كيف يمكن أن يحصل هذا، أن تنتهي من قراءة كتاب فتجد نفسك مشدوها وغير قادر على تفسير هذه الحالة...
عندما كنت في القاهرة قبل أربعة أيام عثرت بالصدفة وفي بسطة كتب على جسر قصر النيل على رواية صاحب "العطر" باتريك زوسكند "الحمامة"...
رواية "الحمامة" هذه قصيرة جدا لا يزيد عدد صفحاتها على المائة صفحة وربما يمكن اختصارها إلى سبعين لو كان الخط اصغر...
بدأت في تصفح الرواية عندما جلست في مقهى بالقرب من ميدان التحرير وإذ هي تأخذني فقررت العودة إلى الفندق لاستكمالها، وقد قراءتها في اقل من ثلاث ساعات وأنا في حالة دهشة حقيقية وأغلقت الصفحة الأخيرة منها دون أن أدرك ما الذي أصابني وما هو سر هذا الكتاب ولماذا كل هذه الدهشة حياله...
الرواية تقوم على شخص واحد وفي يوم واحد، جوناثان نويل جريح حرب سابق يأتي إلى باريس ويعثر في لحظة حظ نادرة على عمل كحارس بنك وغرفة صغيرة في الطابق السابع من مبنى كل سكانه من الخادمات والمهمشين...
بعد حياة طفولة معذبة وإصابة في الحرب وخيانة زوجته له يصل جوناثان نويل إلى استنتاج انه "لا يمكن الاعتماد على الآخرين، وإذا أراد أن يعيش بسلام فعليه إبقاء الناس بعيدين عنه"..
يحيا نويل حياة هادئة رتيبة وروتينية لا يقطع هدوئها أي شيء ولا يعكر صفوها أي تدخل من أي إنسان آخر...
نويل في الثالثة والخمسين من عمره، وسط العيش في عزلة، تتحول غرفته محبوبته فهي التي تمنحه الأمان فيقرر شراءها...
يستيقظ نويل ذات صباح ليذهب الى الحمام المشترك استعدادا للذهاب إلى العمل فيجد على باب غرفته حمامة تحدق فيه بعينها اليسار ودائرة البؤبؤ السوداء للعين تثير رعبه، يرتد إلى الغرفة ويكاد يحبس نفسه فيها لا يقدر على الخروج ويجبر نفسه على التبول في مغسلة الغرفة وأخيرا يقرر الخروج الى العمل فيخرج كما لو كان هاربا من شيء مخيف ويقرر: "غدا سوف اقتل نفسي"...
تنقلب حياة نويل الذي استطاع ان يرعى عزلته ويبدأ باكتشاف حياته من جديد، ويختل كل النظام الروتيني الذي أقام فيه أكثر من 25 سنة...
قد يتصور البعض ان رؤية حمامة نوع من المبالغة عند زوسكند ولكن هذه هي الحبكات التي يشتغل عليها زوسكند، حدث صغير وغريب جدا يقلب حياة انسان، تفصيلة صغيره مثل حاسة الشم عند غرينوي في "العطر" تحوله الى قاتل...
بالنسبة لي، لم استطع تفسير سر اندهاشي من هذه الحكاية القصيرة...
عندما أتأمل حياتي، خاصة خلال السنة الأخيرة، أجدها تشبه إلى حد بعيد حياة عزلة نويل، اشعر ان حياتي هادئة جدا بدون مشاكل حقيقية، حققت عزلة أمنت لي حياة سكينة تامة، أبعدت الناس عني وابتعدوا هم بدورهم عني أيضا، وهذا يشعرني براحه "فالآخرون هم الجحيم" وان كنت في أحيان اشعر بحنين للاندماج مع الناس أو أتصرف بطريقة خرقاء كان اتصل بأحد ما أو أحاول نسج علاقة ما او أفكر بارتباط ما....
غير ان زوسكند ربما أراد أن يقول إذا كان نويل يعتقد ان الآخرين هم الجحيم والانعزال عنهم نعمة فان حدثا صغيرا مهما كان قد يخل بكل نظام حياة الإنسان وسكينته وليس بالضرورة ان يتأى الأذى من الآخر...
ربما يكون زوسكند على حق ، ولكن العزلة تبقى أفضل كثيرا من قرف الاندماج ومتطلباته، حتى لو كان لهذه العزلة ثمنا باهظا. وفي انتظار الحدث الصغير الذي قد يفجر كل عقد الإنسان من أزمة منتصف العمر إلى عقد الطفولة أو يخل نظام حياته الرتيب الخالي من المشاكل يبقى "الآخرون هم الجحيم الحقيقي"...
بالمناسبة الروائي باتريك زوسكند اختار ان يعيش في حياة عزلة تامة عن الناس لدرجة أن أحدا لا يعرف مقرا له او طريقة اليه واختار ان يرفض أي جائزة ادبية عرضت عليه ، مستمتعا بلذة الكتابة ونصوصه أكثر من أي مديح او ثناء او جائزة وهو حتى اللحظة لا احد يعرف اليه سبيلا مع كل الشهرة التي حققتها اعماله وخاصة "العطر" التي حولها المخرج الألماني توم تاكوير الى فيلم بديع عام 2007....
نعم ما وصفته صحيح كليا تبدا بقراءة كتاب ولا تسمح له بالهروب من بيد يديك وعند انتهائك منه تشعر بانه كنز وتحسد من لم يقرأه لأن شعورا جميلا سيشعر به عند قراءته مررت بالتجربة عندما قرات القصص القصيرة لغسان كنفاني
محمد شلطف | 29/01/2008, 04:13
I think that training oneself to handle problems of living with people is better than living all by yourself. Al janneh men '3air nas ma btendas
The Observer | 29/01/2008, 11:37
مرة أخرى تدعونا للتفكير بمفهوم العزلة.
أن تنعزل عن الناس هو أن ترفض إحدى مرايا نفسك وليست الصورة التي تعكسها نفسنا لنفسنا هي بالصورة الكاملة.. صحيح أنها صورة تساهم العزلة عن الآخرين في بلورتها، لكنها صورة ناقصة عن حقيقة الإنسان التي يبقى جزء منها معلقا في نظرة الآخرين إليه، نظرة يعجز هو عن تكوينها مهما وقف أمام مراياه، فالمرايا معروفة بفن الخداع..
لست متيقنة لكن هذا التفكير الذي أتاني في هذه اللحظة..
لم أقرأ الحمامة وإن كنت أعرف هذا الشعور الذي تتركه بعض الكتب فينا..
قرأت العطر مرات ومرات، وكان في فترة قد تحول إلى كتابي المقدس، لدررجة صدمني معه الفيلم الذي صدقا لم ار فيه ما الذي يجعله بديعا..
بكل الاحوال مرحبا بعودتك الى فضاء التدوين
هي | 30/01/2008, 00:42
الأستاذ محمد عمر
استمتعت فعلاً بتصفح وقراءة مدونتك، واستمتعت بعرضك وحكايتك مع "الحمامة" الغريب في الأمر أن هذه النوفيلا -الرواية القصيرة- ممنوعة عندنا في السوق، ولكن لحسن حظي حصلت على نسخة بطريقتي..!
دمت بخير وود
بسمة فتحي | 19/02/2008, 16:20
شكرا لك على هذا الاطراء
الحمامة غير ممنوعة، بحسب ما اعرف ، وهي متوفرة في السوق وخاصة في مكتبة دار الاهلية بثلاثة دنانير فقط..
مشكلة بائعي الكتب انهم يدعون ان الرقابة تمنع بعض الكتب اما لرفع سعر الكتاب او اما لتحميل الشاري جمايل...
حسب ما اعلم انه لم يعد يوجد الكثير من الكتب الممنوعة في البلد...
شكرا لك مرة اخرى
محمد عمر | 19/02/2008, 16:26
عندك ... عام من العزلة
وربما شجرة الكستناء تنتظرك
وتنتظرني
أورليانو الأب | 24/02/2009, 21:10
تحياتي
الوحده خير من جليس السوء
Hatem Abunimeh | 28/01/2008, 23:20 [ الرد ]