ما كنت انوي كتابة أي تدوينة الآن. لولا ان صوت محمد اديب الدايخ أصابني بنشوة خاصة أخرجتني من حالة ضيق عابرة...
ووجدت نفسي متحمسا للكتابة عن كتاب المفكر الاقتصادي المصري الشهير سمير امين " مذكراتي"، والكتاب للأسف ترجمه عن الفرنسية، وصدر لدى دار الساقي العام 2006.
وفي الكتاب هفوات كثيرة في الترجمة وأخطاء مطبعية تفقد القارئ في أحيان إمساك المعنى المقصود ومع ذلك فهذه الهفوات لا تفقد الكتاب قيمته.
يبدو "مذكراتي" استكمال لسيرة حياة سمير التي سجلها في كتابة "سيرة ذاتية وفكرية" ، وان كان "مذكراتي" يركز أكثر على تطورات أفكار وأراء المؤلف وسيرته المهنية والسياق التاريخي الذي عاش فيه منذ عام 1931 عام ميلاده وحتى 2002.
تعرفت على افكار سمير خلال دراستي في كوبا، وقد درسنا "نظرياته" في مساق "نظريات اقتصادية معاصرة" ، وكان يعتبر بحسب "المدرسة الكوبية" من منظري "التبعية والعالم ثالثية"، على غرار الأرجنتيني راؤول بربيش والبرازلي كاردوسو والمصري اسماعيل صبري عبدالله.
على أي حال، فان امين يعتبر هؤلاء وخاصة كاردوسو وإسماعيل صبري من أصدقائه المقربين جدا وقد عمل اسماعيل ولا يزال امينا عام لمنتدى العالم الثالث الذي اسسه سمير، حين كان يعمل في دكار مديرا لمعهد التنمية الاقتصادية والتخطيط التابع للام المتحدة. وهو المعهد الذي تعرض لـ"تخريب" اميركي.
وبالمناسبة فان سمير في كتابه "مولع" بمعادة اميركا، ففي الفصل الذي يتحدث فيه عن عمله في المعهد يسهب كثيرا في الحديث عن المؤامرات الاميركية للسيطرة على الامم المتحدة وتخريب أي جهد حقيقي يقوم به الآخرين لوضع الأمم المتحدة على السكة الصحيحة, وهذه السكة بحسب سمير هي ان تكون الامم المتحدة "نواة تنظيم حقيقي للقرية العالمية"...
على أي حال، يستعرض سمير حياته منذ لحظة والدته لأسرة قبطية برجوازية لابوين طبيبين تنقلا كثيرا بين قرى مصر ونجوعها، ثم دراسته في باريس وسكنه في بور سعيد ثم عودته لباريس مرة اخرى ونضاله ضمن الحزب الشيوعي المصري والفرنسي وطلبة العالم الثالث ثم عمله في "المؤسسة الاقتصادية" التي أسسها عبد الناصر لادراة الشركات المؤممة، ثم عمله مستشارا لحكومة باماكو ثم التدريس في جامعة دكار وباريس وبواتييه...
مرة اخرى، لا انوي استعراض كتاب سمير، فهو "اوديسا" في التاريخ، رحلة تبدأ من نهايات الحرب العالمية الثانية لتحط في تفجيرات 11 أيلول سبتمبر 2001. ولكم ان تتخيلوا حجم هذه الرحلة وهو يعرض لأهم الإحداث التي شهدها العالم خلال هذه السنين.
وفي هذا الصدد يقلل سمير من أهمية هذه الإحداث وتوابعها مثل احتلال افغانستان والعراق، او ما يقول به البعض ان هذه الاحتلالات والتغيرات هي نتيجة لتفجيرات ايلول. وسمير يخالف هذا الراي مركزا على الطبيعة الوحشية لـ"الامبرالية" التي تتمادى في حال لم تجد من يردعها مثل " يا فرعون مين فرعنك"....
كما هي رحلة في عشرات البلدان والمدن والقرى...
والاهم من كل ذلك، وسواء اتفقت مع أمين ام لم تتفق، ففي رحلته هذه يناقش سمير امين ويجادل كل أفكار ونظريات الاقتصاد السياسي، بدء من المركنتيلية والليبرالية مرورا بالماركسية والماوية والتروتسكية ومدرسة التبعية والعالم ثالثية وليس انتهاء باللنيوليبرالية وغيرها...
وسمير يّسخف الى ابعد حد "النيولبرالية" الاقتصادية طبعا وهو يعتقد انها تقوم فقط على خرافة القوى الخارقة للطبيعة للسوق وان التنمية عند هذه المدرسة لا تعني سوى "السوق" ، فبمجرد ترك آليات السوق تفعل وحدها حتى تحدث التنمية. وما يحصل حقيقة هو العكس.
على ان كتاب امين لا يخلو من صعوبة شديدة خاصة عندما يناقش في قضايا اقتصادية معقدة مثل قضايا التخطيط والتنمية في دول افريقيا ونظريات صندوق النقد والبنك الدولي او الأخطاء التي ارتكبتها الدول المتحرر حديثا من الاستعمار.
وفي نهاية الكتاب يضع سمير، من باب تمسكه اصلا برؤيته العالمية او الاممية، تصورا لكيفية الخروج من التخلف ويدعو الى "جبهة مشتركة للشعوب" تجمع بين "المطالبة الواسعة بالديمقراطية، مع المطالبة بإدارة اجتماعية لمصلحة الطبقات الشعبية"...وهو هنا يقصد "المنتدى العالمي الاجتماعي" بشكل خاص. او ما يعرف بمنتدى مناهضة العولمة ، وان كان امين يقصد ان العولمة ظاهرة تاريخية لا يمكن معاداتها لكن المسألة تكمن في السيطرة الاميركية التي هي "الخصم الحقيقي".
قد يكون من أكثر ما يلفت النظر في "نظريات" امين هو تقسيمه المختلف للعالم فهو يرى ان هناك اربع عوالم وليس ثلاثة فقط " بمعنى هناك عالم رابع تندرج فيه كل الدول العربية والاسلامية جميعها بما انها "غير قادرة على الانخراط الفعلي في النظام العالمي للإنتاج"...
في "مذكراتي" ايضا الكثير من تفسيرات سمير لبعض الظواهر،مثل انتقال اليساريين من اقصى اليسار الى اقصى اليمين وهو يعتبر هؤلاء انهم لم يكونا في الاصل يساريين بل يقنيين.
وكذلك فان سمير لا يعتقد ان ما حصل في الاتحاد السوفياتي عندما انهار او الساداتية في مصر انقلابا او "ثورة مضادة" بل امتداد طبيعي لما يكان يحصل فعلا في رحم هذه "الثورات او الانظمة"...
سمير امين ، لا يخفي تحمسه للشيوعية ابدا حتى وهو يرى ان هذه الشيوعية أصبحت شتيمة او مسبة، وهو يدافع عن أفكارها بصلابة ويدافع ايضا عن مواقف بعض الأحزاب الشيوعية العربية، وخاصة المصري، وموقفه بشكل خاص من قبوله فكرة "تقسيم فلسطين"
بالنسبة لي، قد لا يحق لي تقييم افكار مفكر كبير كسمير امين، وقد لا يحق لي ان اقول انني اختلف معه ، كما لا استطيع ان اقول انني قبلت بما يطرحه، رغم انه وعلى خلاف الكثير من المفكرين الحالين يطرح أجوبة "كاملة" لأسئلة كبيرة جدا او على الاقل على اجوبة جاهزة على أسئلة التبعية والتقدم والتخلف الاقتصادي والإدارة الناجحة والديمقراطية...
لكن كتاب سمير، يجعل قارئ مثلي "يقف ويفكر" بمدى سطحية بعض الآراء التي أتبناها أحيانا، كتاب سمير، أشعرني في الكثير من صفحاته بمدى "سطحية وتافهة بعض افكاري" وهو يدعوني ، ان أردت، أن أفكر بشكل أعمق فيها. فإما أن أتخلى عنها واذهب الى غيرها، او ان اذهب أعمق في فهمها وتحليلها حتى أقف على ارض اكثر صلابة....
علمني كتاب سمير أشياء كثيرة جدا، يكفي انه أخذني بجولة معرفية في تاريخ العالم...
ما اريد ان اقوله نهاية في مجال مقارنة بين مفكرين اقتصاديين مصريين، ان الفرق بين كتاب سمير امين "مذكراتي" وكتاب جلال امين "ماذا علمتني الحياة" ان سمير أمين بقي متفائلا حتى النهاية، لم يغلق أي افق، قال ان للتاريخ احتمالات، لم يدع اليأس يتسرب إلى القارئ بل امده بخيار او بديل ، لم يترك لا للتجارب ولا لخيبات الأمل ولا للشيخوخة مجالا لاي يأس بل ان سمير يكتب كما لو كان شابا في العشرين، يقود تظاهرة ضد الغلاء..
اما جلال امين فقد غرق في نهاية كتابه في خلاصات تكاد تكون متشائمة وكئيبة ، وخاصة في المجال العام، جلال امين يكاد يردد عبارة سعدي زغلول :" اغطيني يا صفية ، ما فيش فايدة"...
بغض النظر عن أفكاري او تشاؤمي. فانا دائم الاعجاب بـ"الشخصيات الايجابية" . وأعجبت بقدرة هذا الرجل وهو يكاد يتجاوز التسعين من عمره ولا يزال يتعامل بكل هذه الايجابية مع نفسه ومع الواقع ويعبر في كل مرة عن تفاؤله وان التاريخ مفتوح على احتمالات كثيرة لم ينتهي كما قال فوكوياما. وان ما يجري الآن هو "صدام البربريات" وليس كما يصور على انه "صدام الحضارات". وهو يرى ان :" الشعوب ترد في بعض الأحيان ، وكما يحدث في التاريخ عادة، بذكاء وفاعلية (انظر تاريخ الصين وفيتنام) على الرأسمالية المتوحشة. على الرغم من ان هذه الشعوب قد "ترد في أحيان اخرى، على البربرية الأصلية النابعة من رأسمالية الثالوث، ببربرية مشتقة منها (أي من الرأسمالية)" كما يحدث الآن بعد أحداث أيلول من انتشار للإرهاب...
كل أطروحات سمير تصب في مخالفة أطروحة نهاية التاريخ، ومن هنا يمتلك سمير كل هذه الثقة بفكره وتفاؤله وعمله، فلا أفق مغلقا أمام حركة التاريخ...
خلص بكفي كتابة وطق حنك، هلا راح اطفش من كل "الاماكن اللي مريت انت بيها ، وعايشة بروحي وابيها"،،،واختفي عن الأنظار تماما، ومعي كتاب حليم بركات، فقد قررت من اول امس التخلي عن الموبايل حتى لو خربت الدنيا.. وانا مالي...!
I will read this book inshalla...but I hope I will find it here in Saudi Arabia.
a side note: who is محمد اديب الدايخ
Jumana | 24/04/2008, 20:29
احمد اشكرك على هذا التعليق..
جمانة
الدايخ مطرب سوري من حلب صاحب حنجرة ذهبية اشتهر باداء القدود الحلبية وقائد العشق الصوفي. اسس مع اشهر عازف قانون "جلال الدين فايس" فرقة الكندي في حلب وهي فرقة اشتهرت ايضا في الموسيقى العربية وغناء القدود والادوار والقصائد وحافظت على مقامات الموسيقى العربية . لدايخ تسجيلات منفردة مع "فايس" من اجمل ما غني في الغناء العربي. لكن هذا نوع من الفن يكاد ينقرض للاسف.
محمد عمر | 24/04/2008, 20:45
I will look for his songs...thanks :)
Jumana | 24/04/2008, 21:11
اشكرك على هذه التدوينة
احمد علي | 24/04/2008, 19:33 [ الرد ]