ما معنى ان يكافح الانسان كل عمره ليحصل على ما يستطيع التخلي عنه ببساطة ؟ وما معنى ان نصبح اسرى ما نملك فيما نعتقد العكس؟.
عندما انتهيت من قراءة رواية "حارث المياه" لهدى بركات امس شعرت بالحزن على نفسي. شعرت انني نسيت ما تحقق لي خلال "اجمل" ثلاثة اشهر عشتها على امتداد عمري. كانت هذه الاشهر الثلاث، ولعل قاريء مدونتي سوف يستغرب، هي اشهر الحصار الاسرائيلي لبيروت عام 1982.
في السابع من شهر حزيران عام 1982 بدأت اسراب الطائرات الاسرائيلية بقصف وحشي لمدينة بيروت. كنا نعتقد في البداية ان القصف عمل "روتيني" اعتادت ان تقوم به اسرائيل كل عام، لكنها، لم تمض ايام فقط حتى اصبح العدو على الابواب واصبحت بيروت مستباحة برا وبحرا وجوا والموت ينشر رائحته الثقيلة في كل زاوية.
كان ظل الموت ثقيلا في الايام الاولى. فان لم تمت بقصف الطائرات فربما بقصف المدفعية الثقيلة من البر او من البحر او ربما بالمتفجرات او الرصاص المتبادل على خطوط التماس او ربما لأي سبب.
لم يكن في المدينة اي شيء حر سوى الموت. اينما ذهبت يكون الموت، لا شيء قادر على حماية الناس، فالقصف ونوعية القذائف المستخدمة تطال كل شيء.
القنابل الفراغية بامكانها تحويل مبنى من عشر طوابق الى كتلة اسمنتية بارتفاع قامة انسان...
لا مفر اذا سوى ان تتطبع مع فكرة الموت لا بل مع الموت نفسه. وهكذا كان...
بيروت المدينة ضاقت حتى اصبحت ثمان كيلومترات مربعة يحاصرها العدو من كل جانب. المدافعون عنها زرعوا مناطق وشوارع منها بالالغام والاشراك فضاقت اكثر على اهلها...
لم يعد في المدينة المستباحه اي شيء. امدادات المياه قطعت وكذلك الدواء والغذاء والكهرباء وتعطلت الحياة وتعطلت لغتها وساد الخراب والموت لدرجة انني لم اعد احفل به فأن جاء فسوف يأتي عاديا...
في بقعة جغرافية ضيقة استباحتها البربرية المعاصرة لا يعود الموت مخيفا ابدا وانت ترى عمال الدفاع المدني والصليب والهلال الاحمر يجمع الجثث ويحرقها لتجرفها الجرافات نحو البحر.. كيف لا يصبح الموت عاديا وانت ترى الجثث في كل زاوية وناصية. كيف لا يصبح الموت عاديا وهو ينشر رائحته في كل مكان...
وسط الموت هذا لا بد من بناء عالم اخر، عالم من الوهم ربما، او عالم حقيقي لا ادري. وعالمي حين الحصار كان حرية مطلقة. حرية التحرر من كل شيء. حرية ان لا تمتلك شيئا.
ان يصبح كل همّك خلال الاشهر الثلاث هذه هي ان تحافظ على نفسك وجسدك وعقلك وجبة دسمة لموت منتظر فقط لا غير...
ما فعله "بطل" رواية "حارث المياه" هو عمليا ما فعلته انا خلال الحصار وربما ما فعله اكثر الناس.
بطل "حارث المياه"، المتوحد المعزول المهدد بوجوده، يبني عالما خاصا به في خرائب وسط بيروت خلال الحرب الاهلية. يعيش فترة الحرب في الطابق الارضي من متجر القماش الذي ورثه عن والده يعوض بالقماش وانواعه ما فقده من طمأنينة العالم الخارجي.
يعود بطل الرواية الى الطابق الارضي كما لو كان هذا الطابق رحم امه الذي يمنحه الامان. في معيشته هذه يتخلى عن كل شيء، لم يعد يملك اي شيء، لم يعد يكترث لي شيء مطلقا.
وسط الخراب هذا الذي لن تعرف متى سينتهي ولا متى سوف تطالك يد المنون لا بد من خلق عالم خاص بك في انتظار اما نهاية الحرب واما نهايتك انت...
خلال الحصار عشت اقرب الى نفسي. كان عالمي تخلص من كل ما هو دنيوي. من كل ما تروجه "العصرنة" التي تهاجمها بركات بشدة في الرواية.
خلال الحصار تتخلى عن كل ما تملك لا يعد المال ولا الذهب ولا اي لمعان يخطف بصرك. في الحصار لا تكترث لكل ما تكترث به الان لا النميمة ولا المجاملة ولا النفاق ولا العلاقات المفروضة ولا اذلال النفس لأي غرض. او كما يقول محمود درويش :" ليّ حكمة المحكوم بالاعدام: لا اشياء املكها لتملكني"...
كان حصار بيروت ، ثلاثة اشهر تخليت فيها عن كل ما اعتقد الان انه ضروري وعن كل ما اجهد لتحصيله. وكأنني نسيت ان كل ما املك ممكن الاستغناء عنه ببساطة دون ان افقد اي شيء، بل العكس، فكلما شعرت انني تحررت من سطوة تملك الاشياء والاخرين كلما شعرت بحريتي اكبر...
هل هى صدفه؟
بالامس شاهدت فيلم المانى انتاج 1981 عن الحرب الاهليه في بيروت 1975 ..شاهدت الخراب وشهوة القتل والطعن والحرق والكره الامبرر والامعقول..سوال واحد كان يدور براسي هل الموت وباء عندما يحل بمكان يركب عقول الرجال ويغرس بهم نزق جنون القتل الغريزي..
اسم الفيلم:
circle of deceit
http://www.imdb.com/title/tt0082429/
جون سميث | 15/08/2008, 14:05
"تتخلى عن كل ما تملك لا يعد المال ولا الذهب ولا اي لمعان يخطف بصرك. في الحصار لا تكترث لكل ما تكترث به الان لا النميمة ولا المجاملة ولا النفاق ولا العلاقات المفروضة ولا اذلال النفس لأي غرض".
"فلكما شعرت انني تحررت من سطوة تملك الاشياء والاخرين كلما شعرت بحريتي اكبر..."
بهذا الوصف، لا شك أنك عشت أجمل ثلاث اشهر في حياتك. ما اروع ان يعيش الانسان حرا.
عروبة | 15/08/2008, 13:06 [ الرد ]