ليس عندي أي مبرر لكي أعود إلى التدوين أو أتوقف، فانا رجل مزاجي جدا، كل يوم في شان...
اليوم ليس يومي، وهذا ليس جديدا عليّ أبدا، حياتي مجرد حلقات من المزاجية تدور حول محور وطالعة نازلة أكثر من تذبذب سعر صرف الدولار...
اليوم، مثل كثير من أيامي، اشعر بوطأة كآبة شديدة تجتاحني، وربما زادت هذه الكآبة منذ عودتي من لبنان...
ما رأيته يجري في هذا البلد، وما عانيته شخصيا من "إذلال" على الحدود زاد من شدة همومي السوداء، او ملنخوليتي، على رأي ابقراط "أبو الطب"...
الصدف وحدها قادتني إلى شراء رواية "مديح الكراهية" للسوري خالد خليفة، الممنوعة من التداول في سوريا، التي كانت صدرت نهاية العام الماضي وترشحت من بين ست روايات عربية اخرى لجائزة البوكر قبل أن تذهب الجائزة لرواية "واحة الغروب" للمصري البديع بهاء الطاهر...
المهم...
إذا كان هناك من علاقة بين ما جرى ليّ على الحدود وما شاهدته في لبنان ما يجري عمليا في اغلب البلدان العربية وحتى الأردن التي باتت تشهد في الأشهر الأخير "حربا أهلية" كلامية ورواية خليفة، فهو أننا شعوب ومنطقة نكاد نفقد الحب من حياتنا العامة تماما، لا بل إننا تخطينا هذا الموضوع وتخطينا فكرة الكراهية وان نكره الآخر أين كان إلى فكرة أن نمتدح الكراهية وان نمجدها تحت مسميات كثيرة طبعا...
"نحتاج إلى الكراهية كي نجعل لحياتنا معنى"، تقول بطلة رواية خليفة...
لا أريد أن اعرض أو انقد هذه الرواية البديعة جدا، التي لو خلت من بعض الاستطرادات والإسهاب والتناذر في النص، لجاوزت رواية ماركيز "مائة عام من العزلة"...
قليلة هي المرات التي يقرأ فيها الإنسان رواية عربية ويشعر انه لا يريد أن ينهيها أو انه يعيد ويزيد في قراءة بعض صفحاتها، وهذا ما حصل معي في "مديح الكراهية"...
في "مديح الكراهية" يعالج خليفة سنوات الموت الأسود في سوريا. سنوات الصراع والقتال المسلح بين النظام السوري القمعي وجماعة الإخوان المسلمين الأشد قمعا ودموية، التي بدأت فعليا بما عرف بـ"مجزرة مدرسة مدفعية حلب" عام 1979. عندما أقدمت الجماعة أو جزء منشق عنها بقتل نحو 30 ضابطا وجنديا بطريقة وحشية ليندلع صراع أهلي مسلح وقمع وخوف وكراهية وحقد منفلت من عقاله بين النظام والجماعة تحول الى "كراهية" شديدة بين الطائفتين العلوية المسيطرة على الحكم والسنيّة التي تدعي جماعة الأخوان تمثيلها. الرواية تنتهي عند عام 1995...
ليس مهما ان كانت رواية خليفة تعيد كتابة تاريخ تكل "الحقبة" البشعة التي مرت بها سوريا ولا تزال تعاني بعض آثارها النفسية والاجتماعية والسياسية. وليس مهما ما إذا كان خليفة يكتب رواية للتاريخ. المهم ان الروائي ، وهو ابن مدينة حلب، حيث تجري أحداث الرواية، استطاع أن يجسد أو يبرز من خلال وقائع حقيقة، الدافع الحقيقي للعنف إلا وهو "الكراهية"...
المسألة ليست مسألة خلاف سياسي أو عقائدي او ديني او وطني، هي كذلك في الظاهر. المسألة تكمن في تحول كل خلافتنا إلى "كراهية" تغذي هذه الخلافات وتتغذى عليها، إنها حلقة مفرغة إذا. إنها حلقة من خلاف يتحول إلى كراهية وكراهية تغذي الخلاف فينشب العنف وتنتفي الحلول الوسط وتغيب العقلانية ويصبح الآخر "موضوعا للقتل" لا ذات اخرى لها حاجاتها ودوافعها ومصالحها.. مع الكراهية لا يوجد مساومة فإما قاتل أو مقتول...
وهذا ما يجري للأسف في كل الوطن العربي الكبير، بما فيها الأردن، فما يحدث أخيرا من تخوين وتكفير للناس ووصفهم بالجواسيس والمتآمرين والخونة والعملاء والمرتدين باسم الوطن والحفاظ عليه ليس خلافا إنما "كراهية"...
شكرا لخليفة وشكرا للصدف التي دفعتني لقراءة هذا العمل بعد "إذلالي" على الحدود، فهي، أي الرواية نبهتني الى شيء قد يكون بسيطا ولكنه جوهري وهو الابتعاد عن الكراهية لان الكراهية لا تقتل الطرف الأخر وحسب بل تقتلنا أيضا، كما جرى مع كل شخوص رواية خليفة الكارهين للآخر حتى كرهوا حيواتهم وعاشوها في "انتظار الموت" فقط...
على أي حال، رواية خليفة ذكرتني كثيرا بمسرحية غارسيا لوركا "بيت برناردا البا"، وفي بعض مقاطعها ذكرتني كثيرا برواية "العطر" لباتريك زوسكند، فهناك تقاطعات كثيرة، لا اريد الكتابة فيها...
المهم ان رواية خليفة هذه تستحق شغف القراءة وهي ليست حزينة ولا كئيبة بل هي رواية عن الحزن والكآبة وليست مخيفة بل هي رواية عن الخوف الذي يجلل المدن والناس عندما تسود الكراهية ويغيب العقل...
على فكرة اشتريت الرواية وانا في بيروت لاني لم أتمكن من العثور عليها في عمان، امل ان تتوفر لنا هنا فهي رواية تستحق فعلا...
اعتقد ان مزاجي تحسن قليلا بعد ان انتهيت من كتابة هذه التدوينة، قد تكون هذه هي المنفعة الوحيدة للتدوين...
بالرغم من اعلانك الجدي في التوقف عن التدوين في مدونتك السابقه ، لكنني لم اتوقف عن طرق باب مدونتك .. كنت محقة .. ولم افاجأ عندما وجدت تدوينتك الجديده ...
لم أشأ وضع اي تعليق في المدونة السابقه لا لحثك على مراجعة نفسك او التراجع عن قرارك او حتى وداعك .. ... كنت اعلم بأنك وبأني وبأننا جميعا مهما امتلأت حياتنا بالحزن والغضب والكآبة و الانكسارات وحتى إن لم تعد أرواحنا تقوى على حمل المزيد من الكذب الذي نمارسه على أنفسنا ليل نهار .. كنت أعلم بأننا لا زلنا محكومين بالأمل .
شكرا لانك هنا من جديد .. ولتكن بخير .
خلود | 12/05/2008, 13:37
:-)
أهلاً و سهلاً بيك يا فندم...
زي عادتك عرضك للرواية مميز و تعرف ازاي تلمس مواطن التميز..
ما عمري كنتاقرا لغارسيا و لا حبيت كوبا أو اي حد من جهتها... ولا كنت بقرا رواية عربية، لكن حضرتك بتختصر لينا الطريق و بتقوللنا ايه المميز في الكتاب..
اهو كتاب جديد عالليستة :-)
و أهلاً بيك تاني
كهربجية | 12/05/2008, 14:27
وعدتني بالكتابة للمستور بعد عودتك من لبنان.. وراك وراك
مستور | 12/05/2008, 18:26
قبل ما أقرأ المدونة وقبل ما اعرف موضوعها كنت متأكدة انك رح ترجع تكتب لانه التدوين صار بدمك, وهلا خليني أقرأ المدونة يلا سلام
و welcome back
عروبة | 12/05/2008, 18:56
It would be a loss if you ever to decide to stop blogging
Unfortunatly, this is so true. We built up a culture of hatred. In our way to demonize the jews and the americans, we ended up demonizing each other
The Observer | 13/05/2008, 09:18
سيد محمد ... مساء الخير ، كما توقعت فانت لن تستطيع أن تهجر المدونة وتتوقف عن التدوين ، فالتدوين بالنسبة لك أشبه بالسوسة لكنها " سوسة ايجايبة " ... تحياتي لك .
عبير هشام ابو طوق | 12/05/2008, 13:23 [ الرد ]