الملف الشخصي
الاسم: mohammad omar
القائمة
بحث

ماذا علمتني الحياة...؟
18 نيسان, 2008

"إن كتاباً في السيرة الذاتية لا يمكن أن يصبح محلاً للثقة إلاّ إذا كشف بعض الأشياء التي تشين صاحبها".. جورج أورويل...

 أخيرا فرغت من قراءة كتاب " ماذا علمتني الحياة؟ "، وهو كتاب في السيرة الذاتية للمفكر والاقتصادي المصري جلال أمين ابن الكاتب الإسلامي احمد أمين صاحب كتب "ضحى الإسلام" و "فجر الإسلام"..

فرغت من كتاب جلال وبدأت في قراءة السيرة الذاتية للاقتصادي والمفكر المصري المعروف سمير أمين في كتابه "مذكراتي". وقد قطعت شوطا لا بأس به من الكتاب...

وقد أعجبتني فكرة عقد مقارنة بين سيرة حياة مفكر واقتصادي مصري مسلم او نشأ في بيئة إسلامية كجلال، وتقلب بين أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي والماركسية والوضعية المنطقية وانتهى بالتعاطف مع الدين الإسلامي، على الرغم من علمانيته. ومفكر واقتصادي مصري مسيحي قبطي النشأة، وعى على العالم ليعتنق الماركسية وبقي على إيمانه بها، الى حد ما حتى الآن، وان كان معروف عن سمير امين بأنه من مفكري "العالم ثالثية"...

وربما ستكون المقارنة طريفة ومفيدة. اذ ان الاثنين من جيل واحد، وتشكل سيرة حياة كل منهما مسيرة في تاريخ عربي لا يزال يلقي بظلال كثيفة على الحاضر...

أكيد لن اعرض المقارنة في هذه التدوينة كوني لم انهي كتاب سمير...

أريد ان اعتذر عن فكرة كتبتها في تدوينه سابقة عن ان كتّاب السيرة العرب لا يجرؤون على تناول حياتهم الشخصية. فهذه الفكرة تبدو ليّ وقد انتهيت من كتاب جلال كان فيها استعجال وحكم إطلاقي.

فكتاب جلال كان فيه "بوح" شخصي جريء بعض الأحيان خاصة في الصفحات الأخيرة من الكتاب في الفصل المعنون "البدايات والنهايات"...

وجلال إذ يستشهد بمقولة اوريل التي في مقدمة المدونة هذه، فهو اختار ان يتحدث ويبوح بالشخصي لانه اكتشف ان أفضل الكتب والمقالات والتدريس ما ينطلق من الخاص الى العام. وهو أي جلال كتب عن عائلته ووالده وأمه وأشقائه بشكل اقتحم فيه بعض خصوصياتهم وخصوصياته. وان كان كما قال انه اختار ان "يصقل" الحقيقة لا ان يقولها كلها، ذلك ان ليست الحقيقة مفيدة بحد ذاتها بمقدار ما هو مفيد من قول بعضها...

حكاية جلال مع خلط الخاص بالعام، كوسيلة جيدة للكتابة وأثبتت جدواها، ربما تشجعني وتشجع المدونين، فالتدوين على النت انطلق أساسا ككتابة شخصية او كتابة تنطلق من يوميات وحياة المدون لتعكس الواقع العام...

إذا كان جلال كتب سيرته تحت هذا العنوان "ماذا علمتني الحياة؟ ". فهو أراد من هذا الكتاب كما يقول :" مجرد الأمل في أن يجد بعض القراء فيه ما قد يخفف عنهم بعض الأحزان، أو يزيد من قدرتهم على الاستمتاع ببعض بواعث السرور. بل حتى إذا لم يتحقق هذا النفع ولا ذاك، فقد تفيد قراءة الكتاب في شيء واحد على الأقل ، وهو أن يعرف القارئ، ان لم يكن قد عرف بعد، ان الناس أشبه كثيرا، بعضهم ببعض، مما قد يظن ، سواء فيما يتعرضون له من بواعث السرور أو فيما لا بد أن يصادفوه ، بين الحين والآخر ، من خيبة أمل"...

طيب...

اذا كان هذا مقصد جلال، وهو من قال في نهاية كتابه انه كان يقرأ الكتب ويشاهد الأفلام ويستمع للموسيقى لانه كان يتصور ان هناك ثمة ما يسمى بـ"الحقيقة" أو "حقيقية الأشياء"، او ان هناك "إجابات نهائية وحاسمة" كان يبحث عنها في هذه الثقافة. ليكتشف لاحقا ان ليس لكل هذه الأشياء وجود ، على الأقل في الكتب، وليكتشف ان الكتب المفيدة نادرة جدا، وانه الآن لا يقرأ من الكتب الا تلك التي تقول له "ما يعرف" أو الكتب التي تزيده فهما لما يعرفه مسبقا والكتب التي تبعث السرور فيه...

هذه خلاصة تجربة جلال مع الكتاب. وهو ابعد من ذلك ، يرى ان الكتب التي تزودنا بالمعرفة، ليس بالضرورة سوف تساعدنا على التحليل أكثر أو الفهم أكثر...

المهم...

أردت أن أجمل ما قاله جلال حول الكتب تحديدا، لأقول ماذا علمني كتابه او بماذا أفادني؟، طالما انه قال ما قال...

أول ما أفدت من كتاب جلال هو المتعة والسرور بقراءة كتاب جيد، ليس في السيرة الذاتية وحسب، بل في سيرة مسيرة عربية ممتدة منذ بدايات القرن الماضي وحتى العام الماضي من القرن الواحد والعشرين.

كتاب جلال جولة في تاريخنا، يكتب عنا وليس عنه، عن تحولات المجتمع والدولة والسياسة والاقتصاد في العالم العربي...

كتاب جلال ينتهي بخلاصات كبيرة، قد لا تشكل حقائق أو إجابات حاسمة ونهائية عن أسئلة تدور في الذهن . لكنها تكشف عن مدى أهمية الكتب والشهرة والمعرفة ومعنى السرور والحزن وبواعثها واختلافها من شخص إلى آخر، ومدى خسارة الإنسان عندما يتخذ موقفا قطعيا من الأشياء كموقفه السابق من الدين.

وسواء اختلفت مع جلال في نظرته إلى الدين او اتفقت معه ، فالفكرة انه يريد ان يقول انه كان على خطأ عندما اغلق عقله تماما ، وانه كان عليه ان يكون صاحب عقل أكثر تفتحا مما كان عليه، على الأقل في مرحلة الشباب...

 وهو ، أي جلال، يصل بالقارئ في النهاية إلى أن يخلص إلى نتيجة واحده، أو أنا خلصت لها، هي أن : اقبل على الحياة بدون أي صور نمطية أو حكم مسبق وقطعي أو تطلعات زائدة عن اللزوم أو تحميل النفس أكثر مما تحتمل فكلنا في النهاية اناس عاديين لنا قدراتنا ولنا إمكاناتنا ، واستمتع بما أنجزت وبما لديك...الخ.

تعلمت من كتابه أكثر من مسألة أيضا، منها ما قاله هو أن حيوات الناس تتشابه حتى مع وجود فوارق طبقية وثقافية وجغرافية. وهي تتشابه أكثر في منطقتنا العربية ربما للسبب الذي ركز عليه هو ، واقصد الدور الحاسم أو على الأقل الدور ، الرئيسي،  للثقافة والدين وليس الاقتصاد كما كان يقول ماركس. لذلك فان جلال أمدني بالفرح والعزاء والتشجيع...

تذكرت مثلا، عندما تحدث جلال عن مرض شقيقه عبد الحميد النفسي. وعندما كتبت عن مرض شقيقي في مدونة سابقة، وكتابة جلال أمدتني بالتشجيع على مناقشة همومنا والحديث والبوح بها لعل فيها فعلا إفادة أو تشجيع أو عزاء. وقد استفدت من ما ورد عند أمين.

تعلمت من كتاب جلال أكثر من موضوع. لكن أهمها أن حياتنا لا تستحق كثيرا ان نأخذها على محمل الجد بأكثر مما يجب، وهذا ليس بسبب الكآبة حتى لا يغضب أحدا عليّ . ولكن لأننا في نهاية المطاف أفراد لا نمتلك سوى قدرة محدودة على التأثير ومحكمون "بدولابنا" وأننا في النهاية يجب ان نعيش الحياة بأكبر قدر ممكن مما يحق لنا السرور والرضا عن النفس بدون ملاحقة كل ما يقدم لنا من "استهلاك وثقافة" على أساس أنها من ضروريات الحياة...

هذا لا يعني ان ليس في الكتاب ما اختلف فيه مع الكاتب او ما لم يعجبني فيه...

ومن الاشياء التي استفزتني في الكتاب . هو نظرة امين لدول الخليج، التي قد تنسحب على الدول العربية الاخرى حديثة التكوين. فهو يعتبرها دولا "مصطنعة وغير حقيقية". وقد لمست في موقفه هذا نوعا من التعالي او "العنصرية"... 
 

صعب جدا أن اعرض لكتاب جلال فهو "سفر" ثقافي ومفيد حقيقي.

على الانترنت يمكن أن يجد أي قارئ مراجعات مهمة للكتاب الذي صدر عام 2007 لدى  دار الشروق بمصر. وطبع للمرة الثالثة خلال عام ، وهذا لوحده يبعث على الأمل في ان الكتاب بشكل عام، والمفيد منها بشكل خاص، لا يزال بخير وان امة اقرأ "تقرأ ". لكن بنخبوية...

تعليقات

Comment Icon

أهنئك على هذه التدوينة التي اعتبرها من أفضل ما قرأت منذ فترة
لم أعتد مديح المدونين ولكني أجدني مجبرا لأخبرك بأن ما كتبت عميق جداً لكل من يقرأ وهذا دليل صدق واخلاص في الكتابة تستحق المديح عليه كما أنصح من يقرأ هذه المقالة أن يعيد فهم كل فقرة بقراءة ثانية
من أكثر الفوائد التي نجنيها من قراءة السيرة الذاتية لأي مفكر هي الاستفادة من تجاربهم الجيدة وأن نحذو حذوهم فيها وتجنب الوقوع في نفس الأخطاء جيلا بعد جيل
سيكون كتاب جلال أمين كتابي القادم بكل تأكيد...والفضل لك فشكراً

محمد شلطف | 18/04/2008, 20:42 [ الرد ]

Comment Icon

بالنسبة لي، أفضل هذا النوع من المواضيع، وهو قراءتك لكتاب معين بغض النظرة سيرة ذاتية أو غير ذلك، وعرض الكتاب وتحليله، فطريقة العرض والتحليل للكتاب تشجع على قراءة الكتاب.
نقطة ثانية، من الممكن انك تسرعت قليلا في حكمك على الكاتب بالعنصرية والتعالي عند وصفه لدول الخليج أنها مصطنعة وغير حقيقية، ليس لانها بالفعل كذلك، ولكن رأيه لا يعني بالضرورة تعالي الشخص وعنصريته وخصوصا اذا تكلم عن حقيقة واضحة.
اتمنى رؤية المزيد من هذا النوع من التحليلات، فهي تعرفنا على كتب نجهلها وتغرينا لقراءة هذه الكتب.

عروبة | 18/04/2008, 21:28 [ الرد ]

Comment Icon

في سياق الحديث عن دول الخليج أشار الأخ مهند عربيات اليوم الى هذه المقالة المهمة لعبد الباري عطوان...

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\18z41.htm&storytitle=ffصرخة%20تحذير%20خليجية%20متأخرةfff&storytitleb=عبد%20الباري%20عطوان&storytitlec=

محمد شلطف | 19/04/2008, 10:08 [ الرد ]

Comment Icon

شكرا سيد محمد ع هاد التحليل...

متابعة | 19/04/2008, 07:10 [ الرد ]

Comment Icon

اشكر الاصدقاء على هذه التعليقات.
المشكلة يا صديقي محمد ان مصر بعظمتها وابهتها بقيت محكومة خلال الاف السنين من مستعمرين واغراب وعائلات غير مصرية حتى ثورة عبد الناصر عام 1952. واليوم اكثر حكامنا مش اكثر من مجرد واجهات ديكورات للاميركان والفرس والافرنج والهنود والواق واق وكل اغراب واغيار العالم . وكل مجتعاتنا تحولت الى كتل بشرية نهمة للاستهلاك او جائعة او متطرفة يعني خلطة عجيبة. اورطة ناس لا هم مجموعين ولا هم مقسومين
يعني ما في حد احسن من حد..

محمد عمر | 19/04/2008, 10:44 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba