هكذا أتى إلى الدنيا "أهطل، خلقة ربنا"، ولد في اسرة فقيرة وكبيرة، وعادة ما تكون الأسر الفقيرة هي الأكبر.
نما وترعرع، منذ نعومة إظفاره، حلوة هاي، كيفما اتفق، يعني، كما ترعرنا جميعاً، أطفال شوارع وأزقة مخيم، كأن ليس لنا أهل، وكأنهم اكتفوا بدور واحد فقط، بأنهم منحونا الحياة، ثم أطلقونا لوجه الله تعالى نهيم بدروبها.
لكن "ابو ع" كان "اهطلاً"، أي على باب الله الكريم، وهذه ملافظ سعد، يقصد منها التخفيف من ملافظ اخرى تعني، متخلف عقليا، أو، معاق عقلياً،،،
لم يذهب "ابو ع" للمدرسة مثلنا، ولم يحمل شنطة الشرايط، ولم يلبس "شورتات" الرياضة بشعار الـ USAID على مؤخراتنا.
بقي "ابو ع" داشراً في الشوارع والأزقة، فالتقطه الزعران، وصاروا يأخذونه معهم إلى "الجبل"، يضحكون عليه، ويتسلون به، وعندما يتعتهم السكر، وتدور برؤوسهم الخمرة، كانوا يلوطون به.
لم يكن وسيما، وكانت ريالته تشط من جانبي فمه، وتفوح من ملابسه رائحة عفونة دائمة بسبب كثرة تبوله على نفسه، لكن "السرهد"، زعيم زعران الحارة التحتى، كان يقول :" يالله، ولا البلاش، بظل أحسن من بغلة أبو الدمر".
كان يتداول عليه "السرهد" و "الكوع" و "الكرعش" و "ستيف" و "الخنجر" و "ابو دقة" و "الشحبار"، وعندما ينتهون منه، ويفرغون شهوتهم المجنونة، يضربه احدهم بالشلوت قائلا: يلا ولا يا منيك قب من هون"...
عندما كبر "ابو ع" صار ماسح احذية، بويجي، يحمل صندوق البويا، الذي كان في البداية عبارة عن بوكسة خشب، ثم صار مزينا بالنحاس، على طريقة الاربيسك، ويجلس مقابل السينما الأشهر في وسط البلد، قبل أن تتحول إلى أشهر سينما ببث مقاطع البورنو وقبل أن تغلق نهائيا.
يجلس "ابو ع" على كرسيه الصغير، امام مصطبة احد المحال، خلف صندوقه المزخرف، لا يرفع نظره عن أقدام المارة، يطرطق أحيانا بفرشته على جانب الصندوق كلما رأى حذاء غالي الثمن لتنبيه لابسه، ولفت نظره عله يرفع قدمه على منصة المسح.
عندما ينتهي "ابو ع" من عمله، وتكون شوارع وسط البلد شبه فارغة مساء، وتتملكه المحنة، و"تحكه ليمونته"، كما كان يقول له "عمر الحويلة"، يبدأ في التجول في شوارع وسط البلد، أمام السينمات الشعبية، والحمامات، والمراحيض والبارات بحثا عن "نيّك".
لكن "ابو ع" كبر كثيراً، و "الكرعش" و" السرهد" و "عمر الحويلة" و "الشحبار" اهتدوا إلى سواء السبيل وصاروا شيوخاً، يلبسون الداشديش ويطيلون اللحى، ويمشون على صراط مستقيم، فصار عليه ان يبحث عن نوع جديد من "النيّكة"، نوع لا يفك محنة "أبو ع" بدون مقابل.
مؤلم للغاية ...
yaso | 17/11/2009, 19:54
من وحل الواقع
bassii | 18/11/2009, 01:07
مشاريع قصص قصيرة وجميلة ..بتهدرها في حكي فاضي
s. moharram | 18/11/2009, 08:11
هي قصص حقيقية وليست حكي فاضي. لكن مشكلة الاستاذ محمد انه لا يريد ان يقتنع بفكرة كتابة رواية اجزم انها ستكون مختلفة.
تحياتي لك
هبة | 18/11/2009, 10:16
متعبـة تدوينتك ، بربك من يلام ؟
وحل المخيم ؟ فقر القاع ؟ وأد الحق بحياة فيها بعض إنصاف ؟ تفسخ النفوس ؟ بربك أجبني ؟
إن كان هناك من "منيك" حقيقي في هذه القصة فهو ذاك الذي أطلق لحيته و ظن أنه "سدد" حسابه لخالقه ، لكنه أبدا ما سدد بعض أو بضع البعض من حساب ضحيته .. لا يلام الأهطل ، فهذا قدره ، و لا يد تستطيع "مس" القدر ، و لكن لا بد من يد "تبطش" "بالأدوات" التي دمرت قدر الأهطل ..
فـاخـر النـحـال | 18/11/2009, 08:18
يا لبؤس هذا الواقع من بؤس حياة المخيمات ...
كم عانى " أبو ع " من أولاد القحبة السرهد والكرعش وعمر الحويلة ..في نهاية الامر عرفوا سواء السبيل ...وبئس المصير ...
محمد أبو حجر | 18/11/2009, 09:40
مؤلم لكنه الواقع بدون رتوش وتزويق.
نائلة | 18/11/2009, 11:20
الاهمال والبؤس الي حاصل ولحد الان موجود اصاب الجميع والجميع يتحمل جزء من المسؤولية فيه البعض ما زال يعاني منه والبعض تخلص من هذا الواقع ولكن من المعيب ان يتم تحميل كل الاثم والوزر في هذه القصة لاشخاص معينين كانوا بشكل او باخر ضحاية مثل بطل هذه القصة.
سلملم
ابو صقر | 18/11/2009, 11:29
لقد نقلت لنا في هذه التدوينة جزء من واقع أليم يحصل كل يوم في المناطق العشوائية وفي المخيمات وقاع المدينه وحتى بين الطبقات الاخرى ولكن بطرق مختلفة وحضارية اكثر كما نقلت لنا في تدوينة سابقة ما واجهت داخل البار او اي مقهى ليلي من نظرات عن اناس نفس البويجي ولكن ضمن الطبقة الراقية ولكن اظن ان ما خفي كان اعظم والله ينجينا من الايام القادمة
رانيا | 18/11/2009, 13:35
شكرا لك
شو اسم اشهر سينما بالبلد وقتها
واقع مؤسف متكرر
يكفي الجهل او الفقر لوحده مصيبة فكيف ان اجتمع مع التخلف العقلي والظلم والانحراف يعني سكرت على البويجي من كل مكان
امجد | 20/11/2009, 13:14
قريفتنا على هالصبح !!
محمد | 17/11/2009, 13:13 [ الرد ]