كل مرة اذهب فيها الى طبيب ما، او اقرأ فيها كتاب ما، او اسمع نصيحة ما حول الاشياء "الطبيعية" او "العادية" وحول "الصح و"الخطأ" ابقى اسأل نفسي ماذا تعني كل هذه...
انتهيت من قراءة رواية "شيطنات الطفلة الخبيثة" للروائي البيروفي الرائع ماريو فارغاس يوسا قبل يومين ثم عدت الى قراءة مقاطع وفصول كاملة منها. لا تحتاج هذه الرواية او الروائية تزكية مني واعتقد ان يوسا سيفوز عن الرواية بجائزة نوبل للاداب العام القادم اذا كانت هذه اللجنة منصفة حقا...
لا اعتقد انني قرأت رواية عن "قصة حب" اجمل من هذه الرواية التي تضع "الحب في زمن الكوليرا" لماركيز في "الجيبة الصغيرة".
الرواية الى جانب انها قصة حب "غريبة الى حد الغرائبية" الا انها ايضا "توثيق تاريخي" لكل احداث العقود السادس والسابع والثامن من القرن الماضي التي وقعت في باريس ولندن وطوكيو والبيرو بلد الكاتب. وهي توثيق خاص بحراكات اليسار الجديد وانتفاضة طلبة السربون باريس عام 1968 وانتشار "فلسفة" او نمط حياة الهيبز وكل توابع هذه المتغيرات من الموسيقى الى الثورة الجنسية.
ريكاردو بطل الرواية رجل طيب يقع منذ كان مراهقا في البيرو في غرام طفلة سيئة خبيثة لعوب (ليلي)، يعرض عليها حبه اربع مرات وفي كل مرة ترفض. يكبر ريكاردو ويذهب الى باريس لتحقيق حلمه في العيش في هذه المدينة الساحرة مهوى افئدة ابناء جيله في ذلك الزمان.
بعد سنوات من الفراق يلتقي ريكاردو "حبيبته ليلي" في باريس عندما كانت قادمة مع منظمة ثورية للذهاب في دورة تدريب في كوبا، يتعرف عليها وتعرض عليه ان يخلصها من الذهاب في كوبا لتبقى تعيش معه في باريس لكنه يرفض رغم كل عشقه وشغفه بها.
ليلي شخصية انانية جدا كل همها في الحياة الزواج من رجال اثرياء واشباع رغباتها التي لا تنهي. ومع ذلك فان ريكاردو يعشقها بشغف حتى عندما كانت تهجره باستمرار مع رجال اثريا في كل مرة تعود له ويسامح ويغفر تمارس عليه كل أنواع الاهانة والاحتقار والإذلال ومع ذلك يبقى وفيا لها بكل جوارحه وعندما تهجره يغرق في الكآبة والعمل كرجل "الي" روبوت فقط بدون أي مشاعر وعندما تعود له يكتفي بلحظات "سعادة" بسيطة تمنحه اياها..
في كل مرة تهجره وتعود اليه يعود ويشتعل عشقا بها، وفي كل مرة يعرض عليها حبه والزواج منه ترفضه بقسوة وعجرفة ومع ذلك لا يتوقف ساعة من الزمن عن التفكير بها. يقضي اكثر من 45 سنة من حياته في انتظارها فقط وفي الغرق بحبها وهي تمرغ في أوحال عشق الاثرياء.
ينفق عليها كل رواتبه ومدخراته عندما تمرض جسديا ونفسيا، بسبب رجل عصابات ياباني كان يمارس عليها اشد انواع السادية...
لم تخلص له في ايوم من الايام ولم تحبه في أي يوم من الايام ولم تعلن له عن حبها سوى في الايام الاخيرة من حياتها...
طيب...
يمكن بعض الناس راح يقولوا هذه ليست قصة حب، هذا مرض، او هذه مازوشية من ريكاردو وسادية من "ليلي"، في نظري انها ليست كذلك، انها واحده من اجمل قصص الحب انها رواية عن العشق بلا قيود او شروط وبدون متطلبات. رواية عن الغفران والتسامح الذي اثمر اخيرا مع "ليلي" وقلب كيانها وجعلها تستعيد كامل ادميتها وانسانيتها في النهاية وتحبه كثيرا وان كان ذلك لم يستمر سوى بضعة ايام قبل ان تموت.
""من اجل ذلك اقول لك : قد غفرت خطاياها الكثيرة لانها احبت كثيرا. والذي يغفر له قليل يحب قليلا" يقول اليسوع سيدي ومولاي...
ريكاردو احب بجد بدون مازوشية وبدون سادية، لان هذا الحب هو وحده من كان قادرا على منحه السعادة ومنحه معنى لحياته، ريكار\دو اكتفى من الحب بالحب بغض النظر عن المحبوب. انه عشق صوفي حقيق عشق لاجل العشق ولكنه في النهاية اثمر في استعادة ليلي لإنسانيتها واثمر في انقاذ روح معذبة بقيت على الدوام تطارد وهما اسمه السعادة عبر المال انتقاما لفقرها.
من قال ان هناك سادية ومازوشية في الحب...
وعلى راي العاشق الكبير او سلطان العاشقين عمر بن الفارض:
قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي، روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ
لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي لم أقضِ فيهِ أسى ً، ومِثلي مَن يَفي
ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ، في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ
فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛ يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تسعفِ.
على كل الالام والعذاب الي عاشه ريكاردو بسب شيطنات الطفلة الخبيثة، الا انني اتمنى لو كنت املك قلبا كبيرا كقلبه الذي استطاع ان يغفر كثيرا لانه احب كثيرا، ويكفيه ان حبها انقذه من "وهم الحياة": المال والعمل وكل زينة الدنيا الذي ليس سوى سقط متاع زائل...
عدت الان من عند طبيبي. وبصراحة لست مقتنعا بكل البلابيع التي وصفها لي، البلابيع (الادوية) المونة البيضاء والحمرا والبينك والفوشي ذات الاشكال الهندسية المخلتفة الدائرية والمستطيلة والمعين والمربع والهرمي والافقي والعمودي .. الخ. ادوية الكآبة والزهو وضبط الانفعالات. لكن شو بدي اعمل الغريق بتعلق بقشة، اراكم بخير...
غريب
لم أكن قد سمعت بهذا الكاتب وقد وقعت عن طريق الصدفة على كتاب له انتهيت من قراءته بالأمس في مديح زوجة الأب عن دار الانتشار العربي ولم يترك في نفسي أثرا جيدا فيه الكثير من تقنيات القرف على اكثر من مستوى
ربما ان عثرت على كتابك هذا قد أغير رأيي بالكاتب عدا عن ان الترجمة لم تكن ممتازة
بصحتك
هي | 29/05/2008, 17:17
لم أقرأ الرواية ولكن من حديثك عنها سأكتب رأيي.
أنا أستغرب كيف لانسان أن يحب شخص لا يبادله نفس الشعور، فعندما ترى الرفض وعدم الاهتمام والخيانة والجرح وعدم وجود مشاعر والقسوة والعجرفة، فكيف يكون هنالك حب؟ فهل هنالك أجمل من الشعور مع الطرف الاخر وامتلاك المشاعر نفسها، فهي كما تقول لم ترفض حبه فقط وانما جرح وقسوة وعجرفة، فأين الحب؟ او بالاحرى ما نوع هذا الحب؟ كيف نحب شخص يعمل على استغلالنا وخيانتنا وممارسة أقسى انواع التعذيب النفسي؟؟!!! فماذا نرى بهذا الانسان شيء يستحق منا هذه المشاعر النبيلة؟ أو ما الشيء الذي يجذبنا له؟
وعندما أصبحت بآخر مراحل حياتها قالت له بانها تحبه، هل نقرر من نحب بسهولة؟ هل نختار مشاعرنا بانفسنا؟ القصة مشوقة وغريبة وفعلا مشجعة للقراءة، لكن مجرد رأي. أتساءل فقط هل هنالك بالفعل هذا الحب؟
ومبروك العودة اشتقنا لمدوناتك، يا اخي اكتب حزن اكتب عذاب اكتب انتحار اكتب شو ما تكتب المهم بتضل تكتب.
عروبة | 29/05/2008, 21:01
اشكر الاصدقاء.
سامح اعتقد انه يوسا سيفوز بالجائزة لدي احساس ما.
حياتي هي : اعتقد انترجمة الرواية كانت سيئة لقد ترجمت نفس الرواية بيد صالح علماني وهو مترجم خبير وكانت ممتعة ارجو ان تقراي روايته الاخرة مثل حفلة التيس والفردوس على الناصية الاخرى ودفاتر دون ريفبيرتو وغيرها وسف تكتشفين اشياء مذهلة كما اعتقد.
عروبة اشتقلتك موت...اشتقت لكل كلماتك العذبة بس ما راح اناقش برايك..
محمد عمر | 29/05/2008, 22:10
الرواية جميلة جدا بسبب إبداع الكاتب في التشويق والسرد والدمج بين الخاص والعام، ولكن ليس بسبب قصة الحب فيها بين رجل مستلب وامرأة أنانية.. قصة الحب في "الحب في زمن الكوليرا" أجمل بكثير، هو فعلا حب لأجل الحب.
لكن أتفق معك في عبارة لامست داخلي عميقا: "يكفيه ان حبها انقذه من "وهم الحياة": المال والعمل وكل زينة الدنيا الذي ليس سوى سقط متاع زائل".
مش مهم | 31/05/2008, 17:01
ما بعتقد في شيء اسمه الحب لاجل الحب. في رواية فارغاس دائما كانت ليلي تمنح ريكاردو لحظات سعادة، ومنحته ما هو اكثر من ذلك: الحب رغم رفضها البوح به حتى نهاية الرواية وفي الاخير جعلته قادرا على عيش الحياة بعيدا عن السأم ومنحته في النهاية موضوعا شيقا لرواية عظيمة.
في الحب في زمن الكوليرا القصة عادية جدا، تحصل كل يوم .عند فارغاس القصة تساءل كل ما هو متعارف عليه "الكذب، الخيانة، الاخلاص، الغفران، السادية، المازوشية، الغفران والتسامح، الامل والصبر والانتظار والشوق ومعنى الحياة بعيدا عن الوهم المتحقق في العمل والافكار"، وسواء اختلفت مع يوسا او اتفقت معه فقد جعل الحب القيمة الاسمى لحياة الانسان اي كان الشكل الذي يتخذه هذا الحب، ثم من نحن حتى نحكم على حيوات الاخرين وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم ومحبتهم وعشقهم. وبالنسبة ليّ وكما قال صديقي سامح تمنيت لو اتماهى مع ريكاردو واصل الى مرحلة ان اكتفي فيها من الحب بالحب وحده وبلحظات سعادة حتى لو كانت فاصل بين زمنين او لحظات مسروقة لكنها متحررة الى ابعد مدى، بغض النظر عن مدى الالتصاق الذي كان بالنسبة لليلي مجرد عائلة برجوازية صغيرة تخشى التغيير ...
على كل مش مهم كثير اي تفسير للنص، المهم المتعة المتحصلة من قراءة النص .المتعة في اكتشاف العوالم الداخلية الخفية لشخصيات عميقة جدا اعمق من شخصيات ماركيز. بالطبع باستثناء روايته العظيمة "خريف البطريرك"....
محمد عمر | 01/06/2008, 16:10
أتفق معك بخصوص تفوق ليلي "أوتيلا" على كل الحب في زمن الكوليرا أنا شخصيا تعاطفت يمكن تماهيت مع ريكاردو الذي تعود على الأشياء التي تأتي متأخرا للغاية أو على الأقل لا تأتي في الوقت المناسب، بس أكثر من تعاطفت معه هو الأب المهجور والذي يحاول أن يقرأ البحر على طريقته ويضع كواسر الأمواج في مكانها الصحيح من القدر، رائع يوسا عندما قام بخيانةوصاياه ورسائله إلى الروائي الشاب وقرر أن يوظف القدر بهذه الصورة أن يفكك علم الاحتمالات ليصنع شيطانات الطفلة الخبيثة.
نوبل لن تذهب إلى يوسا فهي أخطأته إلى باموك وإلى دوريس ويلنك
يا خيبة المسعى
Sameh | 29/05/2008, 16:00 [ الرد ]