” كل ما لا يؤنث لا يعول عليه”!!
29 ايلول, 2007

“أنا أم الأشياء جميعاً.. سيدة العناصر وبادئة العالم.. حاكمة ما في السموات من فوق.. وما في الجحيم من تحت.. مركز القوة الربانية.. أنا الحقيقة الكامنة وراء الآلهة والآلهات”..ايزيس…

 

هذه مادة كنت كتبتها قبل فترة لبرنامج “ركن الكتاب” الذي كان يعده ويقدمه في اذاعة عمان نت الزميل والصديق محمد شما، وهي عرض لكتاب “النظام الابوي واشكالية الجنس عند العرب” للدكتور ابراهيم الحيدري والصادر لدى دار الساقي في لندن عام 2006.

 

استعيد المادة هنا، لانني، كتبت مدونة عن “قتل الانثى الام”، فيما لا يدرك الرجل ان عصره بدأ بالافول.

النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب

يعتبر كتاب الدكتور الحيدري ، سفرا ومرجعا لقضية المرأة عبر التاريخ، ونكاد نقول بقليل من المغامرة، انه الكتاب الوحيد من نوعه في المكتبة العربية الذي بحث في الجذور التاريخية والاجتماعية والاقتصادية واللغوية والثقافية لاضطهاد المرأة بكل هذا الأفق العالمي والموسوعي.

 

يقدم كتاب “النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب”، على أكثر من 250 صفحة من صفحات الكتاب الأربعمائة عرضا لقضية المرأة عبر التاريخ وعند اغلب شعوب العالم.

 

انطلاقا من المؤلف الضخم للمفكر ياكوب باخوفن “حق الأم” الذي طبع في سويسرا عام 1861، وهو الكتاب الأول في التاريخ الذي حاول إثبات أن البشرية عاشت المجتمع الامومي قبل أن ينقلب الرجل على المرأة وحاول فيه باخوفن العودة إلى الحق الطبيعي للام، ينطلق الحيدري في دراسة سيوسيو-ثقافية لقضية المرأة.

 

يستعرض ويقرأ الحيدري في فصول كتابه من الأول إلى السادس تطور قضية المرأة متناولا الدراسات الأوروبية والاميركية أساسا حول الأسطورة والدين والتاريخ التي حاولت إثبات فرضية المجتمع الامومي مثل كتاب فردريك انجلز “اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، وأعمال المفكر لوس مورغان وكريستيان سيغرست وهنري مين وماكلينان وغيرهم. ويقرأ في وضع المرأة في أعمال فلاسفة مثل افلاطون وارسطو وسقراط وكارل ماركس وغيرهم وكذلك في الدراسات الانثروبولوجية وعلم الأديان المقارن.

 

يأخذنا الحيدري في جولة أفق موسوعية حول العالم وهو يستعرض في الفصول الأولى مكانة المرأة في مجتمعات بدائية وحديثة يصعب اختصارها، ويناقش دون أن يرفض أو يؤكد نظرية “الأنثى هي الأصل أو الأنثى المقدسة” وان كان يميل إلى هذه الفرضيات العلمية، كما يبحث في “نظرية الصراع الأزلي بين الجنسين”.

 

يركز الحيدري في الفصل الثالث على مكانة المرأة في الحضارات العليا القديمة في مصر القديمة ووادي الرافدين وتحول مجتمع بلاد مابين الرافدين من مرحلة الأمومة إلى المرحلة الذكورية عبر قراءة معمقة في الأساطير كأسطورة “جلجامش” التي تعتبر أول نص ذكوري بامتياز.

 

وينتقل في الفصل الرابع لدراسة وضعية المرأة في الغرب قديما وحديثا ويعطي انتباها خاصا للمرأة والحياة الجنسية والتحول الذي طرأ على فهم المجتمعات الغربية لجسد المرأة والجنس خاصة في المجتمعات الحديثة التي “سلعت” الجسد والجنس. ويفرد بابا واسعا لمناقشة “نظريات” سيغموند فرويد في المرأة تحديدا، وموقفه “المتخلف” منها وخاصة فرضياته التي باتت مدار شك حول عقد “حسد القضيب”.

 

وينتقل الحيدري في الفصل الخامس إلى مكانة المرأة ودورها في المجتمع العربي. وهو إذ يتناول وضع المرأة في الجزيرة العربية قبل الإسلام يخالف الكثير من الباحثين في فرضياتهم التي أعطوا فيها مكانة مميزة للنساء في المجتمع “الجاهلي” ويعطي الحيدري التحليل الطبقي نصيبا في الكشف عن وضعية المرأة إذا يعتبر أن النساء اللواتي كن على نصيب وافر من الحقوق في الجزيرة العربية قبل الإسلام هن الحرائر بنات الطبقات العليا من المجتمع. وهو يميل إلى اعتبار أن الإسلام الأول بنصوص القران تحديدا أعطى المرأة مكانة مميزة إلى جانب الرجل وحاول مساواتها ولكن إشكالية المرأة في الإسلام ظهرت بعد ذلك وتحديدا في العصرين الأموي والعباسي بعد توسع الدولة الإسلامية حيث تدنت مكانة المرأة بشدة، وهو يميل إلى اعتبار أن إشكالية المرأة ليست في الإسلام بل في المسلمين أو في المجتمعات أو الدول الإسلامية.

 

في فصله السادس يناقش الحيدري إشكالية الجنس عند العرب مركزا على مفهوم الجنس عند الرجل العربي وأفكاره حول “الفحولة” والرجولة ونظرته إلى المرأة كجسد ومفاهيم العفة والطهارة والشرف وهو منحاز بشدة للمرأة في هذا الفصل فهو يتجاهل نظرة المرأة العربية للجنس. بيد انه لا ينسى ما أصاب المرأة من حالة استلاب فكري واقتصادي عبر التاريخ وجعلها مقتنعة بدورها “الدوني” وبتركيزها على “الجسد والجمال” لإرضاء الرجل.

وينتقل الحيدري لتحليل الإشكالية التي طرحها أول من طرحها المفكر العربي هشام شرابي حول بنية النظام الأبوي العربي وإشكالية التخلف المجتمعي ويحلل أيضا المرأة في الخطاب العربي من خلال نصوص أدبية وتاريخية ثم يتناول بعرض تاريخي تحليلي الحركة النسوية في العالم العربي في مئة عام اعتبارا من مؤلفات رفاعة الطهطاوي  وبطرس البستاني وقاسم أمين الذي يعتبره رائد تحرر المرأة ويستعرض تاريخيا ظهور أول المدارس والصحف والمجلات سواء المتخصصة بالمرأة أو التي أصدرتها نساء عربيات ثم مكانة المرأة في المجتمعات العربية. وهنا نود الإشارة إلى فكرة المؤلف غير الواقعية عن وضع المرأة في الأردن خاصة وهو يركز على موضوع جرائم الشرف، ثم يتناول التراجع النسبي لمكانة المرأة العربية في العقود الأخيرة تحت تأثير ما يعرف بـ”الصحوة الإسلامية” وان كان لا يسميها.

 

بعد ذلك، يتناول حقوق المرأة بين النظرية والتطبيق وثقافة العنف والمرأة والعولمة مركزا على قضية الاستلاب وخاصة الفكري الذي تسببت فيه الثقافة الذكورية ويعطي حيزا للتفسير الذكوري لموضوع “قيمومة” الرجل الوارد ذكرها في القرآن وينتهي برسم صورة قاتمة للمرأة في المجتمعات العربية تؤكدها الدلائل الإحصائية مثل نسب الفقر والأمية بين المرأة العربية وغيرها من المؤشرات.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى قضية المرأة في الإعلام العربي وسيطرة الذكور وتسليع المرأة واستخدمها جسدا لإثارة المستهلك لمزيد من الاستهلاك.

وينتهي الحيدري بسؤال حول لماذا لم تتبوأ المرأة العربية مراكز قيادية عليا ويستعرض مشاركة المرأة السياسية في بلدان العالم التي لا تزال دون الطموح ويلتفت إلى المجتمع العربي الذي يبدو فيه الوضع كارثيا حتى بالمقارنة مع دول إسلامية أو مشرقية مثل الهند واندونيسيا وبنغلادش وسيرلانكا حيث وصلت المرأة إلى أعلى المراكز في هذه البلدان.

 

والحيدري في كتابه المرجع يضع القارئ في جولة تاريخية حول “السلطانات المنسيات”، على حد تعبير فاطمة المرنيسي في كتاب يحمل نفس هذا العنوان عن نساء تبوأن مراكز عليا في التاريخ العربي أمثال خيزران وشجرة الدر وتركان خاتون ورضية الدنيا والدين وسلطانات إسلاميات في اندونيسيا.

 

وينهي الحيدري سفره، في تحليل مختصر لأهم العوامل التي تعيق تقدم المرأة في العالم العربي وهو يوردها في ثلاث: النزعة الأبوية-البطريركية، الانقسامات الاجتماعية والطبقية وأخيرا ضعف مؤسسات المجتمع المدني.

 

وإذا كان الحيدري لم يخلص إلى تفاؤل المؤلفين الآخرين في “عودة النساء”، فانه اهدى الحركة النسوية والمرأة العربية، أهم كتاب عربي حاول فيه فك “شيفرة” ورموز الواقع المر وهو سلاح فكري آخر على درب الآلام الطويل لتحرر المرأة من تسلط الرجل الآيل إلى زوال.

 

اذا كان الرجل لا يزال يمسك بسلطة قاهرة فان كل الدلائل الاحصائية تشير إلى أن المرأة بدأت خلال العقود الأخيرة تحقق تقدما متزايدا على الرجل الذي استهلك نفسه بفكرة “الرجولة”، واكثر من ذلك فانه، على ما يقول الكاتب خالص الجلبي، أن “آخر الأبحاث التي صدرت كشفت اللثام عن وهم هذه الأسطورة ليعلن أن الذكر هو الحلقة الأضعف في الجنس البشري بل إنه مهدد بالانقراض في مدى 5000 جيل خلال 125 ألف سنة.

 

والدراسة تقول إن الذكر هو الأضعف مناعة والأقصر عمرا والأفشل دراسة والأقل ذكاء والأكثر هشاشة ومرضاً والأعتى إجراماً والأكثر إدمانا على الكحول والمخدرات والأكثر تسلطا وشنا للحروب، وهذه المعلومات قد نبتسم لها نحن الذكور أنها نوع من المزحة الخفيفة طالما كان الذكر يتمتع بموقعه القيادي وامتيازاته وأملاكه التي منها المرأة”.

“كل ما لا يؤنّث لا يعوّل عليه”، محي الدين ابن عربي…

 


تعليقات

Comment Icon

شكرا صديقنا محمد عمر على هذا التذكير لبرنامج ركن الكتاب ولهذا الملخص من الكتاب…أتأمل أن يعود البرنامج للأرشيف كي يتمكن القراء من معرفة الكثير من المراجعات التي قدمتها لعدة روايات وكتب ..وإذا كان هناك من صعوبة فخطوة مهمة ان يتم إعادة نشرها من جديد…خاصة تلك التي تتطلب الكثير من التفكير..

محمد شما | 11/01/2008, 12:43 [ الرد ]

Comment Icon

بارك الله فيك اخي العزيز

اغاني شعبي | 17/10/2008, 07:12 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba