعتادت "مريم" على ترديده يقول :" زي  اللي حاشر على الفار بالدقران"، لم  أكن افهم معنى كلمة "الدقران"، وان كنت أخمنها أحيانا...

لكني كنت افهم المقصود، فهي كانت تقوله كلما "سرقت" من خزانتها حبة شوكلاته من "باكيت شوكلاطة سيلفانا"، الذي كان شائعا وقتذاك.

كانت هذه "الشوكلاطة" تصنع في "رام الله"، بالضفة الغربية، وكانت الناس تتهادى هذا الصنف في المناسبات جميعها، وكان هو الصنف الوحيد من أنواع الشوكلاطة المتوفرة في الأسواق آنذاك، على الأقل للفقراء.

كلما كان يأتينا ضيفا بهدية "السيلفانا" تسارع أمي الى اخفاء الباكيت لاعادة اهدائها الى اخرين...

كانت أمي تخفي هذه الهدايا في خزانة خشبية بسيطة. صنعتها من صندوق ذخيرة لا ادري من أين أتت به.

كان قفل "الخزانة" رخوا. فكنت أتغلب عليه بسهولة. اخرج باكيت الشوكلاطة. أمزع غلاف النايلون برقة من عند احد حواف العلبة بشفرة وادخل أصبعا أو إصبعين واسحب حبة. ثم أعود واسحب غيرها حتى تفرغ العلبة دون أن تدري أمي لأنها كانت كلما نظرت الى العلبة تجدها مكانها كما هي دون ضرر. وعندما كانت تتهيأ لزيارة والدة أو عروس او مريض تفاجأ بأن العلبة فارغة او شبه.

عندما كانت "مريم" تكتشف ان "باكيت السيلفانا" فارغ تماما، ينفتح "صندوق بانادورا" شرها، وتثور وتبدأ بالتحقيق وكنت المتهم دوما، ثم تنظر الى صندوقها وتقول :" زي الي حاشر على الفار بالدقران"، وكانت "مريم" تصب جام غضبها على الصندوق والقفل، أيضا، لأنها كانت تعتبره "المسوؤل" عن ضياع ثروتها من "السيلفانا".

 كنت افهم ان المثل يعني ان الصندوق غير محكم الإغلاق وبالإمكان فتحه بسهولة وإخراج ما فيه...

تذكرت مثل أمي لأنني اقرأ كل يوم أخبارا تثير الضحك...

دائرة المطبوعات والنشر عندنا، مثلا، لا تزال تحشر على الفار بالدقران، فهي تقوم بمنع الكتب في عالم تحول إلى قرية صغيرة.

الحكومة عندما تعتقد أنها تخفي "أسرارا" في عصر لم تعد فيه غرف نوم الناس محصنة على الإعلام...

لكن اكثر ما يثير الضحك ان تتعامل "أحزاب" و "حركات" تعتبر نفسها "اجتماعية" او "جماهيرية" مع نفسها بوصفها حركات "مسارّرية" في زمن العلنية والشفافية وتعتبر ان خبر استقالة احد أعضائها سرا من أسرار الآلهة...

المشكلة، ان هذه الأحزاب، التي تعتبر نفسها جماهيريه وشفافة، تخفي على هذه الجماهير ابسط الإخبار، وإذا ما "تسرب" سرا من هذه الإسرار، لا تحاول هذه الأحزاب تعديل برامجها ومراجعة أساليب عملها، ونمطها "السري"، المكشوف للكل، وطرق تفكيرها، او التعامل مع الخبر بوصفه خبرا يهم الناس، ولا تقوم بتوضيح الخبر، بل تذهب إلى التهديد والوعيد بـ "عقد محكمة حزبية لمن سرب الخبر" وكذلك مهاجمة المواقع أو وسائل الإعلام التي "تداولت" الخبر...

ما علينا...

عندما كنت حزبيا، وكنت عضوا في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، كانت أخبار اجتماعات الهيئات القيادية لهذا التنظيم، المكتب السياسي و اللجنة المركزية، تتسرب الى الشارع بعد خمس دقائق فقط من انفراط عقد الاجتماع. وكان الكثيرون منا يعرفون مئات الأسرار عن التنظيم والاجتماعات، إما من أجهزة المخابرات عندما نستدعى للتحقيق فيها، وإما من وسائل الإعلام وإما من "أصدقاء" التنظيم المقربين من هذا القائد أو ذاك...

كانت "الهيئات القيادية" تكتفي بإصدار "تعميم" بعد اجتماعاتها، لا يقول شيئا وتوزعه على بعض المراتب الحزبية وليس كلها حفاظا على "السرية"...والحال، كما تقول أمي :"سرّي مرّي"...

كان بيننا "رفاق" متخصصون في كشف المحجوب، وتبيان أسرار "مجمعات الكرادلة"...

كان "الرفيق أبو السعيد" مولعا بالنميمة والثرثرة ومعرفة آخر الأخبار والقرارات، كانت هواية بالنسبة له. كأن قرارات "مجمعات الكرادلة" هذه سوف تغيّر وجه التاريخ...

كلما كان يعقد اجتماعا لأحد "مجمعات الكرادلةالمكتب السياسي أو اللجنة المركزية، كان  "أبو السعيد" يطلب من "أم السعيد" الماهرة في الطبخ إعداد وجبة "ملوخية دسمة" وكان يعرف ان عددا من "الكرادلة" يعشقون هذه الأكلة..

وفيما كان "ابو السعيد" ينتظر انتهاء اجتماع "الكرادلة" تغرق "أم السعيد" في تلقيط وفرم عشرات الكيلو غرامات من عيدان الملوخية بمساعدة نساء رفاق آخرين أو الجارات...

عندما ينتهي الاجتماع يقترب "أبو السعيد" من "الأبوات الكرادلة": أبو الطيب؛ ابو جابر؛ أبو علي؛ أبو عصام؛ أبو الجماجم؛ أبو الغضب...الخ ويدعوهم إلى: "طبخة ملوخية من تحت ايدين عمتك أم السعيد، من اللي بحبها قلبك، بتوكل أصابع ايديك وراها"...

تنتهي العزومة وتفرغ طناجر "أم السعيد" من الملوخية في الوقت الذي يفرغ فيه "الأبوات" المدعوين ما في جعبتهم من أسرار الآلهة...

يتمدد "أبو السعيد" سعيدا باطلاعه على هذه الأسرار، ويأخذ قيلولة بعد الظهر قبل ان يخرج في ساعات المساء طائفاً بمنازل "الرفاق"، فرحا بما عنده...

يبدأ "أبو السعيد" حديثه :عرفتو شو صار اليوم في اجتماع المكتب السياسي..

يتنقل "أبو السعيد" من بيت إلى بيت كاشفا الحجب وهاتكا الأسرار، وكلما كان ينتهي من وشوشة سر يقول :" بس لا تجيبوا سيرة"...!

في اليوم التالي تصبح قرارات المكتب السياسي أو اللجنة المركزية ملقاة على قارعة الطريق أكثر من معاني عمرو بن بحر الجاحظ...!

تصل أخبار "التسريب" إلى الأمين العام للجبهة الذي كان كالزوج المخدوع: آخر من يعلم...!

يعقد "المكتب السياسي" اجتماعا لبحث "التسريب". يتداول الأمر ويخرج بـ"تعميم" جديد يوزع على الأعضاء. يؤكد فيه "المكتب السياسي"، على "محاربة مرض الثرثرة والليبرالية المنحرفة والشللية"، ويهدد بـ"محاسبة كل من يثبت تورطه في تسريب أسرار الحزب"، ويشدد على أهمية "بناء الحزب الجديد، القائم على مبادئ الماركسية اللينينية في المركزية الديمقراطية، وضرورة خضوع الهيئات الدنيا للهيئات العليا، وصيانة النظام الداخلي للحزب الذي أثبتت الأحداث صحته، ومحاربة صيغ "بليخانوف" المتهتكة في بناء التنظيم والتأكيد على صيغة الرفيق لينين في البناء الحزبي، ووجوب التذكير بأننا نواجه معسكر أعداء شديد البأس يتربص بنا. والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار"...

على ان الاجتماعات تتكرر، وتتكرر معها طبخة ملوخية "ام السعيد"، ويتكرر "التعميم الحزبي"، ومحاربة ظاهرة الثرثرة والليبرالية المنحرفة إلى ما يشاء الله...

ويبقى "الحزب" حاشرا على الفأر بـ"دقران" "النظام الداخلي" المقدس والمتخلف في آن غير القادر على مواكبة العصر الشفاف الذي نعيش وحاجة الناس، وليس فضولها فقط، للمعرفة...

يضمحل "الحزب" ويفقد تأثيره في الناس، ومع ذلك تبقى "الاحداث والتاريخ شاهدا على صحة موقفه ونهجه وخطه ونطامه الداخلي" كما تكرر اللازمة التي يبدأ فيها "التعميم" الحزبي الهابط من علياء القيادات العليا، حاملة مشكاة النور والحقيقة المطلقة، والمؤتمنة على اسرار الآلهة ونبؤات "عرافة دلفي"،،،

تعليقات

Comment Icon

يا سيد الكلمات من أين تأتي بالفصاحة كلها؟

هبة | 17/03/2009, 11:11 [ الرد ]

Comment Icon

http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=print&sid=47882

اقرا جواب السؤال الرابع في الحوار مع الكاتب زهدي الداوودي الذي اكتشف (بالصدفة) قيام دائرة المطبوعات الاردنية بمنع روايتين له مؤخرا

ندى | 17/03/2009, 11:14 [ الرد ]

Comment Icon

عطفا على تعليقي اعلاه/ هذا هو السؤال والاجابة.

يلاحظ المتتبع ان للصور والمشاهد المكثفة والتفصيلية حضورها المتوتر في تفاصيل حركة أبطالك الروائية والقصصية، ذلك الرصد فضلالما يدور خلف الأسوار والكواليس للنفس الحبيسة. فبماذ تفسر وجود تلك المشاهد الإيروتيكية في شخصيات روايتك (زمن الهروب – أطول عام – تحولات)..

ــ إن أبطال وشخوص رواياتي وقصصي هم أصدقائي اولا، سواء أكانوا طيبين أم أشرار، تعرفت عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر. وتعرفت على قسم منهم في أحلامي وتصوراتي وخيالي. وهؤلاء لهم طبائع وأمزجة مختلفة وعادات وتقاليد خاصة بهم، ينحدرون من مختلف الأجيال والطبقات والفئات الإجتماعية. إنني لا أنتقيهم كما أشاء، بل أنهم هم الذين يقفزون على خشبة المسرح المنتصبة في وعاء ذاكرتي حسب تدفق الأحداث. وحين يفرضون علي الكتابة عنهم، أقول يفرضون لأنهم هم الذين يقررون متى أبدأ بعملية الكتابة ولست أنا، أزحف وأتسلل إلى دواخلهم لأرى الأشياء بعيونهم وأسمع بآذانهم وأتذوق بلسانهم وأتحسس بأحاسيسهم. أحاول بكل إمكاناتي أن لا أتدخل في شؤونهم. ولما كان التوتر أو الحاجة الايروتيكية جزءا لا يتجزأ من مزاج الانسان الطبيعي، لذا لا أتمكن من القفز العشوائي فوقه. إن عملية الكتابة بحد ذاتها استفزاز، قد يرتاح إليه القارئ أو لا يرتاح. وبالمناسبة منعت كل من الروايتين ( أطول عام ) و ( زمن الهروب ) من التداول في الأردن، دون أن أعرف السبب، وقد أعلمتني بذلك السيدة عبير هشام أبو طوق عضو هيئة تحرير مجلة (ع) الجريئة التي فضحت المسألة. وقبل فترة قصيرة علمت من الصديق الكاتب زهير كاظم عبود بأن كتابه “ طاؤوس ملك، رئيس الملائكة عند الأيزيدية “ قد منع من التداول في الأردن أيضا.

نقلا عن موقع

http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=print&sid=47882

وكذلك موقع

http://www.iraqcp.org/Articlesokicpnet/view.php?id=16927

ندى | 17/03/2009, 12:15 [ الرد ]

Comment Icon

كنت متأكدة رح تكتب عن الانكار والمحاكمة للمجرم الأكبر

بس بصراحة مسلي لأنه بالأصل ما في حزب مشان يكون أصول حزبية وعلى أي أساس مين بيحاكم مين

متابعة | 17/03/2009, 12:05 [ الرد ]

Comment Icon

تحياتي ..
كيفك ؟ شو الأخبار؟
أعتقد أنو المثل مناسب للحال وبدقة ..

خالد السعود | 17/03/2009, 19:26 [ الرد ]

Comment Icon

قياداتنا ضعيفة امام الملوخية لهدة الدرجة ونحن نستغرب من الاختراق الاستخباراتي لدولنا

شخص | 17/03/2009, 19:45 [ الرد ]

Comment Icon

وهنا في ليبيا تم السماح للصحف الاجنبية والعربية بالدخول الي ليبيا لاول مرة مند 24 سنةفعلا العالم اصبح قرية صغيرة

شخص | 17/03/2009, 19:50 [ الرد ]

Comment Icon

فعلاً التاريخ بيعيد نفسه بس بأشكال مختلفة، زمان كانت الاسرار المهمة هي اسرار التنظيمات و الاحزاب و هسة الاسرار المهمة هي اسرار الشركات ! يعني اذا الواحد بدو يعرف سر موجود بشركته بس ما عليه غير يعزم ناس من شركة ثانية على فنجان قهوة و بيعرف منهم كل شي عن شركته!!

محمد | 18/03/2009, 00:46 [ الرد ]

Comment Icon

شو قصتك انت حابب توفر علي عزيمة يعني ولا شو تعال نعطيها مشاوي و وفودكا وسبرايت بالابروج

المخيمجي | 18/03/2009, 00:58 [ الرد ]

Comment Icon

ههههههههههه سيلفانا امي كانت تحطها هي والناشد اخوان فوق الخزانه بمكان شري مع انه طعمها بقرف

المخيمجي | 18/03/2009, 01:00 [ الرد ]

Comment Icon

اشكركم جميعا
اخ مخيمجي لا زلت في انتظار العزومة...!

محمد عمر | 18/03/2009, 16:14 [ الرد ]

Comment Icon

الا تخشى يا رفيقي ابو زهدي ان يتم تحويلك الى محاكمة حزبية با ثر رجعي 0

اسحق سليم | 17/07/2009, 18:48 [ الرد ]

Comment Icon

والله انا بصراحة اول مرة بفرأهاي كنت حزبيا بس للامانه عندك حس لتسليه الاخر تحسد عليه وبشرفي بحكي جد خاصة في اسلوب السرد السلس
المهم يعني هو القصة نفسها يعني اذا اعطيت لاخوي الصغير حبة سلفانا او ورقة تعتبر خطير وكلتله خبيهن عشان القرود الزرق ما يوصلولهن بالتاكيد بدو يخبيهن بنفس المكان وبالتاكيد اذا اجى واحد اعطاه ربع ليره بدو يعطيه الثنتين مش وحده لانه مش فارق عند دينه اشي
المهم بنرجع لقصة الزوج المخدوع مهو يا صاحبي اي والله في نسوان يعني لا زوج ولا قيم ولا ربنا بقدر عليهن يعني شو ما حاول الزوج المخدوع يقنع هالمرة انه ادير بالها علبيت وعلى حالها و على الاولاد وتهتم فيه وما تتطلع لبره استحالة مش رح يزبط معها فالقصة يا صاحبي مش بالزوج المخدوع هو ممكن يكون درس الفلسفة ودرس تطور التاريخ وهالنظريات اللي بالكتب الحمر والخضر والبنفتحي بس انا متاكد انه مش دارس كيف يتعامل مع عقول بكره رح تشبه العلاقة الزوجية بعلاقة شاذه مثلا
ودرس تناقض الاضاد بس والله الله ما فهمه تناقض هالعقول ولا تناقض هالنفسيات اللي صارت على التقاعد وبعدها بتكابر مهي اصلا من زمان عالتقاعد بس جوزها بحب يدللها شوي على امل انه ممكن تنتج في المستقبل
وعلى امل انه عند اول اكله ملوخية ما تكر اللي صار بس هو على كل حال المشكلة وشرفي لو ما في تناقض بكل ثانية بالتفكير كان ما صار هالتاريخ وصلة جريدة تاليك تهتك عرضي فيها

الجمزاوي | 16/09/2009, 19:03 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba