استمتعت في اليومين الماضيين بشبه عزلة عن العالم، أخذت إجازة من العمل وأغلقت موبايلي، وبقيت وحيدا...
ليست العزلة دائما سيئة فقد وفرت ليّ هذه العزلة فرصة التفكير بوضعي وأموري. وقد توصلت إلى استنتاجات حاسمة بكل تأكيد. كما وفرت ليّ فرصة القراءة بشكل مكثف وهو ما كنت افتقده خلال الأشهر الماضية حين أغرق في مشاكلي الخاصة أو في العمل.
وبصراحة اشعر براحة كبيرة في وضعي الجديد حاليا. فهو يوفر ليّ فرصة كبيرة للاستمتاع بكل ما أحب، قراءة وكتابة وشغل وموسيقى وأفلام بدون أن اشعر بأي ضغوط مطلقا من أي نوع وبدون أن أتحمل عبء كبير في المسائل الحياتية اليومية، وبدون تبديد وقت كبير في "سرمحات" لا تفيد شيئا ولا توفر أي نوع من المتعة الحقيقية...
على أي حال، من أطرف ما قرأت خلال هذه المدة مقالة لمحمد الارناؤوط في صحيفة "الحياة" بعنوان "ألف كتاب وكتاب يجب عليك قراءتها قبل الموت"...
لا ادري إذا كان يتوجب على الإنسان فعلا أن يقرأ ألف كتاب وكتاب قبل الموت. بالنسبة ليّ فانا أفكر بأنه لا يجب أن أتوقف عن القراءة مطلقا ففيها أجد "خلاصي الشخصي" ، طالما لا استطيع أن انتمي لأي فكرة تبحث عن "خلاص جماعي" هذا أن كان هناك مبرر لمثل هذا الخلاص أصلا...
المهم...
بقيت خلال امس، اقرأ في كتاب "المدينة الملوّنة" لعالم الاجتماع العربي حليم بركات. وهو كتاب صادر لدى دار الساقي العام 2006. قضيت مع الكتاب أكثر من عشرين ساعة من مساء الاربعاء الى الخميس. فهو مؤلف ضخم يضم 537 صفحة. وخلال هذه الساعات أيضا استمتعت بسماع عدد من الاسطوانات الموسيقية...
رحلة عمر...
تعرفت على اعمال حليم بركات عندما كنت طالبا في السنة الاولى في الجامعة الاردنية وقد قرأت روايته "الرحيل بين السهم والوتر"، والعام الماضي وكنت في ورشة تديب بدمشق عثرت على روايته "طائر الحوم" على بسطة كتب مستعملة واخذتها وجلست اقرأ فيها بمقهى "الروضة" الشهير...
خلال دراستي للماجستير، الذي لم أكمله طبعا، قدمت ورقة عمل في كتاب حليم "المجتمع العربي". واذكر وقتها ان الكتاب لم يعجبني كثيرا فقد اعتبرته وصفيا أكثر منه تحليليا لمشاكل المجتمع العربي. ذلك انني كنت متأثرا جدا بتحليلات رفيقه في الحزب القومي السوري الاجتماعي المفكر وعالم الاجتماع هشام شرابي الذي قدم للدراسات الاجتماعية العربية مقولة "البنية البطريركية" كأداة لتحليل هذا المجتمع، وقد شاعت هذه المقولة بين اغلب علماء الاجتماع العرب.
المهم...
كتاب "المدينة الملونة" سيرة حياة حليم نفسه، او هي سيرة صباه وفتوته في بيروت، بعد ان أتى إليها لاجئا، بحثا عن لقمة الخبز، مع أمه الأرملة الشابة وشقيقه وشقيقته عام 1942. وكان عمره عشر سنوات. ثم غادرها شابا إلى الولايات المتحدة وعاد إليها مرة اخرى لتدريس قبل أن يغادرها لربع قرن في عام 1975.
مرة اخرى، لا انوي في كل مدوناتي عن الكتب، مراجعة هذه الكتب بقدر تسجيل انطباعاتي عنها...
مع كتاب بركات واغلب كتب السير الذاتية التي طالعتها، استفدت كثيرا من الناحية المعرفية، فكل كتاب كان يضيف معلومات هامة ليس عن الشخصية نفسها، على ما في هذا الموضوع من أهمية، انما عن مرحلة طويلة من تاريخ المنطقة.
مع اغلب كتب السيرة الاخرى، كنت اشعر ان الانسان لا يصبح مثقفا او عالما ما لم يأت من وسط اجتماعي ثري، او متوسط الحال على الأقل. مع حليم استفدت ان الإنسان بإمكانه ان يكون عالما ومثقفا كبيرا حتى لو جاء من بيئة شديدة التواضع ومدقعة في فقرها كما كان حليم في طفولته وشبابه...
تقدم كتب "السير الذاتية" هذه، ومنها كتاب حليم، مراجعة اخرى لتاريخنا، وهي مراجعة مهمة . اذ اننا قرأنا تاريخنا من وجهة نظر رسمية عربية، وقرأنا تاريخنا بوصفه تاريخ انظمة ودول.
لكن هذه الكتب وخاصة كتاب حليم، يقدم تاريخ اخر، تاريخ اجتماعي للمنطقة، تاريخ للمتغيرات التي طرأت على البنية الاجتماعية والسياسية للناس ، كما قدم سمير امين تاريخ اقتصادي في "مذكراتي"...
في كتب السير هذه، تجد ايضا تأريخ للاحزاب العربية، وهو ما لم ندرسه في المناهج الرسمية، تاريخ يختلط فيه الشخصي بالعام. ففي كتاب حليم، كما في سيرة حياة هشام شرابي، نقرأ تأريخ لـ"الحزب القومي السوري الاجتماعي" الذي كان حزبا "جماهيريا" بامتياز وكاد يصل لتسلم الحكم في لبنان وسوريا، وبقي كذلك حتى اعدم مؤسسه انطوان سعادة في عام 1949 عندما فقد الحزب "محبوبه".
في سيرة حياة حازم صاغية "ليست سيرة ذاتية" ، يصف حازم فكر الحزب بـ"البله"، اما حليم فقد ترك الحزب بعد سبع سنوات عندما شعر انه الحزب لا يختلف كثيرا عن المؤسسات الرسمية من حيث غياب الديمقراطية والرأي والرأي الآخر وما يفرضه الانتماء للحزب من قيود على الكاتب...
في هذا، نجد في سيرة جلال أمين "ماذا علمتني الحياة" جزءا من تاريخ "حزب البعث" في مصر، كيف تأسس ودور ميشيل عفلق. وفي سيرة سمير أمين نجد جزءا من تاريخ "الحزب الشيوعي المصري"، وهكذا فان هذه الكتب تمدنا بجانب مخفي من التاريخ الرسمي الذي درسناه. وهو جانب مهم جدا اذ ان الأحزاب العربية كلها كانت في وقت مضى فعالة جدا ومنها من وصل إلى الحكم ومنا من اثر بشدة في مسار تاريخ المنطقة ومن دون الاطلاع على هذا التاريخ تبقى أي قراءة ناقصة تماما وغير مفيدة مطلقا...
المهم ...
كتاب حليم رحلة عمر، سيرة ذاتية، وان كان كتبها بضمير متكلم اسمه "نادر"، وهي مفكرة وأوراق عن أهله وناسه وسيرة حياته فقيرا معدما وتداعياته وذكرياته وعشقه وزواجه وأصدقائه. إلا أنها سيرة حياة مدينة بيروت أيضا.
"المدينة الملوّنة" سيرة كتبت بلغة الحياة، بلغة يومية بسيطة بدون تعقيد. وان كانت في تثير الملل أحيانا من كثرة الاطالات أو من بعض التكرار...
وسيرة حياة جيل كان يحلم بأمة عربية واحدة وبقرية كونية وانتهى المطاف به إلى الحياة في وقت تدافع فيه الطوائف والمليشيات والأحزاب والسياسيين للدفاع عن زاروبة هنا ودخلة هناك...
ما كنت انوي ان اكتب هذا السطر. لكن هذا و الواقع، فكتاب حليم كما كتب اخرى، هو سيرة "خيبات الأمل والهزائم" لأجيال عربية عاصرت حروب الاستقلال لتنتهي إلى ما انتهينا إليه الآن...
الف كتاب...
أريد أن أعود لفكرة ألاف كتاب وكتاب التي يجب قراءتها قبل الموت. ترى هل بإمكاني فعلا أن اقرأ كل هذا الكم في ضوء محدودية الوقت والكم الكبير من الكتب الجيدة او الجديدة، وأي الكتب التي يجب ان اختارها، طالما اجد في القراءة "خلاص فردي"... بالنسبة ليّ فانا لم اعد اقرأ الا ما يمدني بالمتعة بغض النظر عن أي شيء آخر...
خلونا نرجع لعزلتنا هلا، مع كتاب "أسرار الموسيقى" لعلي الشوك...
السير الذاتية نوع متميز من الأدب وآخر سيرة ذاتية قرأتها هي لغابرييل ماركيز "عشت لأروي" في جزئها الأول والذي يمتد منذ ولادته وينتهي عند بداية طباعة أول رواياته، ولهذا فإن الجزء الأكثر تشويقا سيكون الثاني. أحد الكتب الجميلة التي أتوقع أنك قرأتها كتاب أنيس منصور "في صالون العقاد كانت لنا ايام" وهو ليس سيرة ذاتية إلا بقدر توثيق الحوارات الفكرية الساخنة التي كانت تجري في صالون العقاد بين الأدباء والفنانين والمفكرين المصريين في العصر الذهبي للثقافة المصرية.
باتر وردم | 25/04/2008, 11:34 [ الرد ]