دويرة الطباشير...!
19 تشرين اول, 2009

 كان آذن مدرستنا الابتدائية في المخيم، نسيت اسمه، مختار قريته ايام البلاد، وقد احتفظ بعد الهجرة ببعض مظاهر الوجاهة المفقودة...

كان يصر على ارتداء الحطة البيضا، التي كان ارتداؤها محصورا بالأعيان والوجهاء، وفي المناسبات، وكان آذن مدرستنا، مدرسة ذكور مخيم عمان الجديد الابتدائية الثانية، يلبس البذلات الفرنجية، التي كان يشتريها مستعملة من سوق البالة، او، يحصل عليها من بقج المؤن أو الهلال الأحمر، فمن أين له أن يشتري بذلة جديدة في ذاك الزمان،،،

وزمان، أيام ما كنت في مدارس الوكالة الابتدائية، كانت رواتب وكالة الغوث اقل كثيرا من رواتب الحكومة،،، اليوم الوضع تشقلب،،،

كان آذن مدرستنا، له سطوة تعادل سطوة المدير، ومستمدة منها أساسا، ومن حرصه على الاحتفاظ بمظاهر الوجاهة وصرامة المخاتير،،،

كان الآذن، يقف ايام الخميس نهاية الدوام، أمام الصفوف، يختار عددا من الطلاب لـ"مساعدته" في تكنيس الصفوف وشطف غرفة المعلمين والمدير،،،

الصحيح ان الآذن لم يكن يقوم بأعمال التنظيف هذه، التي هي من مهماته أساسا،،،

كان يوزع علينا المكانس الخشنة، بعصواتها الطويلة، ويعطي كل أربعة منا مجرود وسطل حديدي،،،

كانت المقاعد الخشبية موزعة داخل الغرف الصفيّة على أربعة صفوف، كنا نجمع مقاعد الصفين الأولين، ونرصهما فوق الصفين الآخرين، ونقوم بعملية التكنيس، ثم نعيد المقاعد لمكانها، ونعود لنقوم بنفس العمل مع الصفين الآخرين،،،

كنا نتعفر بغبار الأرض المكنوسة، وبقايا الطباشير، وكان الغبار أكثر كثافة في أيام الشتاء، بعد أن تجف أكوام الطين، التي كانت تنقلها جزماتنا المطاطية من وحل الأزقة المطينة بستين طينة الى الصفوف...

كنا نجمع الغبار، والطين الجاف، وبقايا الطباشير، أو، أقماع أقلام الرصاص المنتهية، وبعض الأوراق المتناثرة، وقمع سجائر المدرسين، في السطل الحديدي ونرمي بها في براميل الزبالة،،

عندما كنا ننتهي من أعمال التنظيف الشاقة هذه، كنا نكتكت ملابسنا الرثة، ونمسح وجوهنا بشوية ماء نحصل عليها في أبريق وضوء،،،

بعد الانتهاء تماما من هذا الواجب المدرسي، نصطف أمام الآذن، المختار، الذي كان يأتي محملاً بعلبة كرتون مليئة بأصابع الطباشير الملونة، يوزعها علينا، كل واحد طبشورتين،،،

كان توزيع الطباشير على الصفوف واجب يومي صباحي لآذن المدرسة، لذلك، كان يتحكم بكمية الطباشير الموزعة، يقتر في توزيعها على الصفوف ليدخر بعضها لـ"معاونيه" في التكنيس،،،

ما علينا،،،، هو حر،،،

المهم،،،

كنا نأخذ الطباشير فرحين، نركض لنعلب بها لعبة "وقعت الحرب"،،،

كنا نرسم دائرة طباشير، دويرة، على الحيطان، نقسمها إلى عدة أقسام بخطوط طولية وعرضية وقطرية، نكتب في كل فراغ ناجم اسم دولة: فلسطين، العراق، سوريا، الأردن، لبنان، مصر وهكذا،،،

نقف صفاً واحداً امام الدائرة، وعلى مبعدة من الصف يقف احدنا يصرخ:" وقعت الحرب فييييييي العراق"، كان من يضع يده على العراق اولاً له الحق في ملاحقة الآخرين، إذ كانت اللعبة تستند إلى سرعة البديهة والحركة،،،

كنا لا نمل من إعادة اللعبة، في كل مرة تقع الحرب في بلد ما، ثم تعود لتقع مرة اخرى في أي بلد آخر، بحسب الولد اللاعب المتحكم في اللعيّبة،،،

كلما كانت تنتهي الطباشير، كنا نعود كل خميس للعمل الشاق في تنظيف الصفوف لنحصل على الطباشير نرسم فيها "دورة الحرب"،،،،

تعليقات

Comment Icon

"وقعـت الحرب" كنا نلعبها صغارا ، كنا نتعمد أن نختار أسماءاً لدول أجنبية عوضا عن دولنا العربية، لأننا حتى ولو كنا صغارا في حينها كانت كلمة "إشمعنى" حاضرة بيننا !

لماذا يساورني الشك أن الثلاثي الأمريكي سيئ الذكر (بوش الإبن - ديك شيني - كوندي رايس ) كانوا يلعبوها أيضا في حديقة البيت الأبيض أو الغرف السرية - سيان - لكن دونما ركض أو ضجيج ؟
ما جابنا لورا غير هاللعبة
و إلا ما تفسيرك "للفوضى الخلاقة" ؟

فـاخـر النـحـال | 19/10/2009, 14:55 [ الرد ]

Comment Icon

والله يا استاذ فاخر لديك قدرة مدهشة على الدخول الى السياسة من اي باب حتى لو كان الموضوع بعيدا عن السياسة .. انا بصراحة بتعجبني تعليقاتك

بصراحة | 19/10/2009, 16:44 [ الرد ]

Comment Icon

ذكرتني بايام مدارس الوكالة ونحن اطفال كان المعلمون يمارسون علينا شتى انواع التعذيب من الفلقة على المؤخرة الى الضرب المبرح على كل انحاء الجسم .وكنا لا نجرؤ على اخبار اهالينا بتعرضنا للضرب لآننا كنا ناكل علقة ساخنة من الاهل اذا علموا بان المعلم ضربنا اما اليوم فالوضع معكوس

عباس | 19/10/2009, 15:38 [ الرد ]

Comment Icon

إحنا كنا نلعبها بالحارة غير ، بنرسم الدائرة و بنقسمها و بنكتب الدول و كل واحد بحط رجلو على طرف قسم و بعدين بالدور كل واحد بحكي "وقعت الحرب بيننا و بيننننن" و بحكي إسم البلد الثاني و الكل بلحق فلان اللي وقعت معو الحرب إلاّ إذا وصل "البيت" قبل ما ينمسك. يعني طورناها شوي صارت قومجية أكثر ، أنا و إبن جيراني و إبن عمي على صاحبنا الوقعت عليه الحرب D:

Naser | 19/10/2009, 21:50 [ الرد ]

Comment Icon

مدونة رائعة
بتمنى تعلق على هل فتوى اللي صادرة عن دائرة الإفتاء بالأردن:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/31A881CA-E506-4A4C-9510-54A3A716B7B5.htm

مواطن من كوكب الأرض | 20/10/2009, 09:29 [ الرد ]

Comment Icon

قرأت هذه الفتوى واليوم قرأت مقال نضال منصور في الغد تعليقا عليها..
شو ممكن اقول غير انه رجال الدين المسلمين مش لاقين شي يشتغلوه فبشتغلو في العالم والمشكلة انهم بقبضوا رواتب من جيوبنا،اما مسخرة،،،

محمد عمر | 20/10/2009, 10:51 [ الرد ]

Comment Icon

تحياتي صديق...
حقيقة فإنه ويحق لي في البدء أن أخرج عن النص قليلاً لألفت النظر للتشابه الشديد بين شخصية الاذن ها هنا وبين شخصية أبو عزة تلك النمطية التي قرأناها في نص سعد الله ونوس الملك هو الملك ...
تلك الشراهة الشديدة للسطوة والسيطرة ...حتى لو أن الاحوال قد تقلبت..
أما عن دويرة الطباشير ..كنا نلعبها أطفالا سوريين بإسم حكمت المحكمة..
بأن نرسم دائرة ونقسمها على عدد اللاعبين وعلى كل قسم إسم دولة ومن ثم ينبئنا أحدهم بأن المحكمة حكمت وحضوريا على دولة إسرائيل بالمؤبد مثلا...فيركض الجميع ليبقى الطفل الممثل وعليه أن يقدر المسافة بينه وبيننا ...
كنا نستلذ بكتابة إسرائيل على الأرض وندوسها بأقدامنا ...
لو أن احد قال لنا في حينها أنه شكل من أشكال التطبيع إعترافنا بها كدولة ...لما كنا سنفهم ...ولكن لربما كان من الأفضل حدوث ذلك..
كل الحب صديق

محمد أبو حجر | 21/10/2009, 08:43 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba