جذور “الإرهاب الإسلامي”: صدى الأيام الغابرة في أربعة كتب
13 تشرين اول, 2007

هل أعادت حركات الاسلام السياسي المعاصرة، في عملياتها الانتحارية وإرهابها الفردي، احياء تراث اسلامي قديم، وهل بعثت الى الحياة مفهوما يقال ان أول من اخترعته في التاريخ الحركات الاسلامية السرية الباطنية. فهل التاريخ يعيد نفسه؟؟…

 

 

هل كان الإرهاب اختراعا اسلاميا صرفا؟، ما الفرق بين إرهابيي الامس البعيد وإرهابيي اليوم الحاضر؟.

وقع في خاطري وانا انظر مشاهد القتل اليومي في عواصم عربية ودولية ينفذها شبان مسلمون ان احاول تعميق معرفتي بجذور واسباب هذه الظاهرة ودوافع مرتكبيها.

وقد قرأت مؤخرا ما وقع فورا بين يدي من كتب هي :”أوهام الإسلام السياسي” لعبد الوهاب المؤدب الصادر لدى دار “النهار” عام 2002، ورواية “آلموت” للكاتب السلوفاني فلاديمير بارتول التي كان أنهاها عام 1938 وصدرت مؤخرا بترجمة وتحقيق هالة صلاح الدين لولو وحسان عباس، لدى دار ورد، دمشق، 2005 . وقد احالتني هذه الرواية إلى كتابين آخرين هما “الحشاشون” للمستشرق الانكليزي المعروف برنارد لويس، الصادر لدى دار المشرق العربي الكبير،بيروت عام 1980، ترجمة محمد العزب موسى. واخيرا رواية الكاتب الفرنسي اللبناني امين معلوف “سمرقند”، الصادرة لدى دار الفاربي، بيروت، 1997، ترجمة المرحوم عفيف دمشقية.

على اني سوف أحاول ما أسعفت، ان اعرض لتاريخ “الحشاشين” الذي يتم استرجاعه بكثرة هذه الايام كلما صار الى مناقشة اسباب الارهاب وجذوره، ولسوف استند الى الكتب الثلاث الأخيرة، وفي ذلك سبب، هو ان كثير من المؤرخين يعيدون نشأة ظاهرة الارهاب السياسي الى هذه الفرقة الباطنية.

الحشاشون : بين الحقيقة والوهم

منذ القرن الثالث عشر “أصبحت كلمة حشاش Assassin ، اسما شائعا في معظم اللغات الاوروبية وتعني القاتل أو بالتحديد الذي يقتل خلسة أو غدرا وغالبا ما تكون ضحيته شخصية عامة وهدفه التعصب أو الجشع”. بحسب برنارد لويس في كتابه “الحشاشون”.

وعلى ما تقول الروايات التاريخية، فان كلمة “حشاشين” بوصفهم “رسل الموت” دخلت التداول مع عام 1092 ميلادية.

في هذا العام وفي يوم خريفي من شهر ايلول سيتمكن رجل يدعى الحسن ابن الصباح، من السيطرة على قلعة “آلموت” المنيعة، في مازندان بجبال خوست شمال ايران، لتبدأ حكاية “الحشاشين” عبر مجرى التاريخ متأرجحة بين الحقيقة والوهم وليعاد نبشها الآن بفضل “رسل الموت” الجدد.

على الرغم من الاشكالات التي تطرحها الرواية التاريخية والأسئلة حول حدود الحرية في الرواية التاريخية الى ان رواية بارتول وهي تاريخية بامتياز، تنتح من معين تاريخي مليء بالاسطورة.

“اين يبدأ الوهم في الحياة..واين تنتهي الحقيقة؟”، عبارة يقولها الحسن ابن الصباح، في رواية “آلموت”، التي يتكيء بارتول فيها على التاريخ لصناعة الحكاية ولكن ليس لاعادة سرد التاريخ كواقع وانما ينشيء واقعا سرديا جديدا، على ما يؤكد ناشر الرواية في غلافها الأخير.

بيد ان تنظيم “الحشاشين” وعلى مدار اكثر من مائة وستة وستين عاما وقد تحول الى حركة سرية فريدة من نوعها في التاريخ، وكغيره من الحركات السرية، بقيت لغزا واشكالا محاطة بالقليل من الحقائق والكثير من الوهم بدرجة لا تقل في سيرتها التاريخية عن سردية رواية بارتول او رواية معلوف وربما لهذا السبب ألهمت هذه الحركة الروائيين لاعادة بناء الحكاية كل على طريقته.

وقد عزز الغموض أو الوهم حول “الحشاشين” عدم وجود ادب اسماعيلي خاص يروي تاريخهم وبقيت الحكاية مستندة اصلا على رواية المؤرخين السنة الذين افتقد أكثريتهم الجدة في روايته التاريخية بينما راح اكثرهم يروج الاشاعات حول “اعداء الله” الهراطقة.

تأسيسا على ما اشيع تاريخيا عن استخدام الحسن بن الصباح في آلموت لمادة الحشيش (القنب الهندي)، واقامة جنة الله على الارض لايهام اتباعه بانه يملك مفاتيح الجنة السماوية ودفعهم للتضحية بأنفسهم في سبيل العقيدة الإسماعيلية، يبني بارتول روايته ويذهب في سرد ممتع يزاوج فيه بين الحقيقة والخيال والحدث التاريخي، قصة جارية يشتريها الحسن الصباح اسمها حليمة ليستخدمها كـ”حورية” في جنته الارضية الموهومة، وقصة الشاب عوني ابن الطاهر المتحمس الذي انضم إلى القلعة بحثا عن ثأر لأبيه المقتول على أيدي رجال السلطة السنية.

تروي بعض كتب السنة والرحالة الاوروبيين أمثال ماركو بولو ان الحسن ابن الصباح وعندما استقر به المقام في قلعة “آلموت” التي اختلف في معنى اسمها بين “امثولة النسر” او “عش النسر”، واختلف الرواة ايضا في طريقة سيطرته عليها ما زاد في الاسطرة، راح يجمع الاتباع من كل ناحية في ايران وجعل من القلعة حامية عصية يتدرب في مدرستها الدعاة للعقيدة الإسماعيلية و “الفدائيين/الحشاشين” لمهمات الاغتيال التي ستنفذ لاحقا بحق أعداء العقيدة.

ومن ما تورده بعض الروايات وكتب التاريخ ومنها رواية بارتول، فان الحسن ابن الصباح اعاد بناء حدائق كبيرة موجودة بجوار القلعة كان بناها “ملوك الديلم” في ايران وحولها هو إلى فردوس او جنة مصغرة بصورة تشبه الى حد بعيد الوصف الحسي للجنة كما ورد ذكرها في القرآن.

وبعد سنوات طويلة قدرها بارتول بعشرين سنة من استقراره في القلعة أمضاها هو واتباعه في تدريب الفدائيين والدعاة بدأ الحسن ابن الصباح باختيار الفدائيين الذين سينفذون مهمات انتحارية هدفها اغتيال الأعداء السياسيين للحركة وقد استخدم الصباح “الحشيش” لتخدير هؤلاء ثم نقلهم إلى جنته الأرضية وايهامهم انه أرسلهم الى الجنة السماوية التي يمتلك مفتاحها وان من يريد العودة الى هذه الجنة عليه تنفيذ ما تتطلبه العقيدة من تضحية.

في رواية بارتول يختار الحسن ابن الصباح ثلاثة من الفدائيين الذين بروزا في اول معارك ضد جيش السلطان السلجوقي “ملكشاه” الذي أرسله لهدم القلعة بقيادة “ألب طاش”، وبين هؤلاء الفدائيين الشاب عوني ابن الطاهر الذي يتمتع بعقل “تشكيكي” ويرفض الركون الى اليقينيات والمسلمات، ويطلبهم الصباح الى معزله وهناك يعطيهم قرصا مخدرا صنع من الحشيش ثم يرسل بهم الى “الجنة” حيث يقضون ليلة يشاهدون فيها بأم اعينهم الجنة التي وعد بها الله المؤمنين. وبعد ايام قضاها الثلاثة في تحرق للعودة الى الجنة من جديد، يطلب الصباح من ابن الطاهر تنفيذ مهمة اغتيال الوزير الاكبر “نظام الملك”، الذي كان من ألد أعداء الدعوة الاسماعيلية.

يقبل ابن الطاهر بالمهمة بحماسة على أمل الموت ثم الارتقاء الى الجنة التي ترك فيها قلبه مغرما بهوى “مريم” احدى حوريات جنة الصباح، وخلال رحلته إلى اصفهان حيث مقر نظام الملك يزوده الصباح بحبوب صنعت من الحشيش يتناولها كل ليلة على ان يترك القرص الأخير للحظة تنفيذ عملية الاغتيال وحلما يصل ديوان الوزير يقوم “الفدائي الإسماعيلي” تحت تأثير المخدر واوهام العودة للجنة، بطعن نظام الملك بنصلة خنجر مسموم غير ان الضحية لا تسلم الروح فورا فيطلب نظام الملك من اتباعه إحضار منفذ عملية الاغتيال ويناقشه في عقيدته محاولا رفع الغشاوة عن عينيه، ويتمكن أخيرا من إبداء ما كان ابن الطاهر به جاهلا عن خداع الصباح وحدائقه الموهومة والجواري التي كان يشتريها من أسواق متعددة.

وإذ يدرك ابن الطاهر الأمر يتفق والوزير على العودة إلى “آلموت” لقتل الصباح جراء خداعه وبيعه الوهم للناس. ولكن الصباح عندما يعلم بعودة الفدائي يدرك ان في الأمر مكيدة، وهو الذي كان يوصي فدائييه بالموت عند تنفيذ عملية الاغتيال لإيقاع الرعب أو الإعجاب في أعين الحاضرين فيرهبهم او يكسبهم، ويطلب الصباح إلى معاونيه إحضار الفدائي العائد إلى معزله مكبلا وتدور بين الاثنين مناقشة فلسفية حول فكر ومخطط الصباح يركز فيها هذا الأخير على “العزة الفارسية” مقابل “الاستعمار العربي والتركي”، ويكشف له أسرار الحركة الإسماعيلية ومبدأها الأول “لا شيء صحيح كل شيء مباح”، والفرق بين المعرفة والجهل، الفرق بين ابن الطاهر الذي استخدم عقله وبقي في شك من أمر الصباح وبين يقين رفاقه الذين آمنوا به وماتوا مرتاحين دون ان تعذبهم المعرفة والشك، ويجادل الصباح أيضا بالفرق بين العامة والخاصة، وما هو مسموح للعامة بمعرفته وما يجب ان يخفى.

تنتهي المجادلة باقتناع الفدائي ليطلق الحسن سراحه ليذهب جوالا في العالم بحثا عن المعرفة التي هي “الهدية الأكثر رعبا للإنسان”.

أما حليمة فيشغف قلبها حبا بفدائي آخر اسمه سليمان كان أرسل مع دفعة ابن الطاهر إلى “الجنة” وقد طلب إليه الصباح لاحقا ان يقتل نفسه أمام مبعوث السلطان، الذي جاء طالبا استسلام القلعة ليريه قدرته على التأثير في اتباعه واستعدادهم للموت في سبيل عقيدتهم وفي سبيل تنفيذ إرادته فيفعل سليمان ذلك ورفيقه يوسف ويرميان بنفسيهما من فوق مرتفع ليموتا مؤقتا على امل العودة للجنة مرة اخرى. وعندما تعلم حليمة ان سليمان لم يحضر مع الدفعة الجديدة من الفدائيين الذين ارسلوا للجنة تدرك انه لن يعود فتلقي بنفسها في نهر “شاه رود” الهادر الذي يحاذي القلعة لتموت هناك جراء وهم الصباح وخديعته.

في مجرى السرد الروائي وعلى 565 صفحة يسرد بارتول من خلال حياة الحسن الصباح في القلعة، تاريخ الحركة الإسماعيلية في “آلموت” حتى موت الصباح. وعمليات الاغتيال التي نفذها فدائيو الصباح في عهده، التي سوف تتجاوز لاحقا بعد وفاته اكثر من مائة عملية اغتيال ذهب ضحيتها سلطان ورئيس وزراء واثنين او ثلاثة من قادة الحملة الصليبية وتعرض القائد صلاح الدين الايوبي لمحاولتين او ثلاث. وكانت الحركة الإسماعيلية تحتفظ بما تسميه “قائمة شرف” لمنفذي العمليات هذه.

ويروي بارتول الحروب الاولى التي خاضها الحسن الصباح مع جيوش السلاطين السلاجقة حماة الخليفة العباسي في بغداد، وتحالفات الصباح مع زوجة السلطان “ملكشاة” “توركان خاتون” ووزيرها “تاج الملك” والخلافات داخل القصر السلطاني ما أتاح للصباح سنوات طويلة من الهدنة عزز فيها موقع “آلموت”.

ومن خلال حوارات الحسن الصباح مع اتباعه يعرض بارتول فكر وفلسفة الحركة الإسماعيلية خاصة فكر الصباح نفسه الذي ابتعد كثيرا عن المنابع الفلسفية للحركة التي تأسست على فلسفة “اخوان الصفا”، ويكشف في روايته طبيعة الدعوة الباطنية للحركة الاسماعيلية ويميل الى توصيفها كاتجاه الحادي في الفكر الاسلامي.

ويركز بارتول اكثر على فكر الصباح الذي تحولت معه الاسماعيلية الى حركة شعبوية ومنظمة سرية شديدة التعقيد، مبنية على تراتب هرمي معقد يضم اربعة مراتب “اللصقاء، الرفاق، الدعاة ودعاة الدعاة” ولكن بين هذه المراتب توجد مراتب اخرى ويسود فوق هذه المراتب جميعا الداعية الأكبر الحسن الصباح.

ويبني بارتول روايته في الأساس على حياة الحسن الصباح وينهيها بموته او انعزاله وموته في نظر الناس فيروي عن طريقة حياته وتقشفه وصرامته في تطبيق القوانين التي سنها بما في ذلك قتله لابنه البكر حسين وانعزاله عن زوجتيه وبناته، وتتحدث الرواية عن علاقة ابن الصباح بالشاعر والفلكي والرياضي عمر الخيام الذي أوحت طريقة حياته للصباح بإقامة “الفردوس”، وعن علاقة الاثنين بالوزير الأكبر “نظام الملك”، وهو يتبنى هنا الرواية التاريخية عن الزمالة التي كانت تربط الثلاثة معا وعن تعهدهم في شبابهم ان يساعد من يصل فيهم يوما الى مكانة مرموقة صديقيه الآخرين.

ويسرد بارتول الكثير من الوقائع التاريخية حول الخلافات بين السلاطين السلاجقة وبينهم وبين الخليفة العباسي وتفكك دولة الخلافة والسلاجقة، وكيفية سيطرة ابن الصباح على عشرات القلاع الاخرى وعن انتشار الدعوة الإسماعيلية.

ولكن بارتول يبقى دائما في سرده ميالا الى الآخذ برواية أحادية تحيله دوما إلى الاسطورة والوهم، ولكن هذا لا يغني عن القول انه كان أمينا في سرد بعض الوقائع التاريخية نازعا عنها مهابة الاسطورة، كما أكدتها اكثر من مصدر.

بيد ان بارتول يركز كثيرا على تصوير حركة ابن الصباح على انها “حركة فارسية استقلالية” عن الاستعمار التركي والعربي ويتحدث عن حقد ابن الصباح على هذا الاستعمار القادم من “رعاة الجمال في الصحاري” وعن العزة الفارسية، فيقول مثلا على لسان الصباح “أتقبلون ونحن احفاد خسرو في فارس الغابرة أحفاد رستم والفردوسي ان ننضوي تحت راية لصوص الخيل في تركستان وان نطأطأ رؤوسنا للسلطان والخليفة في بغداد”، وهو ينهي روايته في هذا الاطار باعلان الصباح عن قراره بالاستقلال عن الدولة الفاطمية بالقاهرة الذي يقابل بفرح بين اتباعه.

إضافة الى ذلك فان رواية بارتول لا تخلو من عنصرية اوروبية تجاه الشرق ففي الرواية يزج بارتول بطبيب يوناني يقيم في القلعة كان تعرف إليه الصباح في القاهرة واحضره معه إلى “آلموت” لتدريس العلوم التطبيقية وهو إضافة الى هذه المهمة التي أعطاها له بارتول يصوره على انه الوحيد الذي كان دائما مشككا في كل ما يقول الصباح وفي جنانه وحشيشه وطرق تفكيره مقابل جموع المؤمنين التابعين فيضع بارتول العقل الغربي مقابل الإيمان الشرقي.

تفكيك الاسطورة

في كتابه “الحشاشون”، ترجمة محمد العزب موسى، يحاول برنارد لويس استنادا الى كتابات تاريخية نزع الكثير من الاسطورة عن تاريخ “الحشاشين والإسماعيلية” وهو يرفض التسليم بان صاحب قلعة “آلموت” استخدم الحشيش ويقول لويس ان هذه الكلمة لم تطلق على الامارة الإسماعيلية في ايران بل على الحركة الإسماعيلية في سوريا، حيث لا تزال تعيش طائفة إسماعيلية، ويرجح ان تكون كلمة “حشاشين” اطلقها المسلمون السنة في سوريا على الإسماعيلية من بابا الاستهزاء والاحتقار لعقيدتهم.

اما امين معلوف فيقول ان كلمتي “حشاش وحشاشين” جاءت من كلمة ” اساس واساسيين” التي كان يحلو للحسن ابن الصباح ان يطلقها على مريديه “الاساسيين” أي المتمسكين بـ”الاساس”، اساس العقيدة الاسماعيلية “وقد خيل للرحالة الاوروبيين الذين لم يفهموا معنى الكلمة ان لها صلة بالحشيش”.

وقد تضاربت الروايات التاريخية ايضا حول مكان تعرف الصباح على الحشيش فيعضهم قال انه تعرف على هذه النبتة المخدرة عندما كان يقيم في كابول بافغانستان كما يذهب بارتول وبعضهم يقول انه تعرف عليها في مصر الفاطمية.

ويرفض برنارد لويس الروايات التاريخية عن “الجنة” التي أقامها الصباح في “آلموت” وورد ذكرها في بداية الامر في قصص الرحالة الشهير ماركو بولو وربما كان سمع بولو عنها من أعداء الحركة الاسماعيلية. ويرى لويس ان بولو كان يخلط في استخدام المفاهيم بدون تميز بين تلك التي كانت مستخدمة في فارس والاخرى في سوريا ويرى ان لقب “شيخ الجبل” هو لقب أطلق على امير الإسماعيلية في سوريا “سنان بن سلمان”، القادم من البصرة والمعروف ايضا بلقب “الكيمائي”، وليس على حسن الصباح صاحب الموت، كما يقول بارتول.

كما يرفض برنارد لويس القصة التاريخية التي تتحدث عن علاقة صداقة وزاملة دراسة ربطت الصباح بعمر الخيام والوزير الاكبر نظام الملك وقصة التعهد بمساعدة بعضهم بعضا ويوضح لويس ان نظام الملك كان يكبر عمر والصباح بحوالي 30 سنة.

ويرجح امين معلوف ان عمر الخيام هو الذي قام بتعريف الحسن الصباح على نظام الملك وان الخيام نفسه تعرف على الصباح خلال رحلة له الى اصفهان لمقابلة نظام الملك الذي عرض عليه تولي ديوان “صاحب الخبر” (المخابرات) ورفضه الخيام ورشح الصباح لتسلمه وقد وافق الوزير الا ان وقعت بين الاثنين خلافات استدعت هروب الصباح الى بغداد وسوريا ومصر بعد ان أنقذ عمر الخيام صديقه الصباح من حكم اعدام.

ويحيط بحياة الصباح الغموض، فبرنارد لويس يعتمد على كتاب “شذرات” عن قصة حياة الصباح كتبها بقلمه اثناء اقامته في “آلموت”، وهو من بين بضعة كتب نجت من القلعة التي هدمها جنكيز خان حفيد هولاكو عام 1256.

ويقول معلوف ان المؤرخ الجويني، واضع سيرة جنكيز خان في كتاب “تاريخ فاتح الدنيا”، هو الذي انقذ هذه الكتب القليلة اذ كان يرافق الجيش المغولي عند استيلائه على القلعة بعد استسلام الخليفة الرابع حسن علاء الدين. وقد ضاعت في محرقة المغول مكتبة الموت الزاخرة.

وبعيدا عن الاسطورة والرواية فان كتاب “الحشاشون” لبرنارد لويس يؤرخ للحركة الإسماعيلية منذ نشأة الشيعة بعد خلاف المسلمين على خلافة ابو بكر وعلي وحتى انتهاء الدولة الفاطمية وأئمة الحركة الإسماعيلية بعد انشقاقها عن الشيعة الامامية عقب الخلاف على الامام السابع اسماعيل بن جعفر.

كما يتناول كتاب لويس ائمة الاسماعيلية في “آلموت” الاربعة وفي سوريا خاصة “سنان بن سلمان”، “الكيماوي”، وعلاقته بالصليبين ثم تحالفه مع صلاح الدين الايوبي حتى وخضوع الاسماعيلية للظاهر بيبرس، ويعرض لاماكن انتشارها في ايران ومصر وسوريا واليمن.

ويحاول لويس تفسير الجذور الاجتماعية للإسماعيلية واسباب تطورها وماهيته والظروف الاجتماعية والاقتصادية والدينية التي ظهرت خلالها.

ويعتبر برنارد لويس الحركة الإسماعيلية “أول حركة ارهابية في التاريخ” ويقول إن الاسماعيليين “كانوا بحق “الإرهابيين الأول” الذين استطاعوا تطويع الإرهاب لتحقيق اهدافهم السياسية”.

ويعتقد لويس ان الحسن ابن الصباح هو الذي اخترع “الوسيلة المسماة الإرهاب” وفقا لتعريف دائرة معارف العلوم الاجتماعية: “الإرهاب تمارسه منظمة محدودة صغيرة وتلهبه أهداف وواسعة النطاق يضمها برنامج متماسك ترتكب من اجله الأعمال الإرهابية”.

على أي حال فان كتاب لويس صدر عام 1967 ولا يزال تعريف الإرهاب مدار جدل.

يبتعد امين معلوف في روايته عن الأسطورة اكثر كثيرا من بارتول وهو يعنى أساسا بمدى تدخل الحسن الصباح في الخلافات الدائرة داخل القصر السلطاني السلجوقي خاصة بين زوجة السلطان “ملكشاة “توركان خاتون” وبين ابناء السلطان من زوجة ثانية وسعيها للتحالف مع الصباح لقتل الوزير الأكبر بما يمهد الطريق إلى ابنها لتسلم الحكم.

ولكن معلوف أيضا لا يختلف كثيرا عن برناد لويس في اعتبار الحسن ابن الصباح اول من اخترع “الارهاب” بمعناه السياسي بل ويركز على قضية “الانتحار والاستشهاد” ويؤكد على ان ابن الصباح لم يكن يهدف الى قتل الأعداء بقدر حرصه على موت منفذي العمليات أنفسهم لايقاع الرهبة والإعجاب في قلوب الناس فيرهب ويستميل الاتباع الجدد ويؤكد على ان ابن الصباح والإسماعيلية كانت تركز دائما في ان تحدث عمليات القتل ايام الجمع خلال الصلاة حيث يحتشد جمع غفير من الناس لاحداث الصدمة المطلوبة.

الرأي الاخر

اما الكاتب التونسي عبد الوهاب المؤدب في كتابه “اوهام الاسلام السياسي” الذي ظهر بعد احداث 11 ايلول/سبتمبر، فيرى انه من الظلم ارجاع جذور الارهاب الحالي الى تطور الاسلام والى الحركة الاسماعيلية ويرى ان هذه الهجمات الانتحارية ارتكبت باسم الاسلام، لكنها لا تمت بأدنى صلة لتقاليد الاسلام ولا لحضارته، وانما هي ثمرة تطرف ديني ينطلق من تفسير حرفي للنص (القرآن).

ويري المؤدب ان عملية توطيد التطرف (الارهابي) الاسلامي الذي بلغ ذروته القصوى في اعتداءات 11 ايلول، بدأت في نهاية عقد الثمانينات بانتصار الثورة الاسلامية بقيادة الامام الخميني في ايران، واحتلال الجيش السوفياتي لافغانستان.

ويرى المؤدب في كتابه ان الإرهابيين الجدد هم نتاج عصرهم وابناء عالم العولمة والامركة، بقدر ما هم ايضا نتاج تطور داخلي في الاسلام.

وفيما يخص الجذور التاريخية للإرهاب خاصة البحث الدائم عن “السرية والتنظيمات السرية” والعمليات المعقدة، وهو حديث يثار الآن مثلا منذ عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، يقول المؤدب انه يجب اخذ الحذر في تحليل هاتين الخاصتين وعدم السعي الى تفسيرهما بالعودة حصراً الى تاريخ الاسلام وحضارته.

ويقول المؤدب انه على الرغم من ان برنارد لويس في كتابه “الحشاشون” قدم مثالا للتنظيمات والعمل السري يمكن اسقاطها على تنظيم مثل القاعدة. الا انه يرى ان ان العناصر التي قامت بالعمل الانتحاري في 11 ايلول لا تقل عدمية عن شخصيات الروائي الروسي فيودر ديستوفسكي في كتابه “الممسوسون” او كتاب آخرين. ويرى ان انتحاري 11 يتناول كانوا في حالة يأس نيتشوي اكثر مما كانوا يعبرون عن بطولة اسلامية.

ويرى ان اعادة توظيف اسطورة الحشاشين تفسيرا للاعتداءات الارهابية بسبب تضافر العامل السياسي مع السرية، تنطبق فقط على العمل الإرهابي نفسه اكثر من جذوره الاصولية.

ويعرب المؤدب عن اعتقاد بان استرجاع الحشاشين رأي غربي اكثر منه اسلامي. ومحاولة استلهام شخصية الحسن ابن الصباح تندرج في هذا السياق وانها وظفت أحيانا كثيرة بطريقة عابثة.

ويرى المؤدب ان هنالك فرق كبير بين الافق العقائدي للاسماعيلية والافق العقائدي للاصوليين الارهابيين الجدد ففيما يجهد هؤلاء في اقامة الشريعة في الحياة والعلم وتبدي هوسا بالمعنى الظاهري، عملت الاسماعيلية على تقويض هذه الشريعة واضفت على المعنى لباطنية قدسية خاصة.

ويرجع المؤدب جذور الاصولية التي يعتبرها داء الاسلام الى زمن الخليفة المتوكل وصدور “الوثيقة المتوكلية” حول العقائد الصحيحة لأهل السنّة، التي اعتبرت القرآن مخلوق ازلي قديم قدم الخلق وواقفت الاسئلة واحالت كل فقه الى النص وكل ذلك لخدمة المؤسسة الاشعرية الحنبيلة، نسبة الى الفقيه احمد بن حنبل احد الفقهاء السنة الاربعة وهو الأكثر تشددا من غيره في العودة الى النص عودة كلية والسير على خطى السلف.

ثم جاء ابن تيمية الذي عاش فترة عصيبة من حياة المسلمين وهو ما اتباع ابن حنبل المتشددين وعمل جاهدا على تنقية الخطاب الديني من أي انعكاسات فلسفية يونانية وشهّر بعدد من المذاهب الباطنية معتبراً انها من البدع بسبب ما توليه من اهمية للتأويل. واضافة الى ذلك فهو أولى موضوع الجهاد اهتماما متميزا في كتابه “السياسة” وساوى بينه وبين الصلاة.

وينتهي المؤدب الى محمد بن عبد الوهاب، صاحب الدعوة الوهابية التي تنتسب اليه، فهو القائل، بنظرية ابن حنبل المتقاطعة مع نظرية ابن تيمية. ويرى المؤدب الشبه بين الظروف التي عاشها ابن تيمية وعبد الوهاب ففيما كان المسلمون يعانون من الغزو المغولي ايام ابن تيمية كان العرب يتراجعون مقابل عصر النهضة والتنوير في اوروبا.

وتعززت هذه العودة الى السلف مع حسن البنا، مؤسس “الاخوان المسلمين” ثم الباكستاني ابو علي المودودي وسيد قطب الذين كانوا يقترحون على المسلمين إقامة مجتمعهم الفاضل المضاد في نظرهم للمجتمع الغربي الموسوم بالرذيلة والشيطان ، والعيش في مدينة محتشمة يحيا فيها سكان مصابون بالعدمية والحقد. وعلى رأي سيد قطب فكل ماضي البشرية وحاضرها متهاو، وكل فكر، وكل تصور، هو من التقصير بحيث يستحق التدمير، اذ يجب القضاء على كل شيء باستثناء كلام الله. . وبذلك يضع قطب بحسب المؤدب خصائص الانسان “ميتا - حيا” على هذه الارض المحروقة.

ويقول المؤدب ان هذه النظرة العدمية التي لا تتوافق مع الاسلام التقت بالمذهب الوهابي لتتشكل الاصولية الاكثر شؤما، واصبح معتنقوها يتكاثرون. ويرى ان الاصولية تزهر في تربة الفشل فهي ازدهرت على اثر التجارب القومية الفاشلة وهزيمة 1967.

ويرى المؤدب انه في فترة لاحق هاجر آلاف خريجي الازهر انصاف المثقفين بحثا عن الرزق في السعودية مما عمق الصلة بين الاصولية والوهابية وفي اوائل الثمانينات صارت عملية الربط على ارض افغانستان التي نجم عنها نظام طالبان وتشكل تنظيم “القاعدة” بزعامة الوهابي اسامة بن لادن والاصولي المصري ايمن الظواهري.

كنت انوي عرض كتاب “الجماعات الاسلامي..رؤية من الداخل” لمؤلفه المحامي منتصر الزيات الذي كانت نشرته صحيفة “الحياة” على حلقات في شهر كانون الثاني/يناير 2005، بوصفه تطبيقا عمليا لرؤية المؤدب وتفسيره لنشأة الارهاب السياسي الجديد. ولكن قد يحتاج الكتاب مراجعة منفصلة.

 * هذه المادة كنت كتبتها لبرنامج “ركن الكتاب”، الذي كان يعده ويقدمه لاذاعة عمان نت الزميل الصديق محمد شما، ونشرت في شباط/فبراير 2005. اعيد نشرها هنا رغبة مني في تجميع ما يخصني على هذه المدونة.

 

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba