بين فسادين: الأكبر والأصغر...!
26 تموز, 2010
كنت أمس في الجوار، لاحظت "الفيلاتين" الصغيرتين المتجاورتين في الحي شبه الشعبي بشرق عمّان. إحداهما تعود لشخص اعرفه جيداً، أما الاخرى فلصديقه او "شريكه" الخفي...
 
كان الذي اعرفه جيداً إلى وقت قريب مجرد حرفي، اتقن مهنته، وتوسع في محله، فأصبح تاجراً صغيراً، وتحول المحل ما بين ورشة ومتجر.

لكن "الله فتح عليه من واسع أبوابه ورحمته"، كما يقول الناس، وتمكن في غضون اقل من عشر سنوات، بعد الطفرة التي عايشها الاقتصاد المحلي اثر عودة "مهجري الكويت" من جمع ثروة لا ادري حجمها لكن الناس تصفها بقولهم:"صار عنده قرشين كويسين".

اما الذي، اي الشخص، الذي لا اعرفه فكان موظفا صغيراً في بلدية كبرى، لكنه الاخر "شاطر" استطاع أن " يدبر راسه" ويخرج بثروة "على قد الحال"، قبل ان يحال الى التقاعد.

كان الاثنان يعملان معا، احدهم يزور البضاعة والأخر يزور الفواتير، الأول يغش في المواصفات والثاني يطابقها.

صحيح انها كانت عطاءات بسيطة، في البداية، الا ان "قرش على قرش" يصبح ثروة، هذا اذا وقف الحال على العطاءات الصغيرة، لكنه الان امتد الى "من اللي منها إلى الأكبر منها"...

المهم،،،

هؤلاء "الشطار" صاروا "مشايخ"، وصاروا وجوه عائلاتهم بعد ان لم يكن احدا "يقبضهم"، وصاروا يحكمون ويرسمون في روابط قراهم، وعشائرهم ومناطقهم، ويرأسون جاهات العرسان والموتى والحوادث.

لم يعد أحدا، واصلا، لم يسأل احد من أين أتى هؤلاء بـ"ثرواتهم"، فليس المهم :"من أين لك هذا؟"، فهذا موال نسيته الناس منذ زمان بل المهم:" معك ليرة بتسوى ليرة" و "الشاطر يدبر نفسه"، والمعنى ان هؤلاء انضموا الى "صف الشطار"..

برافو عليهم، وحلال زلال عليهم اللي لحقو حالهم وطلعو بقرشين نظاف...

كل هذه العبارات التي اكتبها انقلها عن السنة الناس في وصف من ساهم في سلبهم وسرقتهم.

والحال ان الناس لم يعد يعنيها مصادر ثروة البعض، لا بل صار هؤلاء "الفاسدين" شيوخا مقدرين، قبلة الناس في أفراحها وأتراحها.

هذا الحال الذي صارت اليه الناس ذكرني بالمطالبين بمحاربة الفساد، وخاصة أصحاب البيانات الرنانة، وفي كل مرة نسمع خطابات عرمرمية تطالب باجتثاث شآفة او آفة الفساد.

الفساد: الأكبر والأصغر...!

لكن احدا لم يعد يعرف عن اي فساد نتحدث ويتحدثون، ولا عن اي فساد يقصدون هل هو الفساد الأكبر ام الفساد الأصغر، او بمفهوم الاقتصاديين "الفساد الكبير" ام "الفساد الصغير".

يحصل ان الاقتصاديين يعرفون الفساد الكبير، بانه سياسي، وهو صفة خاصة بـ"النظام" السياسي، فساد يعبر عن نفسه في القوانين نفسها، وفي تطبيقها، وفي النخب وممارساتها، وطبيعة "السياسة الاقتصادية الاجتماعية" التي يتبنها "النظام".

والفساد الكبير ليس مجرد، هبش أموال كثيرة من السرقة أو استغلال المنصب الوظيفي او هدر المال العام، وان كانت كل هذه واردة، لكن الفساد الكبير هو ايضا فساد الموظف الصغير المرتشي حتى بمبلغ قليل.

الفساد الكبير، مرة اخرى، سياسي، يتمثل ايضا في السياسات الاقتصادية/المالية التي ينتهجها "النظام" : في النفقات وتوزيعها ، والإيرادات وجبايتها، والمكرمات والعطايا والهبات، والتمييز الضريبي، والتمييز في تطبيق القوانين، وشراء الولاءات والذمم، وتدوير النخب وافسادها.
 
هو فساد لمراكمة الثروات وتوليد "طبقات" واحتكار اليات السلطة...

هو فساد سياسي، في حالة "الدول الاستثنائية"، وكل دولنا العربية هي "حالات استثنائية"، ولا استثني احداً.
 
والدولة الاستثنائية لا تقوم على شرعية حقيقية تتمثل بشرعية الانجاز، اولا واخيرا. ولا تساوي بين مواطنيها، ولا يحكمهم جميعا قانون واحد، ولا يحتكمون الى الانتخابات في تداول السلطة، وان جرت انتخابات فهي شكلية، مزورة بالقانون والاجراءات، ويستطيع الوالي او الحاكم، فوق كل ذلك، تعطيل مسيرة اي مؤسسة، بما في ذلك المؤسسة التشريعية والدستور.

وهي "دولا استثنائية" لانها ببساطة قادرة في اي وقت ان تعطل الدستور نفسه، وتعطل العمل في اغلب بنوده، وتسن قوانين بها خلال دستورية، وتستطيع أن تدعي في الان نفسه تمسكها بالدستور.

اما الفساد الصغير، الذي اسميه انا الأصغر، فهو فساد ثقافي، فساد صار مقبولاً عن عامة الناس، وصار جزءا من حياتها، تسوغه وتجد له مكانا في ثقافتها...
 
صار الفاسد: شاطر، فلهوي، صحتين على قلبه، قدر يدبر راسه، مال دولة، مال سايب، المال السايب بعلم الحرامي السرقة، نفع واستنفع..

اما حكاية نفع واستنفع هذه فهي لوحدها حكاية، بل هي لب الحكاية، التي خلقت "ثقافة" الفساد الصغير.

ليس مهما من اين أتيت بثروتك ان كنت تستطيع "تنفيع" الاقارب، الذين هم أولى بالمعروف، وتنفيع دوائر اخرى، وكنت "سنداً" لهم ولو بـ"الوجاهة السياسية"، وحينها لن تجد من يسأل عن اصل الثروة بل سيتظاهر "القرايب والحبايب والمنتفعين" لصالحك أمام مقر رئاسة الوزراء ان اتهمت ذات مرة بقضية فساد.

ليس مهما ان تكون مرتش، او مبيض أموال، او تعمل مع المافيا، او موظفا صغيرا ام كبيرا استطعت ان تجني ثروتك بفساد الضمير، بالعطاءات المشبوه، باستغلال الوظيفة، بهدر المال العام، طالما أنت "تنفع" القرايب والحبايب.

طالما المجتمع منقسم جهويا وإقليميا وعشائريا وطائفيا، وطالما الدولة لا تعمل وفقا للقانون، ولا تنفذه على الجميع سواسية، وطالما تسود الزبونية والواسطة والمحسوبية، فالفاسد سوف يصبح بطلا في عين عشيرته، وأقربائه الأولى بالمعروف ان استطاع ان يجد لهم وظائف او ان انفق بعضا من "سرقاته" على قريته أو الحي الذي تسكنه عائلته او عشيرته.

ولسوف يصبح "الفاسد" بطلا في عينه "ربعه" ان هو كان من "اصل" كذا، لأنهم يرون فيه منافسا للثري أو الفاسد الآخر من الأصل الآخر.

الفساد الكبير، أو الأكبر، لا ينمو ولا يستمر إلا إذا ضمن فساد الصغير، أو الفساد الأصغر، إذا استطاع ان يخلق ثقافة "الشطارة" وثقافة نفع واستنفع، وجمع إليها آليات القمع فأنه لا أمل بان يتوقف الفساد.

إما الفساد الأصغر، فهو الخراب بعينه، خراب المجتمعات التي لم تعد ترى في "الحرامي" والحرامية غضاضة لا بل صاروا أبطالا، ورموزا اقتصادية ومشايخ، وزعامات جهات، وزعماء أحياء...الخ

كل شي صار مباحا، وكل شيء صار له مسوغ، الرشوة، الواسطة المحسوبية، التعدي على المال العام، استغلال المنصب الوظيفي، تضخم النفقات والقطاع العام والبطالة المقنعة..

سيان ان تكون رئيس وزراء سابق او حالي فاسد او موظف صغير مرتشي، فلا جناح عليك اذ كان اهلك يتعبرونك "بطلهم"...

كل يدور في فلكه، ويسبّحون ما بين الفسادين، انها عملية نهب وتراكم للثروة من قبل الفساد الكبير وتدوير "مضلل وعشوائي وتخريبي" للثورة من قبل الفساد الصغير..
 
الفساد صار علاقة اجتماعية اقتصادية مترابطة، فوقية وتحتيه، مؤسسي، مجتمعي، سياسي /ثقافي...

عن أي فساد يتحدثون، وأي فساد يحاربون...!

كان يقال "السمكة بتفسد من راسها"، بس هذا كان زمان...

إننا محكمون باليأس قطعاً، ذلك لأن لم يعد احد صالحا: لا رأس السمكة ولا ذيلها...

تعليقات

Comment Icon

very nice post ):

anyone | 26/07/2010, 13:36 [ الرد ]

Comment Icon

ادراج جريء وتحليل رائع.

زميل | 26/07/2010, 14:30 [ الرد ]

Comment Icon

Great article Mohomar

me | 26/07/2010, 15:41 [ الرد ]

Comment Icon

I like and agree with your analysis of our situation. We are getting closer to the end of the time, where we are placing unqualified people as our leaders.

Mohammad | 26/07/2010, 16:47 [ الرد ]

Comment Icon

يحبون الفاسدين ويكرهون الفساد!!!

زيزو | 27/07/2010, 22:26 [ الرد ]

Comment Icon

post momayyaz 3anjadd

...

rasha | 31/07/2010, 14:21 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba