قال ليّ طبيبي النفسي ان علاجي من اضطراب المزاج سيكون صعبا ان لم يكن شبه مستحيل...
وهو يعتقد ان كل ما يستطيع عمله هو إعطائي أدوية طويلة الأمد للسيطرة قدر الإمكان على التقلب الحاد في المزاج، يعني يتقلب على كيفه بس شوي شوي..
فكرة الطبيب ان "العلاج السلوكي المعرفي" الذي يستخدم مع مرضى هذا الاضطراب لن تكون فعالة معي. كما لن يكون الجزء الثالث من طرق العلاج. وهو القراءة، فعّال أيضا. إذ يرى الطبيب انني شخص عالي الثقافة امتلك عقلا "شكاكا" ليس لديّ أي "يقين" او اعتقاد أو إيمان بأي فكرة قد تساعد على قبولي ما يملى عليّ ببساطة شديدة...
طيب...
الطبيب ينصحني بان ابتعد عن مصادر التوتر، ولا ادري ما هي مصادر التوتر فعلا، هل هو العمل ام القراءة ام الحياة الصاخبة، أم الحب ، ام الزواج والبيت والأولاد، أم السياسة والأخبار، أم ماذا؟
وهي يريد ان "يسيطر" على مزاجي بحيث يطيل فترات المزاج الطبيعية، وأنا حتى الآن لا اعرف ما هو الشيء "الطبيعي" حقا...
ربما يقصد الطبيب ان انظم حياتي ضمن "نظام أو " System " ان أصبح مثلا، رجل هادئ مطمئن يشاهد التلفاز والمسلسلات المصرية والسورية خاصة "باب الحارة" و" الحاج متولي" ليلا وانا "أقزقز لبّ" او اشرب "فيمتو"، وان امتنع عن سماع الأخبار السياسة، ما يعني تركي العمل، أو انه يردني مثلا ان انزل كل مساء على المقهى العب "برتية شدة" او "طاولة" مع مجموعة أصدقاء متقاعدين ، وهي بالمناسبة العاب لم أمارسها مطلقا في حياتي ولا اميز السباتي من البستوني، وان أعود للمنزل ككل زوج لطيف محملا بالأكياس السوداء المليئة بالخضار والفواكه والخبز وارتدي دشداشة بيضاء او بيجامة مخططة او كروهات Whatever ...
طيب ...
لماذا يريد الطبيب السيطرة على مزاجي، ومن أدراه أصلا أين سيصل بيّ مزاجي هذا، او اين ستصل "سيطرته" هذه بيّ؟. كل خوف الطبيب عليّ انه لا يريدني إيذاء نفسي . لكن ما أدراه أصلا أنني أريد أن أتسبب بالأذى لنفسي ومن أين أتى بكل هذا اليقين والتوقع لحالتي، وحديثه عن المزاج "الطبيعي" و "العادي"...
بصراحة...
ما أفكر به الآن هو أنني لست بحاجة مطلقا لكل نصائح الأطباء، ربما تقولون ان هذا تفكير سقيم لشخص مضطرب ومشوش.
ربما، لكن ما أحاول الوصول إليه، أو ما تنبهت إليه أمس خلال قراءتي في كتاب "نظرية الفوضى، علم اللامتوقع"، وهو كتاب من المفترض ان لا اقرأ فيه، وقد نصحني البعض بالتوقف عن قراءة كتب تزيد من حيرتي المعرفية ومن الشك. وحاولت ان افعل ذلك فتركت هذا الكتاب وذهبت ابحث عن روايات، لكن هاتف ما قال ليّ يجب أن تعود للقراءة في هذا الكتاب تحديدا..
المهم ، عدت للكتاب وقطعت فيه شوطا طويلا وأكاد أن انهيه وقد توصلت إلى الفكرة التي وضعها الناشر في غلاف الكتاب وهي "بعد قراءة هذا الكتاب، لن تنظر إلى العالم بالطريقة التي اعتدت أن تراه فيها من قبل"...
من أين يأتي العلماء بكل هذا "اليقين" حتى حولوا العلم الى مجرد "دين" جديد، ومن يدريهم ان "السيطرة" على شيء ما هو في صالح الناس و الطبيعة...
أواخر القرن الماضي بدأ العلماء بالعودة الى نظريات نيوتن في الفيزياء، بفعل تطور العلم نفسه والسوبر كمبيوتر، وباتوا يتوقعون ان بإمكانهم "توقع" كل شيء توقعا حتميا... حتى ان تطور العلوم ومنها اكتشاف خارطة الجينيوم وغزو الفضاء وأجهزة السوبر كمبيوتر والذكاء الصناعي، دفعت بهؤلاء العلماء الى الثقة بالنفس لدرجة ان بعضهم بدأ يتوقع شكل الحياة بعد مئات السنين...
طيب...
العلم لا يستطيع توقع حالة الطقس لأكثر من اسبوع، هذا ما تؤكده الخبرة البشرية، وما تؤكده نظرية "الشواش" و علم اللامتوقع، ذلك ان لكل "نظام" نقاط حرجة، او نقاط نافرة اما تتكرر بانتظام واما تتكرر بعشوائية ضمن نظام اللانظام...
عندما دهمت هذه المعطيات العلماء، او دهمتهم نظرية "الشواش" باتوا مثل رجل بلغ أزمة منتصف العمر، لا يملكون معارف كافية للتعامل معها...
بعض العلماء قال انه اذا كان من غير الممكن التوقع الحتمي فمن الممكن السيطرة عليه مثل "مسألة الطقس فمن الممكن السيطرة عليه وإيصاله محل مختلف عن النقطة التي يتجه للوصول اليها. لكن كيف نعرف تلك النقطة أصلا؟ يشبه ذلك ان نخلط أوراق لعب مختلطة أصلا، فتعرف ان ما فعلته غيّر حظوظك، لكن ما ادراك ما كانت حظوظك أصلا؟"...
أمر مضحك صار القول " إنها ليست مسألة توقع بل مسألة سيطرة"....
طيب... ما الذي يجعل العلم متيقن وواثق من نفسه ومن قدرته على التوقع . في الصين حصد زلزال وقع قبل ايام أرواح 72 الفا وفي منيمار حصد إعصار أرواح أكثر من 100 ألف إنسان وقبلها تسونامي وعشرات الأعاصير التي تضرب دولا متقدمة تحديدا، مثل اميركا ولا احد قادر لا على التنبؤ بها أو السيطرة عليها، وحتى لو تمت السيطرة عليه وتم تحويلها الى جهة ما ما الذي يضمن للعلم ان لا تكون نتائجه أكثر كارثية.
كم مرة قال طبيب ما لمريض انه لن يشفى من المرض الذي يعاني منه ثم شفي او كم مرة حصل العكس؟.
الطبيعة "نظام اللانظام" إنها على حد القول البسيط "التفاصيل التي يكمن بها الشيطان"...؟
المهم...
ما الذي يريدني الطبيب ان أسيطر عليه بكل هذا اليقين، وما أدراه أصلا ان السيطرة على مزاجي مفيدة ليّ.
ما الذي يجعله متيقنا ان بقائي على قيد الحياة هو أفضل من موتي إذا كانت حياتي ستتحول الى مجرد روتين فارغ من أي مضمون حقيقي. وما الذي يجعل الطبيب واثقا كل هذه الثقة مما يسميه "طبيعي". كم مرة نواجه في العمر أزمات تكون فيها لحظات حرجة ونافرة وعشوائية ولا نستطيع التعامل معها رغم كل خبراتنا وخبرات الآخرين ورغم كل معرفة ووعي وثقافة؟؟ وما الذي يجعل سين من الناس يتعامل مع أزماته بطريقة مختلفة عن صاد مثلا؟..
ببساطة لان الأمور لا تجري في نظام ونسق واحد مستقر بدون أي نقاط حساسة أولية نافرة وحرجة، مهما بلغت من الصغر، إلا أنها قادرة على تحويل مجرى "النظام" و "الطبيعي" بشكل كامل:
"بسبب مسمار سقطت حدوة حصان.
وبسبب حدوة، تعثر فارس.
وبسبب فارس، خسرت معركة.
وبسبب معركة، فقدت مملكة"...
"في العلم، كما في الحياة، ان الحوادث المتسلسلة تصل الى نقطة حرجة، بحيث يتضخم بعدها اثر الاشياء، والنقاط الحرجة منتشرة في كل مكان"... إنها اثر رفة جناح الفراشة...
قد أكون بحاجة، ليس إلى السيطرة على مزاجي المتقلب، فهو يجعلني اشعر بحيويتي وحساسيتي تجاه الحياة سواء كنت في حالة كآبة ام في حالة زهو. لكن ما انا "متيقن" منه هو أني يجب أن أتجنب التسبب بالأذى للآخرين فقط.
اما مزاجي فانا حر فيه، فهو اخر ما تبقى ليّ في الحياة حتى أعيشها بدون ملل واغرف منها كل ما أريد، وأنا أحب الحياة ومتأكد تماما أنني لن انتحر مطلقا...!
طيب كم مريض او مأزوم ذهب الى عند طبيب نفسي ووجد عنده العلاج الشافي، وكم مريض تحول الى "خشبة" بعد تناول العلاج الذي يصفه الطبيب للمريض كأنه الحل السحري له ليتحول المريض الى مجرد "خيال مآتة" لا بهش ولا بنش، مجرد سارحة والرب راعيها...!
اكتب هذه التدوينة في خمس دقائق، وليس هذا فحسب بل اعمل ايضا وأحرر الاخبار السياسية وأتفاعل معها وأقوم بواجبي تجاه عمليّ، وكل هذا وأنا أعاني من حالة كآبة وغضب، ويرديني الطبيب ان اصدق أنني غير قادر على الإنتاج، ويريدني الطبيب ان أكون "طبيعيا" مثل سائر خلق الله. لكن من ما هو ومن هو الطبيعي ؟؟؟ حقا انه سؤال يحيرني...
طيب انا ما بدي "اتخشب"... بس علشان ما اسبب اذى لاحد، يمكن لازم اعمل مثل الروائي اللبناني رشيد الضعيف :
" أنا غيور جدا على وحدتي لانني انتج في وحدتي، وبوحدتي اقصد حــرية التصرف، حرية التردد، حرية تغيير الرأي، حرية البوح، حرية الصــمت، حرية البقاء والانتقال، حرية تغير المـزاج دون داع للتفــسير او للتبرير، حرية ان اكون دون رقيب او حسيب."
طيب الحق مش ع الطبيب الحق على اللي راح عنده...!
أستاذ محمد
بالتأكيد تعرف أن المرحوم مؤنس الرزاز كان زائراً دائما للأطباء النفسانيين، وأنا هنا لست أقلل من دورهم أو أشكك بعملهم، ولكني حين قرأت تدوينتك تذكرت مؤنس الرزاز له الرحمة. أذكر أنه في قال في أحد أجزاء سيرته الجوانية، أنه لا يدري لماذا أضاع بعض سنوات عمره وهو يحاول معالجة نفسه، لماذا لم يتقبلها كما هي بكل تقلباتها؟ كيف لم يرض طيلة تلك السنوات بحب من حوله، وإحساسه أنه شخص فعال وقادر على العطاء..؟
لست من الأشخاص الذين يحبون إعطاء النصائح أو أو أو... ولكني دوماً أكرر لنفسي أن علي تقديس السعادة، وأشتغل بجهد أن لا أجيّش مشاعر الحزن إن أصابتني، وأحاول للوصول إلى ذلك إخضاع نفسي لبعض التمرينات، فإحدى المرات صمت عن مشاهدة الأخبار، ومرة امتنعت عن القراءة، وبدأت بالتطريز. وكنت في كل مرة أخرى بفوائد ألمس أثرها على نفسي وروحي ويومي.
أنت جميل كما أنت، ولكن حاول أن لا تجيّش مشاعر الحزن عندك...
بسمة | 23/05/2008, 21:53
صراحة ومقارنة مع من سبق ذكرهم في تدويناتك السابقة من اطباء فهذا الطبيب عجبني راسه
ما الشك وما اليقين؟ لا شيء يقين في هده الحياة سوى الشك والحقيقة الوحيدة هي الموت
اليس هدا حلا؟
سلمت وسلم مزاجك
هي | 24/05/2008, 12:05
دخلك هالـ طبيب ما بدو طبيب ؟!؟
reemi | 22/05/2008, 14:24 [ الرد ]