كانت "هيفاء" عادت مساء امس من "بوغوتا" عاصمة "كولومبيا" بعد مشاركتها في مؤتمر عن العنف ضد المرأة من منظور "الجندر" بتنظيم احدى هيئات الامم المتحدة.
حدثتني عن الاوضاع العامة في هذا البلد المضطرب، واعادت الى ذهني ذكريات قديمة جديدة عن "اميركا اللاتينية" التي نعرفها نحن بـ"اميركا الجنوبية" بشكل عام...
عندما كنت في "كوبا" التقيت بعدد من زعماء "القوات المسلحة الثورية الكولومبية"، اكبر واخطر، واخر الجماعات المسلحة، ليس في "كولومبيا" وحسب، بل وفي كل اميركا اللاتينية.
كانت هذه اللقاءات جزء من مهمات حزبية، عندما كنت عضوا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد عرف هذا الفصيل من بين كل فصائل المقاومة الفلسطينية بعلاقاته الوثيقة مع كل "القوى المسلحة اليسارية" السرية في العالم، التي صارت توصف لاحقا بالارهابية.
كان توجه الجبهة الشعبية لـ"العمليات الخارجية"، منها خطف الطائرات، جعلها تنسج علاقات واسعة مع قوى مثل "الجيش الاحمر الياباني"، او، نيهون سيكيجون"، الذي نفذ عدد من منتسبيه اشهر عملية ضد اسرائيل عام 1972، وهي عملية "مطار اللد" او "مطار بن غوريون" التي قادها "اوكوزو اوكومتو" وكانت ربما اول عملية "استشهادية"، او انتحارية، اذ نفذت على طريقة الكيمكاز الياباني.
على كل، خلال عضويتي في الجبهة تعرفت على عشرات المنظمات السرية الدولية، مثل الجيش الجمهوري السري في ايرلندا، العمل المباشر في فرنسا، الباسك في اسبانيا، الالوية الحمراء الايطالية، وغيرها الكثير.
لكن، اكثر ما كان يلفت نظري هي منظمة "التوباماروس"، منظمة التحرير الوطنية، في الاروغوي، احد بلدان اميركا الجنوبية، التي فاز احد قادتها، خوسية موخيكا، المعروف بـ"بيبي" برئاسة الاوروغوي قبل ثلاثة ايام،،،
قبل انتمائي للشعبية كنت قرات كتاب صغير يتيم عن هذه الحركة بعنوان "التوباماروس"، وكان الملفت في هذه الحركة، وسبب شهرة الكتاب في ذلك الوقت بين اعضاء حركات اليسار "الثورية" هي انها كانت التجربة السرية المسلحة الوحيدة التي اعتمدت العمل في المناطق "المدنية"، او الحضرية، بخلاف كل الحركات المسلحة في بلدان العالم الثالث، التي اعتمدت على الفلاحين والثورة في الجبال مثل فيتنام والصين وكمبوديا واغلب دول افريقيا وبعض الدول العربية.
خلال وجودي في "كوبا" تدربت لمدة شهر على "حرب المدن" على يد "خبراء" من هذه المنظمة المسلحة الثورية، التي كانت تتهم بارتكاب افظع العمليات الارهابية في الاوروغوي، والان صار قائدها، بائع الزهور المتواضع، رئيسا للبلاد، مع ان عمره صار 76 عاماً.
كانت هذه الحركة اقتبست اسم قائد ثورة السكان الاصليين، الذين نعرفهم نحن بالهنود الحمر، توباك امارو الثاني، الذي قاد ثورة "اهل حضارة الانكا" ضد الاستعمار الاسباني للاوروغوي.
وتأسست في بداية حقبة ستينيات القرن الماضي، واستلهمت اساليب الصعاليك العرب وحكايات "روبن هود" في علمها، ورفعت شعار " الكلمات تفرقنا والعمل يجمعنا".
كانت الحركة تسطو على البنوك والمصالح التجارية الكبرى وتنهبها وتوزع غنائمها على الفقراء. بعد ذلك، وخلال زيارة للتشي غيفارا الى مونتفيديو، عاصمة الاوروغواي ولقاءه ببعض قادة هذه الثورة استطاع اقناعهم بتبني "الفكر الماركسي"، سيما ان بعض قادة الحركة كانوا ماركسيين اصلا، فصارت حركة اكثر "تنظيما".
في بوليفيا هناك حركة اسمها مشابه لهذه الحركة وهي حركة "توباك كارتيه"،،، وهي ايضا تأسست بفعل تأثير تشي غيفارا الذي قتل في بوليفيا،،،
وفي بوليفيا ايضا، كان الهندي الاصلي اليساري، القادم من الارياف والحركات الثورية الجذرية، مزارع الكوكا، "ايفو مورالس" فاز في عام 2005 برئاسة بلاده ليصبح اول رئيس "هندي" لبلاده منذ نحو 500 عام على الاستعمار الاسباني.
كما كان اليساري، مساح الاحذية، البويجي، لولا دي سيلفيا، القادم من اكثر التنظيمات التروتسكية جذرية انتخب عام 2002 رئيسا للبرازيل.
كما عاد ايضا، العامل المتواضع دانيل اورتيغا، زعيم "فرنتي ساندينيستا"، الجبهة السندينية، رئيسا لينكارغوا عام 2006 في انتخابات ديمقراطية، بعد ان كان اسقط بفعل "الثورة المضادة" التي دعمتها الولايات المتحدة، وتورطت فيها ايران في الفضيحة الشهيرة بايران غيت"، عندما انكشفت صفقات اسلحة سرية بين طهران وثوار "الكونترا" ضد حكم اورتيغا.
وقد اجبرت "الثورة المضادة"، او "الكونترا" اورتيغا على التخلي عن السلطة عام 1990، وتنظيم انتخابات حرة ونزيه سقط فيها لصالح "فيوليتا تشامورو" التي كانت توصف بانها "العوبة الاميركان"، او "قرضاي نيكاراغوا" لكنه عاد الى السلطة وبانتخابات ديمقراطية وبعد ان توقفت "ثورة الكونترا".
المهم، كل دول اميركا اللاتينية من المكسيك الى تشيلي في اقصى جنوب القارة تشهد عودة قوية لليسار، وقد فاز في رئاسة هذه الدول رؤساء اتوا من طبقات وفئات هامشية من مزارع كوكا الى ماسح احذية الى بائع زهور الى ضابط مغمور مثل هوغو تشافيز في فنزويلا، واغلب هؤلاء كانوا ساهما في قيادة تنظيمات مسلحة ثورية جذرية اتهمت بارتكاب افظع العلميات الارهابية.
لكن، الحال لم يكن كذلك تماما، فقد تعرضت هذه الحركات، كما هو الحال عندنا لعملية تشويه فظيعة ومسح ذاكرة.
في اميركا اللاتينية اسست الطغم العسكرية الحاكمة بمساعدة الولايات المتحدة جماعات مسلحة، يطلق عليها اسم الـ الباراميليتاريس"، Paramilitares، وهي تنظيمات ميليشايوية، كان هدفها محاربة القوى اليسارية، والقيام بالاعمال القذرة التي لا تقوم بها الجيوش النظامية لسبب او اخر،،
وارتكبت هذه المليشيات مجازر وقتل وخطف، ولا تزال "كولومبيا" حتى الان تشهد نشاطا كبيرا لهذه الميليشات، وعادة ما تنسب الميديا الغربية والميديا التابعة للديكتاتوريات الاميركية اللاتينية اعمال هذه الميليشات للقوى اليسارية،
في الوطن العربي اطلقت الانظمة الحاكمة القوى الاسلامية ضد القوى اليسارية والعلمانية، وشنت هذه القوى الاسلامية حملات تشويه فظيعة ضد اليسار مثل اتهام اليساريين جميعا اما بالالحاد او الانحلال او التجسس لصالح السوفيت والمسكوب وكل خزعبلات المسلمين المقرفة.
المهم،،،
وانفقت ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش اكثر من عشرة مليارات دولار لمكافحة "تجارة المخدرات" في "كولومبيا" واسهمت في تعزيز هذه المليشيات" لمواجهة مليشيات "كارتيلات المخدرات" في هذه البلد، غضت الطرف ، بل لا زالت تدعم نشاط هذه المليشيات ضد الفلاحين بحجة مكافحة المخدرات.
والان ورغم كل ما انفقته الادارة الاميركية بحجة مكافحة الارهاب بما في ذلك دعم هذه المليشيات، وبحسب كل الشهادات فان مليشيات البارا ميلتاريس، تشكل اسوأ كوابيس الكولومبيين.
من بين الامور التي حدثتني عنها "هيفاء" في كولومبيا هو برنامج تلفزيوني عنوانه "حدث عندما كنت نائما ايها السيد" وهو ترجمة عنوان تدوينتي، وهذا البرنامج يعرض يوميا لعمليات القتل والخطف والنهب التي تقوم بها الباراميليتارس وكارتيلات المخدرات في كولومبيا.
على اي حال، عندما اعتقل الرئيس الكوبي فيديل كاسترو عام 1956 على اثر الهجوم على "قلعة المونكادا"، وكان في حينها يقود حركة مسلحة صغيرة عرفت بـ"حركة 26 تموز"، ولم يكن في حينها قد اصبح "يساريا" قدم مرافعة طويلة امام المحكمة، ترجمت الى العربية ونشرت في كتاب تحت عنوان "سوف ينصفني التاريخ"...
شعوب اميركا اللاتينية، اختارت في انتخابات حرة ونزيهة
رؤساء لبلادها، كانوا سابقا زعماء وقادة تنظيمات طالما اتهمت بالارهاب والتطرف
والالحاد، فهل انصف التاريخ هؤلاء...!
يمكن عندنا التاريخ بعده في غفوة، فالانصاف يجري للعملاء والجواسيس وبياعين الاوطان بالجملة، مع ان الدول العربية تنهار مثل قصر رمال بناه طفل عابث على شاطيء بحر ميت...!
رائعة جدا
الارهاب المنظم ضد الحركات اليسارية اعلاميا وجسدياً اثبت دائما ان تجذير الفكر والتمسك بالثوابت وبالوضوح هو الحل للنهوض من كل الازمات
شكرا لك
ibraheem al jemzawe | 02/12/2009, 10:14
الحمر عائدون
سناء | 02/12/2009, 10:39
العالم كله يتغير ونحن نائمون فعلا
جمال عبدالرحمن | 02/12/2009, 10:46
ساق الله على ايام زمان
عباس | 02/12/2009, 11:12
سواء اختلفت معك او اتفقت معك. وغالبا ما اختلف معك لكن قراءة تدويناتك متعة وفائدة.
تحياتي
تغريد الايوبي | 02/12/2009, 14:06
للمبدأ رجال و أزمان ..
تدوينة حية ، سلمت يديك
فـاخـر النـحـال | 02/12/2009, 21:14
lo correcto seria en español en vez de "Pasa mientras usted dormindo " seria "pasa mientras usted duerme
o
pasa mientras usted esta dormido XP saludos ojala me entiendas
""
darkentry | 12/12/2009, 00:57
تدوينة جميلة جدا
نائلة | 02/12/2009, 09:44 [ الرد ]