أسرار الموسيقى...!
28 نيسان, 2008

أي سر تختزنه الموسيقى، حتى يمكن القول إن حضارات وجدت بدون "رياضيات وبلا رسم، وحضارات حرمت من العجلة أو الكتابة، لكن لم توجد حضارة واحده بدون موسيقى"...

 

كان من المفروض، أو على الأقل هكذا خططت، أن اكتب أمس عن كتاب العراقي علي الشوك "أسرار الموسيقى"...

المهم نظرا لظروف ما كنت فرغت من الكتاب حسبما خططت. لكن أتيح ليّ أمس أن انتهي منه. وشعرت بمتعة كبيرة فائدة حقيقة جنيتها من هذا الكتاب، سأحاول مشاركة قراء مدونتي فيها...

كنت قد قرأت الفصول الثلاث من الكتاب في مجلة "الكرمل" الفلسطينية، وقد شجعني ذلك على اقتنائه قبل أكثر من عام، لكني ركنت الكتاب جانبا وكدت أنسى أمره...

ما كان دفعني الى القراءة في موضوع كهذا هو محاولة معرفة " ما هي الموسيقى"، ولماذا تمتلك كل هذه "السطوة" أو "السلطة" على البشر لدرجة إنها تكاد تكون "شيئا" لا يمكن الاستغناء عنه في حياة أي إنسان منا، وكيف نفهم الموسيقى ؟ هذا إذا كان هناك جدوى أو معنى لفهمها. ولماذا نميل الى نوع ما من الموسيقى ولا نميل إلى أنواع اخرى...

خلال السنين الأخيرة من عمري، طورت ذائقة موسيقية تميل كثيرا لما يعرف بالموسيقى "الميتافيزيقية" أو "الموسيقى الروحية والدينية" مع انني رجل غير متدين مطلقا. وهذا بالضبط ما جعلني ابحث عن سر الموسيقى.

كنت قرأت بعض الأشياء المتفرقة منها كتاب صدر قديما عن عالم المعرفة اعتقد أن عنوانه كان "ما هي الموسيقى". لكني شعرت أن كل ما قرأته لم يوصلني إلى نتيجة لـ"فهم" الموسيقى...

كتاب "أسرار الموسيقى" لم يوصلني أيضا إلى نتيجة، أكيد، فلغز الموسيقى سيبقى إلى الأبد مخفيا عن كل عين.

إذا كان ممكن ان الخص كتاب "إسرار الموسيقى" في كلمة او عبارة فقد أقول عبارة المتصوفة "زدني بعمق الكشف غموضا"، على ما في الكتاب من "معرفة" ومعلومات جمة عن الموسيقى تجعلك تحيط بشكل جيد في تقنيات الموسيقى وبعض الآلات والمدارس الموسيقية وكبار الموسيقيين ، من بين "كنوز" الكتاب الاخرى، إلا انك لن تصل فعلا إلى معرفة أسرارها. وهذا ليس خللا في الكتاب بالطبع بل هو غايته في دفع القارئ إلى المزيد من محاولة المعرفة.

يمكن في الفصل الأول من الكتاب، الذي يتحدث فيه الشوك عن عودة أحلامه الموسيقية بعد انقطاع لأسباب كآبة سياسية إصابته، مؤكدا على انه لا يزال من جيل الإيديولوجيين، أصحاب الأحلام واليوتوبيا، الذين باتوا يعتبرون "متخلفين". يكشف الشوك عن فكرة محاولته فهم الموسيقى ودروها قد يكون نابع من "إيديولوجيته" و"بحثه" ويوتوبياته..

لذلك ليس غريبا ان يجادل الشوك، ويرفض بشدة، موسيقى "ما بعد الحداثة"، التي تعتبر كل شيء موسيقى، مثل الموسيقي الأميركي جون كيج الذي يعتبر أن "الضوضاء موسيقى وان "ذبذبة منفضة سجائر في غرفة منعزلة، موسيقى". طبعا هذا ليس كل ما في الفصل الأول، الذي يحفل بمعلومات غنية عن الموسيقى، على الأقل بالنسبة لي مثل "المقامية واللامقامية والاثنتا عشرية والمنيمالية وكيفية فهم او الاستمتاع بالقطعة الموسيقية المميزة وتركيبة النوتة والسيمفونية ...الخ)"

في الفصل الثاني من الكتاب، يذهب الشوك في رحلة مع الآلات الوترية، الكمان ، التشيلو، الفيول، الرباب (الربابة) العود إلى حد ما، ويتحدث عن تطور هذه الآلات وتاريخ استخدام القوس...الخ

أما ما قد يكون أطرف ما في الفصل ان اغلب هذه الآلات تطورت عن آلات موسيقية عربية أصلا، وهذا امر يثبته الشوك من خلال كتب وموسوعات موسيقية غريبة...

يخصص الشوك قسما مهما من الفصل لآلة "البيانو" وهو أيضا، يسجل تطورها عن العرب وتحديا عن الآلة الموسيقية العربية القديمة المعروفة باسم "الشقير"...

في الفصل الثالث يعالج الشوك عددا من الموضوعات في فلسفة الموسيقى، من بينها ما هي الموسيقى وعلاقتها باللغة وسطوتها ومدارسها. على ان اجمل ما في الفصل قد يكون القسم المخصص عن علاقة الموسيقى بالكآبة او الحزن، وهل الموسيقى تثير الحزن ام تشعر السامع به فقط.

ما ينقله الشوك في هذا الفصل عن موضوع الموسيقى الروحية والميتافيزيقية، وآراء الموسيقي البريطاني جون تافنر في هذه الموسيقى وخاصة الموسيقية الصوفية العربية، على ما فيها من تكرار، يشكل متعة خالصة وإفادة بل وقد يكون مرافعة دفاعية عن هذه الموسيقى المتهمة بالإملال بسبب التكرار... يمكن من بين الاشياء الكثيرة التي ناقشها الشوك في كتابه هذا، موضوع "تعبيرية" الموسيقى، وهل من الضروري ان تعبر الموسيقى عن "شيء" ما انها مجردة وتقنية فقط، وهذا طبعا نقاش في كل موضوع الفن وليس الموسيقى فقط، على كل الشوك يستعرض اراء اصحاب المدرستين...

حتى لا أطيل كثيرا، وبسبب مشاغلي اترك بقية الكتاب إلى مدونة اخرى...

تعليقات

Comment Icon

اشكرك محمد على اثارة هذا الموضوع المفيد والشيق والنادر في ثقافتنا فقد طرحت اسئلة كبيرة ومشوقة كثيرا ولكنك تركتنتا معلقين في منتصف البئر وارجو ان تكمل هذا الموضوع وتطلعنا على بقية فصول الكتاب باسلوبك الشيق والرشيق وانا يالانتظار بكل شوق ........ سلامي لك

عباس زهدي | 28/04/2008, 18:09 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba