على أن كلمة "أرجاء"، التي اعتدتها من كليشات اللغة، حيث يقال، مثلا، أربع أرجاء المعمورة، هي في النهاية مفردة اكبر كثيرا من أن تستخدم لبيت تبلغ مساحته الكلية مائة وسبعة وأربعون مترا فقط لا غير...
هذا إن حسبنا مساحات التهوية والخدمات، أما إذا أنقصناها، فان المساحة الإجمالية تنزل إلى مائة وسبعة وعشرين مترا...
صحيح، ما هي الفكرة من أن يخالف العدد المعدود في اللغة العربية؟ هذا سؤال حيرني أكثر من حيرة "حمار بوريدان"، ذلك أن سليقة الناس تقضي التطابق...
في هذه المساحة يعيش أربعة أفراد، ولو قمست المساحة على عدد الأفراد، بمعنى الكثافة السكانية، لصرت شاكرا، وصارت كلمة أرجاء قابلة للاستخدام في حالة البيت، خاصة لو قارنت هذه الكثافة مع قطاع غزة مثلا،،،
ثم ان البيوت بسكانها، وناسها، والجنة بلا ناس ما بتنداس،،،
والبيت، الذي انا فيه الان، بيت الجبل، اشتريته بالتقسيط عبر البنك، وأسدد أقساطه شهرا بعد شهر لمدة خمس عشرة سنة،،، والسنة هنا وجب استخدامها لأن بعض النحويين العرب يعتبر استخدامها "لزاما" في وصف العجاف من السنين، كما وردت في السبع سنين العجاف في "سورة يوسف"، فيما تستخدم مفردة "عام" في وصف الأعوام الخصبة...
طيب،،،
ماذا لو ان هذا البيت الذي شقيت في سبيل شرائه احتله آخرون، وسلبوني اياه عنوة ولم اعد قادرا على دخوله، ناهيك عن التجوال في أرجائه،،،
وماذا لو تم هذا الأمر في حالة "فرهود" مثلا. فرهود تعني فوضى، كما حصل في العراق بعد الاحتلال الأميركي مباشرة أو في منتصف أربعينات القرن الماضي،،،
والفرهود حالة ليست مستحيلة، بل هي قابلة للتحقق، وهي قائمة فعلا، على الصعيد العالمي، ولها انعكاسات واضحة على الصعد الإقليمية والقطرية، وهناك من اخترع لها نظريات مثل"الفوضى البناءة"، وبررها بنظريات عملية كنظرية "اثر الفراشة"، أي اللامتوقع، والشواش...
من المعيب إلقاء الدرر أمام الخنازير....
الفوضى، ممكن ان تنجم بسبب حرب اهلية، كما كان عليه الوضع في لبنان لمدة خمس عشرة سنة عجاف،،،
وممكن ان تنجم عن الاحتلال، وعن تراجع سيادة القانون وسقوط الدول والامبراطوريات وتسبب النزاعات والمشاجرات والعنف الاجتماعي، حيث يرتد الانسان الى حالة "بهيمية" خالصة، وتتغلب فيه غريزة البقاء، باي ثمن، على ادميته،،،
الحال، ان الانسانية هشة الى درجة كبيرة، وقد مرت الناس بحالات فرهود كثيرة، ولا تزال، وبعض هذه الحالات نجم ايضا عن انتشار الامراض والاوبئة،،،
في روايته التي نال عليها "نوبل للاداب"، يصف الكاتب الوجودي الفرنسي البير كامو حالة الفوضى في مدينة "وهران" الجزائرية، بعد انتشار وباء "الطاعون" فيها ، اربعينات القرن الماضي...
والامر ليس بعيدا عن رواية البرتغالي خوسية ساراماغو، صاحب نوبل، العمى"،،،،
على كل، ليس البير كامو هو الوحيد الذي كتب عن الإنسان في اشد حالات الفوضى والمحنة، لكني عندما كنت أقرأ رواية "العمى"، كنت اتذكر رواية كامو "الطاعون"،،،
اما سبب تذكري هذه الرواية فلأن ساراماغو في "العمى" يتخيل مرض غريب، يضع الانسان العادي، مثل فرانز كافكا، في اشد الحالات اللاعقلانية وغير الطبيعية ليعرف كيف سوف يتصرف،،،
فاذا كان ساراماغو عمد الى تخيل وباء، فان البير كامو كتب عن واقعة وباء حقيقية، وهكذا فإن أسوأ كوابيس رواية "العمى" يمكن ان يصبح حقيقة، وهو حقيقة نعيشها بالفعل اصلا...
في رواية ساراماغو، يصاب سكان مدينة ما بحالة عمى مفاجئة، غير معروفة الاسباب، عمى ابيض، من نوع غريب، ومع ان العمى ليس مرضا ينتقل بالعدوى، الا انه في الرواية معد وسريع الانتشار...
الرواية التي تتكون من نحو 400 صفحة تبدأ بإصابة فرد واحد بالمرض أثناء توقفه بيسارته على شارة مرور، فيخلق حالة فوضى عابرة سرعان ما تنتهي بتطوع احدهم لقيادة سيارة "الأعمى" وتوصيله الى البيت..
لا شك أنها بداية "غريبة" لكنها تشعر بالإحباط، فكيف سيملأ ساراماغوا 400 صفحة من استهلال كهذا،،،
لكن ساراماغو لا يطيل كثيرا، فتبدأ أحداث الرواية تتدفق بسرعة مع سرعة انتشار المرض، فيزول الإحباط، وامسك بالرواية بقراءة متلهفة لمتابعة أحداثها الكثيرة...
ما علينا،،،
رواية ساراماغو تم تحويلها إلى فيلم أيضا، لكني فضلت القراءة أولا على مشاهدة الفيلم الذي لم يف الرواية حقها، بحسب النقاد...
مع انتشار العدوى في المدينة، التي ليس لها اسم أو ملامح محددة، كما هي شخصياتها، تدب الفوضى بين البشر، وتنكشف الطبيعة الإنسانية الهشة جدا، وترتد الناس إلى غرائزها، ويصبح البقاء على قيد الحياة، مهما كانت هذه الحياة بائسة وتعيسة وقاسية، باي ثمن هو الهدف فقط، ويصبح الإنسان، وخاصة الرجل مستعدا للتضحية بكل شي، ماله، ونسائه وكرامته في سبيل البقاء على قيد الحياة فقط، مع إنها حياة أصعب من الموت نفسه...
المرأة والحب، هما من سوف ينقذ البشرية أخيرا من فوضاها ويعيد للناس البصر. لكن كيف ستتصرف الناس بعد أن مرت بهذه المحنة، لا يجيب ساراماغو على هذا فينهي الرواية مؤكدا على الفرق بين ان تنظر وان ترى...
وحسن فعل، فالإنسان لا يستفيد أبدا من تجاربه وهو على رأي نظرية نيتشه "العود الأبدي" التي استخدمها ميلان كونديرا في روايته "خفة الكائن التي لا تحتمل" لديه نزعة ذاتية للتدمير وتكرار المآسي الى ما لا نهاية، حيث لا ضوابط لحريته، وكأن تكرار هذه المآسي هو الشرط الوحيد لبقاء الإنسان،،،
قراءة روايات ساراماغو امر ليس فيه الكثير من التسلية، بل ربما يحتاج لجهد، فله أسلوب خاص جدا يعتمد فيه على الجملة الطويلة التي تقطع النفس احيانا، كما انه لا يعمد الى تقطيع حوار الشخوص، ويدرج الحوار ضمن الجمل مستخدما علامات الترقيم والأحرف الكبيرة في لغته البرتغالية في النص الأصلي لتميز الحوار، لكن في الترجمة العربية يحتاج القارئ إلى جهد مضاعف...
المهم،،،
بعد قراءتي لرواية ساراماغو تخيلت لو أن كاتبا عربيا أراد أن يصف واقعنا، فوضانا، ربما كان سوف يختار "الطرش"، الصمم، كمرض بدل العمى، اعتقد اننا امة من الطرشان...
ما علينا،،،
بدأت بالبيت، والتحرك في أرجائه بحرية، دون ان أكون مصابا بكسر في رجلي بسبب حفرة الأمانة، أو، مصابا بالعمى، احتاج لتحسس وتلمس طريقي أو لمساعدة الآخرين، كما هو حال عميان الرواية،،،
على أي حال،،،
عندما كنت في لبنان، وقد شهدت السنين الاخيرة من الحرب الاهلية، كان تأمين البيت هو اكثر شؤون الحياة صعوبة،،،
يمكن اغلب الاعمال الروائية اللبنانية التي تناولت الحرب، مثل رواية رشيد الضعيف، تقنيات البؤس، اسهبت في وصف واقع البيوت عندما تحل الفوضى ويسود الخراب،،
انا عم ركز ع البيت شوي، لانني، ولاول مرة احشر في البيت مثل هذه الحشرة، ما جعلني افكر كثيرا فيه، واتمعن فيه اكثر..
ورواية ساراماغو تصف واقع بيوت المدينة بعد ان حل فيها الخراب وانتشرت الفوضى، ولم يعد احد قادرا على الوصول الى بيته براحة، وان وصل فسوف يجده محتلا من اخرين، او تسوده الفوضى والخراب...
على كل، الانسان كائن غريب، يمكن ان يهدم في لحظة ما تعب في بنائه سنوات واعوام، وهو يهدم بحجة حماية انجازاته،،،
البيت الذي انا فيه الان، بيت الجبل، الذي تعبت في شرائه ولا زلت ادفع اقساطه، هجرته بعد عام فقط من اقتنائه بسبب الطلاق، وذهبت اتشنشط في البيوت المستأجرة،،،
والانسان لا يعجز عن خلق الاختلاف والشقاق ليبدأ عملية الهدم...
الحمد لله على السلامة
عباس | 12/11/2009, 15:13
الحمد لله على السلامة
العمى رواية عظيمة.. عميقة إلى درجة كبيرة جداً (كتبت عنها تدوينة منذ أشهر) و إن لم تكن جديدة على أدب ساراماغو الرائع, و هو أحد أدبائي المفضلين.
الفيلم تعيس جداً و قد انتقده حتى ساراماغو الذي لم يخف خيبة أمله منه.
على فكرة, لدى ساراماغو مدوّنة باللغة الاسبانية أتابعها باستمرار, أترك لك رابطها إن كنت تحب زيارتها.
http://cuaderno.josesaramago.org/
ياسين | 12/11/2009, 13:58 [ الرد ]