Where there is NO vision...!
29 حزيران, 2009

اعتدت، مثل كثيرين غيري ومثلي، أن أحفظ واردد عبارات كالبغبغاء، بعضها قد يكون فارغا بلا معنى، وبعضها قد يكون له معنى، لكنها في كل الأحوال ليست حجة أو برهان على واقع، إنما هي ثقافة نصيّة، لا أكثر...

اقصد بالثقافة النصيّة هنا، هو إحلال الكلام محل الواقع، أو الاكتفاء بالبرهنة على صدق تحليل الواقع بالاقتباس من نصوص مكتوبة، ورفع النص إلى مصاف القدسية.

 مثلا، عندما كنت حزبيا، كان يكفيني أن ادلل على إيماني بجدوى العنف أو الكفاح المسلح بعبارة جوفاء من الرفيق فلاديمير ايليتش لينين تقول: العنف قابلة التاريخ. أو، أن اكتفي بعبارته: "أعطني منظمة حزبية وأنا اقلب لك عموم روسيا." للتدليل على قوة الحزبية والأحزاب.

هذه الثقافة النصيّة، هي ميزة خاصة بـ"العقل العربي"، كما يقول محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي". وهي خاصية يتشارك فيها كل عربي، مسلما كان، أم، علمانيا، سيان، كلنا في الهوا سوا...

فالمتدين عندما يريد أن يبرهن لك على صحة وجهة نظره ويقنعك فيها ويفحمك ويخرسك بروح بطرقك آية قرآنية، بغض النظر عن تأويلها وأسباب نزولها، أو بشفك حديث نبوي، أو، حديث عن خليفة، أو فعل قام به صحابي، بغض النظر عن صحة الواقعة تاريخيا، ودلالتها المتعددة وظروفها التاريخية...

ما علينا...

من العبارات، الجميلة لغويا، أحفظ عبارة، صارت ممجوجة من كثرة تردادها على كل لسان.

العبارة وردت في كتاب المتصوف الإسلامي، النفري، المواقف والمخاطبات، وتقول: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"...

طيب،

شو لو ضاقت الرؤية حتى غابت، شو بصير...

طيب...

أمس كنت اختم قراءة كتاب "رجل في الظلال"، لمؤلفة افرايم هالفي، مدير سابق لجهاز الاستخبارات والمهمات الخاصة الإسرائيلي، الموساد، لمدة أربع سنوات ونصف 1998-2002.

الكتاب ممنوع في الاردن، شكله حكاية المنع صارت عادة، لكني حصلت عليه من زميلي وصديقي "محمد"...

المهم...

هالفي هذا، عمل في الموساد لمدة 40 عاما، وقد قدم استقالته على اثر اتفاقية "وداي عربة" مع الاردن بعد ان انكشف دوره في الاتصالات السرية، او هكذا يقول. وعين سفيرا لاسرائيل لدى الاتحاد الاوروبي في بروكسل.

هذا الاسرائيلي، الجاسوس، يحاول في كتابة ان يعطي دروسا للاوروبيين في كيفية التعامل الانساني مع الجاليات المسلمة، طيب شوف عوجة رقبتك اولاً سيد هالفي...

ما علينا..

لكنه، عاد للعمل في الموساد، مديرا للجهاز عندما استدعاه رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي والسابق بنيامين نتنياهو على اثر محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماسخالد مشعل في عمّان"...

قبل أن "يجبره" نتنياهو على العودة للعمل على رأس جهاز الموساد، كان استدعي على عجل من بروكسل لمعالجة الأزمة التي تسبب فيها الموساد مع الأردن بسبب محاولة اغتيال مشعل.

ويدعي هالفي بأنه هو من اقترح على إسرائيل الإفراج عن المرحوم الشيخ احمد ياسين، الأب الروحي ومرشد حركة حماس، مقابل الإفراج عن عملاء الموساد الاثنين الذين اعتقلا اثر العملية، والعملاء الأربعة الذين لجاءوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية في الرابية بعد إحباط عملية الاغتيال.

يبرر هالفي استدعائه لمعالجة ملف الأزمة، ومشاركته في كل عملية المفاوضات "السرية" مع الأردن بأنه كان "الأقرب" للملك المرحوم الحسين، وانه خلال عقود من الاتصالات السرية استطاع ان يكسب ثقة الملك المرحوم وعدد من القيادات الأردنية.

يتحدث هالفي بإسهاب عن دوره "المنفرد" في صياغة "اعلان واشنطن" وتوقيع اتفاقية "وادي عربة"، وحماسه للسلام مع الأردن، والجهود التي بذلها لإقناع رؤسائه وإقناع الخارجية الأميركية. في وقت كان فيه إسحاق رابين، رئيس وزراء إسرائيل السابق، وشمعون بيريز، وزير خارجيته، وواشنطن معنيون بالتوصل الى اتفاقيات مع كل من الفلسطينيين وسوريا، خاصة سوريا التي كانت واشنطن تعتقد ان التوصل إلى سلام معها يعني إحداث تغيير جذري في المنطقة والعالم الإسلامي كله تجاه إسرائيل.

الواقع ان هالفي يخصص صفحات كثيرة للحديث عن الاردن ومحادثات السلام وعلاقاته السرية والعلنية، ورأيه في وجود الاردن واستقراره.

قبل أن أواصل...

من بين الأشياء التي لفتت نظري في الكتاب عبارة استخدمها هالفي بتلاعب، : بدون رؤية، ستنحل الناس  Where There Is No Vision, The People Perish ، وهو نسب العبارة لمنظر "صهيوني تحريفي"، وأنا اعتقد أنها عبارة واردة في "التلمود" اليهودي.

المشكلة ليست هنا...

المشكلة في ان كتاب هالفي، في اغلبه، القسم الكبير منه، عندما يتحدث عن مفاوضات السلام مع العرب، يكشف لنا عن غياب الرؤية العربية عن هذه المفاوضات. وأحيانا كثيرة غياب الرؤية لدى الجانب الإسرائيلي نفسه، واغراق المفاوضات في مسارات متشعبة ومتعددة، علنية وسرية، مفاوضات يجريها هواة سياسة، ومحترفون، وطامحون وخائفون على مناصبهم، وطامعون في نيل الجوائز والثناء والرضا، لكن في كل الأحوال، يشعر قارئ هالفي بان قلة من المفاوضين كانوا جديين الى ابعد مدى، وكانت لديهم حسابات حقيقية لأبعاد السلام وديمومته وواقعيته.

هالفي، مثلا، يهاجم شمعون بيريز بشدة، ولا يتورع عن وصفه بالجهل والانتهازية والكذب والدجل والارتجالية وتلميع النفس وفشله في الاعتماد على طواقم المحترفين للتفاوض، ويؤكد هالفي،مثلا، أن الملك الراحل حسين ما كان يفضل التعامل مع بيريز ولا كان يثق فيه.

لا بل ان رابين كان يخفي الكثير من المعلومات عن شمعون بيريز.

طيب..

لا يستخدم هالفي العبارة في معرض حديثه عن "عملية السلام"، بل في معرض تأكيد مصداقيته خلال ترؤسه الجهاز الأمني، وتعامله مع قضية الجاسوس الإسرائيلي في سويسرا، يقول في عبارته المحورة" بدون مصداقية، سينحل الموساد".، طيب ما رأيك بالأخلاق والعدالة سيد هالفي.

ما علينا مرة اخرى...

ليس هالفي الوحيد الذي تحدث عن "المسخرة" التي كانت تجري تحت مسمى "عملية السلام"، وهو يسميها مسرحية على كل حال، واللاعبون فيها ممثلون. فكل الكتب التي صدرت عنها خاصة من إسرائيليين وأميركيين مثل جلعاد شير، الذي لا يحبه هالفي لدرجة انه لا يتواضع ويذكره بالاسم، او دينيس روس أو شمعون بيريز او غيرهم أظهروا بشكل أو بآخر ان مجمل عملية السلام، وخاصة المفاوضات كانت تجري بدون كثير تدقيق او عناء، وتجترح حلول بدقائق او بـ"المونة" وأحيانا بالتهديد والوعيد والترغيب والمجاملة لذلك لم تصمد أي اتفاقية سلام بجد، أي ان كل اتفاقيات السلام في المنطقة لم تستطع توليد آلية سلمية عامة، وثقافة سلام حقيقية وعلاقات سلام حقيقية، ناهيك عن ان بعضها أصبح حبرا على ورق..

خذ مثلا، "اتفاقية اوسلو" التي ما ان نظر إليها إسحاق رابين حتى وصفها بالجبنة السويسرية، فيها من الثقوب أكثر مما فيها من الجبنة، بحسب هالفي، وانا أؤيده في ذلك، بل أنها جبنة متعفنة ايضا..

طيب...

وحتى في حال امتلاك "رؤية" لدى احد الإطراف فان "العملية" كانت "تخلق حياتها الخاصة"، لكن اسوأ ما في الامر ان تدار المفاوضات من قبل مفاوضين لهم مطامح خاصة بهم، او على عدم قدرة وكفاية وحرفية...

فاصل نرفزة، مش دعاية تجارية..

نفسي مرة وحدة اكتب مدونة او انجز عملا دون ان يقطعني احد بالاتصال على الهاتف الارضي او الخلوي او سؤال او ايميل او رسالة قصيرة...يا رب شو فيها لو بقي العالم كما خبرته قبل نصف قرن بدون كل وسائل الاتصال هذه. والله كان الواحد مرتاح...

ما علينا...

بدأت في الحديث عن الثقافة " النصية"، يعني ثقافة "النص"، ثقافة رفع الكلمات الى مصاف الفعل، او، الاستعاضة بالكلمات عن الأشياء، ثقافة القول، والحكي واللت والعجن، ثقافة اسمع طحنا ولا أرى دقيقاً..

ثقافة "العرب ظاهرة صوتية"، كما اطلق عليهم المفكر عبدالله القصيمي...

يمكن اليوم الوضع صار أسوا، وصار البعض يستخدم الجوال ورسائل الماسج عوضاً عن الاحتكاك الشخصي..

بس ما علينا...

شوي، انتهي الى فكرة، ان بعض العبارات، وان كانت لا تصلح لإحلالها محل الفعل، او لا تكفي كبرهان للتدليل على صحة التحليل، إلا أنها تصلح لوصف واقع..

بس كمان مو هادا اللي بدي احكيه...

بعيدا عن موضوع النظرية والتطبيق، وبعيدا عن الممارسة والفكر، والجوهر والشكل، والمضمون والظاهر، والسبب والمسبب، والسبب والنتيجة، والعلة والمعلول، وما خفي كان أعظم... وأعظم الله أجركم...

قبل، بس زمان، لمّا كنت مضيع عقلي، كنت أحفظ عبارات كثيرة علشان اقنع الناس بصحة وجهة نظري، من نوع:

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، إذاعة صوت العرب، بس مش الظاهرة الصوتية، بل الظاهرة الفوق صوتية يعني الـ Super Sonic. او الـ الترا ساوند...

ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، المرحوم جمال عبد الناصر...

ان حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية، برضك المرحوم عبد الناصر...

بوش يعد للحرب وأنا أعد لما بعد الحرب، من الأقوال المأثورة للقائد صدام حسين.

لا أريد لأحد منكم ان يتستر على العيوب او يسكت على النواقص، الرئيس حافظ الأسد.

الإنسان أغلى ما نملك، الملك المرحوم الحسين بن طلال...

معا وسويا إلى الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، شاء من شاء وأبى من أبى، ويلي مش عاجبه يشرب من بحر غزة، المرحوم ياسر عرفات...

مرة زمان،

لمّا كنت حزبيا، صدف ان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اتخذت موقفا سياسيا مهما شكل علامة فارقة في تاريخها السياسي. لما سألت احد أعضاء المكتب السياسي، أعلى هيئة حزبية، عن مبررات القرار والمعطيات التي استند عليها المكتب السياسي في هذا الموقف فكان رده" والله فلان قال لنا هيك، وعلان نقل لنا كيت، وفلانه حكت لنا كيت وكيت وكيت وكيت". و bla , bla, bla  وهيك جرى وهيك صار.. وتوتة توتة...

يعني كلما ضاقت الرؤية كثر الهرج والمرج والتعاليل، وحكي لتحكلك...

رايح انام

قوم فوت نام .. وصير احلم

أنو بلدنا صارت بلد

قوم فوت نام .. هالأيام

حارة بيسكرها ولد

هاي بلد ؟؟ لأ .. مش بلد

هاي قرطة عالم مجموعين

مجموعين ؟؟ .. لأ

مطروحين ؟؟ .. لأ

مضروبين ؟؟ .. لأ

مقسومين

قوم فوت نام .. وصير احلم

قوم فوت نام

كدوش الفرشة يلا قوام

وتغطى وسمك الحرام

وتمسى بنفس الكلام

تابع برامج بالسكام

كلها أغاني عن الوحدة الوطنية

كلها أماني في المسيرات الأمنية

كلها تهاني في صيغتنا اللبنانية

وقوم فوت نام

ماهو تلات ملايين

عالتخمين

هودي اللي جوة البلد

والباقيين مفروطين

كل شوية في بلد

هاي بلد ؟؟ لأ مش بلد

هاي قرطة عالم مجموعين

مجموعين ؟؟.. لأ

مطروحين ؟؟.. لأ

مضروبين ؟؟.. لأ

مقسومين ؟؟.. لأ

قوم فوت نام .. وصير احلم...

تعليقات

Comment Icon

مساء الخير اضحكني جدا الفاصل الاعلاني الاقوال الماثورة المضجكة المبكية في نفس الوقت كما اسلفت بوش يعد للحرب وأنا أعد لما بعد الحرب، من الأقوال المأثورة للقائد صدام حسين.

وازيدك من الشعر بيت(السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب)لمعمر القدافي

شخص | 29/06/2009, 14:47 [ الرد ]

Comment Icon

محمد عمر
كيف ممكن اقرأ تدوينتك هذه. من فوق لتحت او العكس.

هبة | 29/06/2009, 14:48 [ الرد ]

Comment Icon

الشعـارات .. التنظيـر .. و الأقوال المأثورة .. اللت و العجـن ..
و الجرائد الرسميـة ذات الـ 2 مليون كلمة بـ 25 قرشـا ..

أبو عمر .. نحن كعرب .. هواء أم خواء

فـاخـر النـحـال | 29/06/2009, 15:39 [ الرد ]

Comment Icon

نحنا يا ابني صفينا خارج التاريخ، وفالج لا تعالج...
وشكرا لك ولهبة ولشخص..
ودمتم وعظم الله اجركم

محمد عمر | 29/06/2009, 15:52 [ الرد ]

Comment Icon

شكرا للإعلامي محمد عمر على هذا الكلام الصحيح و الحديث الرزين
كما واث متابعيه وجمهوره على متابعة وكالة الزرقاء نيوز فهي مثل محمد عمر تتابع الهم الوطني الى جانب المسحوقين
http://www.zarqanews.com/

متابع محمد عمر | 29/06/2009, 21:53 [ الرد ]

Comment Icon

انصحك و جميع المعلكين و لميمة الطابات و المؤازرين بتصفح كتاب اسد الاردن (افي شلايم) الله لا يوطرزلك يا باتر كيف قريت الكتاب و بعدك بتفكر على نفس البته. على كل هاليفي باقي غير شكل بحبه للبلد على ما يقول شلايم.

صقر امكيس | 30/06/2009, 00:23 [ الرد ]

Comment Icon

ليش أغلب الثوريين و الحزبيين بعد ما يكبروا شوي وتخف فورتهم أو ينسحبوا بيصيروا يعتبروا هالفترة من حياتهم ( مضيع عقلي )

سارة | 03/07/2009, 12:14 [ الرد ]

Comment Icon

هناك فرق كبير بين ان ينتقد او يراجع الانسان تجربته الشخصية في الحياة وبين ان يندم عليها، او يعتبر انه كان "مضيع عقله".
اذا كان المقصود بـ"مضيع عقله" الندم. انا لست نادما على اي امر فعلته بما في ذلك "ضياع عقلي" ولا زلت على استعداد ان افقده مرات ومرات، لا بل مرات اتصرف بدون عقل وعقلانية.
مع ذلك فالتجربة تستحق ان ينظر اليها الانسان، او الثوري السابق، وينقدها، بيد ان هذا لا يمنع الحنين لمعاودتها، لو عاد بي العمر لما اخترت طريقا غير الذي اختارته لي الحياة خلال رحلة العمر...
لم يكن لي اي خيار فيما حدث، كل ما وقع كان صدفة، لكني لست نادما وان كنت الان احاول تقييم مسيرة حياتي وانتقد نفسي كثيرا فهذا من باب وعي الذات.
اعتقد ان السيد المسيح قال ذات مرة":عندما كنت طفلا كنت افكر كطفل..

محمد عمر | 04/07/2009, 09:04 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba