في مجتمع "ما بعد الحداثة"، صار كل شي "جديد x جديد"، في "محافظون جدد" و "ليبراليون جدد"، ونازيون جدد"، وكمان "عشائريون جدد"، لكن كل جديد هو مجرد "تنويع" ع القديم، مش أكثر،،،
المهم،،،
قضيت اغلب عمري أعيش في "جماعات" صغيرة وكبيرة، من المجتمع إلى العائلة إلى العمل،،،
ولمّا كنت شاب مراهق، ضيقت الدائرة على نفسي وانتميت إلى "تنظيم"، أو، حزب"، وبين كل هذه الحلقات ذابت "فرديتي"، فكل ما كنت عليه هو مجرد شخص ضمن قطيع في قطيع، وكل قطيع اصغر من الثاني وأكثر صرامة في فرض معاييره وأفكاره ومعتقداته على الإنسان، وممنوع "التفرد"...
على هيك، لمّا تحررت من هذه الحلقات الضيقة، انفلتت "فرديتي" من عقالها، وتحررت تماما، بل تهتكت تماما، ولم يعد عندي أي حساب لأي جماعة، الا ضمن القانون، فيما يتعلق بالجماعة الكبيرة ، أي المجتمع.
المهم،،،
بس لكل شي ثمن،،،
صحيح انني حققت "فرديتي" بشكل شبه كلي، ولم اعد اخضع لأي معايير يفرضها علي وجودي ضمن عائلة، او، مكان عمل، أو، حزب، او، حتى معارف وأصدقاء. لكني فقدت أيضا التواصل الحقيقي مع الناس، لدرجة انني لا استطيع أن أقول إن لي عائلة حقيقة، او أصدقاء حقيقيين، أو، اني اشعر بالتزام حقيقي تجاه قضايا المجتمع الكبير،،،
الاهم،،،
ان هذه "الفردية" تحولت إلى "عزلة"، لكن شعوري هذا ليس شعورا "فرديا"، بمعنى اننا، كل من يعيش في المجتمعات المعاصرة، نعاني بشكل، أو، اخر من قلة التواصل، يعني الناس بطلت تعرف بعضها، والجار ما بيعرف الجار،،
ورغم كل التطور في اساليب الاتصالات، والانفتاح، إلا أن "الفرد" شبه عاجز عن إيجاد شريك حياته، لذلك فان ظاهرة "العنوسة" عن الرجال والنساء ترتفع باضطراد. وعاجز عن التواصل مع أي حلقة انسانة،أي جماعة مهما كانت صغيرة، او، كبيرة..
شعوري بالعزلة هذا دفعني للبحث عن حلول، ليس بينها الزواج طبعا، فهذه جناية لن ارتكبها بحق نفسي مرة اخرى،،،
قبل فترة وقعت على عدد كبير من الأفكار التي تناقش عزلة الإنسان الحديث، انسان عصر ما بعد الحداثة،،،
من بين هذه الافكار الدعوة الى احياء "العشائرية"، او" القبيلة"، على كل في علم الأنساب العربي هناك عدم اتفاق عام على تصنيف العشيرة والقبيلة والفخذ والبطن والجماعة والعمارة ...الخ.
حسب معلوماتي فأن "القبيلة" اكبر من "العشيرة"، وهذه اكبر من "الفخذ"،
ما علينا،،،
انثروبولوجي معروف اسمه "روبين دنبر"، قال إن الإنسان لا يستطيع التواصل بشكل حقيقي مع أي جماعة يزيد عددها على 150 فردا، يعني إذا زاد عدد أفراد الجمعة عن "دنبرز نمبرز"،Dunbar's number ، أي، "عدد دنبر"، يبدأ الفرد بالشعور في العزلة عن الجماعة،،
في المجتمعات القبلية، المقسمة الى عشائر وبطون وافخاذ، تختفي الميزات الفردية للفرد تقريبا، ويكون الإنسان جزء من مكون مجتمعي، يكتسب اغلب صفاتها ويتصرف وفق أهوائها،،
"وما أنا إلا من غزية غوت غويت وان ترشد غزية ارشد"، وهكذا فان "الفرد" لا يعيش حالة عزلة، او" حالة "اغتراب" بالمعنى الأدق،،
أما الانثروبولوجي الأشهر، كلود ليفي شتراوس، الذي وضع كتاب "العقل البدائي"، فهو قال ان الكائنات تشعر باغتراب اذا اقتطعت من جماعاتها ووضعت في سياقات اخرى،،
هذه الافكار عن القبيلة، تلقفها عالم اجتماع فرنسي، ميشيل مافيسولي، والف كتابا بعنوان " عصر القبيلة: أفول الفردية في المجتمعات المعاصرة"،، هذا العالم هو اول من وضع "القبلية الجديدة" في سياقها الاجتماعي،، واستند الى"علم النفس التطوري"،،،
يقترح مافيسولي، ان يتوقف "إنسان المدينة" عن التصرف كإنسان مدينة، ويبدأ بالتصرف كعضو في "عشيرة"، ويقترح ان يتم تشكيل "عشائر" صغيرة، لا يتجاوز عدد أفرادها الـ150 شخصا، دنبرز نمبرز، ولكل "عشيرة"، نواة فاعلة "فخذ"، او، Band ، مؤلفة من ما بين 25 الى 30 شخصا، هم الأنشط في تنظيم "العشيرة"،،،
ويقترح اخونا مافيسولي، لحل مشكلة عزلة الفرد، ان يتم تجميع "العشائر المتشابه في "قبيلة"، تتكون من ما بين 1000 إلى 2000 شخص،،
يطلق أصحاب "العشائرية الجديدة، أو، القبائلية الجديدة" Neotribalism، على هذه الأرقام، صفة الأرقام الفضلى،،، أي الأرقام الأنسب لحياة أكثر تواصلا إنسانيا في الجماعات...
جماعة "العشائريين الجدد"، يرفضون الانتقادات التي تتهمه بـ"الرجعية"، كونهم يحاولون احياء تشكيلة اجتماعية انسانية "ما قبل الدولة/الامة"، وهم يقولون ان "العشائرية الجديدة"، لا يربطها رابط بالعشيرة والقبيلة القديمة المتحاربة، والمتشاجرة، الا في "الاعداد" والتوافق على قواسم مشتركة، التي تخلق تشبيك اجتماعي، social networking، مثل عشائر "الفيسبوك" و "تويتر" الخ، التي يطلق عليها "المجموعات"، GROUPS، او، "ثقافات الكلت، cult culture،،
فالانسان، الذي يقضي ما بين 25 الى 30% من عمره وهو مجبر على العيش ضمن جماعات مفروضة عليه، بامكانه ان يختار قبيلته او جماعته بمحض خياره، فالمثلي الجنس بامكانه الانضام الى "عشيرة المثليين"، ثم "قبيلة المثليين"، وليس مجبرا على البقاء في عزلة ضمن "مجتمع الطبيعيين" وهكذا...
طبعا هناك من ينتقد هؤلاء، فهم اكتسبوا رواجا كبيرا في اوروبا، وما بعض منظمات المجتمع المدني الا احد مظاهر "القبلية الجديدة"، مثل منظمات المثليين، ويتهم هؤلاء بانهم شجعوا على "اضمحلال العائلة" و "العزوف عن الزواج" الشائع في اوروبا حاليا، خاصة ان هناك قبائل للرجال والنساء العازبات، ومن تخطى سن الأربعين...
ما علينا،،،
ما عجبتني الصحيح الفكرة كتير،، ذلك لانني لا اعرف بالضبط الى أي "قبيلة" او "عشيرة" سوف انتمي،،،
على أي حال، في بلادنا العزيزة، لا نحتاج الى علماء اجتماع أمثال مافيسولي، فالعشيرة عندنا لا تزال موجودة وحاضرة، لا بل ان الدولة نفسها صارت "عشيرة" وتروح جاهات وتوخد عطوات، ويمكن تصير "تجلي"، او، تجبر على "الجلوة" الحقيقية، بعد ان "جلت" فعليا من بعض المناطق وفقدت هيبتها فيها،،
وكمان عندنا "منظرين" لأهمية العشيرة وقيمها في "الرجولة"، تحديدا الرجولة، هاد اهم شي، خاصة اننا بتنا شعوبا "مخصية" عاجزة، مثل قافلة من الإبل يقودها حمار...
وفي كمان شغلة، "المحافظون الجدد" الاميركان، ما غيرهم، اعجبهم كثيرا اطروحات "العشائريين الجدد"، وهذا حقيقي وليس تنكيت من عندي، لذلك عمدوا الى ايقاظ العشائر في العراق لمحاربة القاعدة، وتأسيس نظام امني صارم يعرف الجميع فيه الجميع، وأطلقوا عليها "صحوة العشائر"، والان يحاولون نقلة تجربة "صحوة العشائر" إلى افغانستان...
يا أهلا بالعشائر، يا بخت مين يعاشر،،،،
شعورنا بالعزلة يجعلنا نبتكر طرقا عديدة للتواصل و الانتماء حتى لو كانت عشائر الكترونية ..
وربما انشاء مدونة من بينها..
sarah | 10/12/2009, 15:03
صديقي العزيز
مصرٌ انا على انك بدأت تنحى منحى الفلسفة ..لا اشك في ذلك..
تتفق معي سقطت نظرية الاصلاح السياسي بالتوريث الذي يجتاح العالم العربي طولا بعرض..
محمد العمري | 10/12/2009, 20:25
مدونة من أجمل مدوناتك ومن أفضل ما كتب عن هذا الموضوع.. أبدعت.. صحيح أنه ليس إبداعك الأول لكنه المفضل لدي.
مش مهم | 15/12/2009, 00:28
قناعتي أن بناء الدولة الحديثة في الغرب قد إتخذ شكلاً ليبرالياً للثقافة ..وهي تلك الثقافة التي تعزز لدى الفرد حرية هي كفيلة بفصله عم مجرى الامور فتعزز لديه ثقافة الفرد ..وكل ذلك لتسهيل ثقافة الإستهلاك ..حتى أن محاضراً في جامعتنا كان يعيش لفترة قريبة في أميركا كان يحادثنا عن المتعة التي يشعر بها من لا يورث أولاده شيئاً وكان يقول ان ثقافة التوريث شيء متخلف .." وللحقيقة قد نتفق على الشكل ولكن ما كان يحاول ترويجه هو ثقافة الإبتعاد عن المجتمع بأدنى درجاته "
أما مجتمعاتنا فهي لم تصل بعد إلى مرحلة الدولة الوطنية وفي هذه المرحلة التي نحياها على هامش التاريخ فإنها التربة الخصبة لنمو تلك الإنتماءات الما قبلية من الطائفة للعشيرة وهما وجهان لعملة واحدة...
ولعل معظم أحزابنا قد إتخذت شكلاً عشائرياً هو ما أضافة أبناء جلدتنا إلى الأيديولوجيا السياسية ..
مع ذلك كما يقول أحدهم " رح نبقى نغني .."
وعندي أمل
أبو حجر | 21/12/2009, 13:30
عندنا, في الجزيرة السورية, نعاني الأمرّين من "الصحوة العشائرية" (طبعاً يعاني أمثالي ممن لا يستسيغونها), و كل هذا يتم برعاية و حماية من الدولة.. يأتي المحافظ أو أي مسؤول من خارج المحافظة و قد تعلّم توزيع العشائر و مكانتها و من يجب أن يراعى أكثر من غيره.. الجهات الرسمية "تتوسّط" في حروب العشائر بدل أن تطبّق القانون بحذافيره, بل أن "جلسات الصلح" يتم تغطيتها إعلامياً من قبل الصحف الرسمية على أنها لمسات أصالة و غيرها من المصطلحات البرّاقة..
اليوم لا ننتمي لوطن, شعوبنا أكثر الشعوب حديثاً عن الوطن و الوطنية, لكن الانتماء الحقيقي إما للطائفة أو للعشيرة.. أو كلاهما
تحية
yassin | 10/12/2009, 14:35 [ الرد ]