كل له وله في كل خافية..لا تستضيء لهم جمعا معانيها
أحيانا تلتصق في ذهني مقدمات للكتابة تبدو مملة لشدة التكرار. اكره أن اجعل مدخلا لكتابتي. لذلك، سوف ادخل في الموضوع مباشرة...
في الأيام الحزينة التي مرت بي، أو التي تمر بي عادة أجد نفسي منشدا إلى المتصوفة. كتاباتهم وأشعارهم وفكرهم وموسيقاهم.
بعد ان كنت أول أمس أنهيت عمل محمد حسن العمري. لجأت فورا إلى "كتاب النطق والصمت، نصوص صوفية، النفّري"، الكتاب من تحقيق وتقديم الباحث قاسم محمد عباس وإصدار دار أزمنة، عمان 2001.
كان الخميس قاسيا، وصباح الجمعة استيقظت مبكرا على الرابعة فجرا، لم يطاوعني النوم كثيرا. جلست مع كتابي هذا إلى أن حان موعد مغادرتي إلى العمل ثم ذهبت لتقديم "محاضرة حول علاقة حرية التعبير وحرية الصحافة في جودة المحتوى الإعلامي" في معهد الملكة زين الشرف.
الجمعة، بقيت في المكتب إلى أن خرجت وصديقي خالد السعود إلى بيتي حيث سهرنا هناك قليلا. وخالد من الأصدقاء الشباب الذين عرفتني بهم مدونتي.
ما علينا...
لم يطل خالد السهر عندي وتركني مع كتابي الذي فرغت منه صباح اليوم...
لا تقرأ أعمال محمد بن عبد الجبار النفّري، إلا بالقلب :" فكتابته تدعونا لكي نفهمها بحركة الأحشاء، ونبضات القلب، كما لو أن علينا أن نتماهى مع طفولتنا ولا شعورنا"، ادونيس، الصوفية والسوريالية، دار الساقي، بيروت 1992.
وبالطبع، لن أكتب عن "النطق والصمت"، للنفري، فأنا لم اعلمه تماما إنما قرأته بقلبي وكشفت عما فيه بذوقي واستعنت به طردا لكآبتي، وقد أسعفني...
ما يفتتح به مقدم ومحقق الكتاب كلام النفّري الغريب عن الحب، وهو كلام ليس غريبا فحسب، إنما "شطحا" غامضا لا يزيدك عمق الكشف فيه إلا غموضا.
على أني لم اكتف بما امتعني به النفّري من غريب الكلام عن الحب ورمزية لغته وأسلوبه المعقد، فحاولت أن استعين بادونيس في كتابه الذي أشرت، في محاولة لفهم ما يريد أن يقول هذا المتصوف، النفّري، الشاعر "الرؤيوي"، على ما يوصف به.
لكن، لم يفعل ادونيس أكثر مما فعل في الفقرة التي كتبت سابقا. فاكتفيت بأن تذوقت لغة النفّري وبالأسئلة الكثيرة التي شغلت بها حول نصه فشغلتني عن فكري بغيرها مما كان تسبب في كآبتي.
في الحب والمحبة...
وطالما أن النفري، مشغول ككل المتصوفة بـ"الحب"، وكذلك أنا، فقد أكملت مع فصل "الحب" في كتاب ادونيس، الذي يدرس في التشابه بين المتصوفة والسرياليين. هذا الكتاب الذي كنت اقتنيته وقرأته عام 1996، على ما تشير خربشاتي بقلم الرصاص على حواشي الصفحات.
يستند ادونيس في شرح "الحب" عند المتصوفة على الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي. ربما هو أوضحهم وأقلم شطحا ورمزية.
ما الحـــّب؟
الحب: لا يحد في حد ذاته، وانما في نتائجه.
والحب لا يدرك الا بالذوق.. وهو شرب من دون ري وارتواء، ومن قال ارتوى فهو لا يعرف الحب، لكي نعرفه يجب أن نذوقه، ولا يعرف طعم الهوى من لم يذقه:" قُلْ للعذولِ أطلْتَ لومي طامعاً..إنَّ الملامَ عن الهوى مُستوقِفي ، دَعْ عنكَ تَعنيفي وذُقْ طعم الهَوَى..فإذا عشِقْتَ فبعدَ ذلكَ عَنّف"، سلطان العاشقين، عمر بن الفارض...
والحب لا يوجد في الثبات، فهو في حركة، غير قابل للتعيين حتى يكاد لا يكون موجودا، بل معدوما، فالحب إذا إرادة اتصال بالمحبوب، لا لشخصه ولا لوجوده في عينه إنما لدوام الاتصال واستمراره...
والحب إذا، هو حب الحب. والمحب لا يكون خاضا لحكم المحبوب إنما لحكم الحب...
والحب لا يقبل شريكا، فعين المحب لا ترى سوى الحبيب المحبوب، لا يسمع إلا كلامه ولا يرى غيره، ولا كلام له عن سواه، والمحب مختوم على قلبه فليس فيه سوى المحبوب.
والإنسان لا يحب أحدا سواه، أي لا يحب إلا نفسه، في الحقيقة، لأنه لا يحب في غيره إلا نفسه:" لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر : يا أنا "، السرّي السقطي.
وللحب لذة لا لذة فوقها، ولا تشرب لذة الحب إلا بكأس القلب، بما هو متقلب شأنه شأن تقلب الحب في كل حال، أما العقل فهو من "العقال" والتقييد ولا يستقيم مع الحب...
وشراب الحب، هو حب الله لنا لكي نحبه، وإذا شربنا كأسه عرفنا ان بحبه لنفسه حبه لنا. وحب الله كحب الحب، منزه عن الغرض، فليس فيه مطمع لثواب ولا خشية من عقاب. والمحب نفس المحبوب وعينه...
وللحب سببان: الجمال والإحسان...
أما الجمال فهو الله، ان الله جميل يحب الجمال، وقد خلق الكون جميلا وأحسن تصويره على صورته، وليس هناك ما هو أجمل من الكون لأنه من إبداع جمال الخالق:" تِهْ دلالاً فأنت أهلٌ لذاكا..وتحكّم فالحُسن قد أعطاكا "، سلطان العاشقين...
ومن أحب العالم لجماله فقد أحب الله. والله يجلى في المثال والصورة.
والإحسان فمن الله وحده، ولا محسن إلا هو، فان أحببت الإحسان فقد أحببت الله...
والإنسان مخلوق على صورة الله، ولم يظهر الله في اسمه الجميل إلا للإنسان الذي هام في مجلى الله، وهو ما قد فيه بعض تفسير قول الرسول: حبب اليّ من دنياكم ثلاث: النّساء، والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة".
والحب أعظم شهوة وأكملها، والشهوة آلة النفس وفيها إرادة الالتذاذ بما ينبغي أن يلتذ به.
والتذاذ الإنسان بكماله اشد التذاذ، لذلك كان التذاذه بمن هو على صورته اشّد التذاذ. وحبنا للمرأة هو حب الهي، ذلك انه ميراث نبوي شريف، وحبنا للنساء، لذلك، يقربنا إلى الله.
وحبنا الطبيعي يبدأ بالنظر والسمع، وقد تتطابق صورة المرأة في نظرنا وسمعنا مع ما كان لها في الخيال وقد لا. ولكن، لأن الخيال هو الحضرة الجامعة، فأننا نحب الصورة التي رسمناها في الخيال للمحبوبة، لا المحبوبة نفسها، " لأنه، اي المحب، يحب ما صنعه، وما يرجع اليه، فبنفسه كان هيامه، كذلك كان تمجيده لما صنعه"... الحب للانشغال بالحب وليس بالمحبوب...
والمتصوف العاشق يهيم بحب الله، ولا يهيم بحب المرأة او الجنس، لأن الصورة الإلهية في الإنسان أتم تماثلا من صورة الجنس فيه.
ولئن كان الحب سبب التجلي فأن السماع سبب تكوين العالم. والإنسان يحب الله لأنه سمع كلامه "في البدء كان الكلم"، الانجيل، فالإنسان لا يعرف عن الله إلا كلامه الذي التذ به. ولذلك فإننا يطيب لنا سماع النغمات بسبب كلمة : كن ، التي صدرت عن الصورة الإلهية. والعالم كله استنادا لكلمة "كن"، سماعا...
وللحب ثلاث مراتب: إلهية، وروحانية وطبيعية...
تمثل الأولى حب الإنسان الله ، وحب الله الإنسان ، والثانية السعي في مرضاة المحبوب، والثالثة تتمثل في المطالبة بنيل جميع أغراض الحب الطبيعي، سواء سر ذلك المحبوب، أو لم يسره. " والمحبوب عزيز ممتنع، يستحق الطلب ويرضى به من الطالب"، النفّري.
وحبنا لله يكون في المرتبتين ، الطبيعي والروحاني معا:"
" أحبك حبين حب الهوى..وحبا لأنك أهل لذاكـا، فأما الذي هو حب الهوى..فشغلي بذكرك عمن سواكا، وأما الذي أنت أهل له..فكشفك للحجب حتى أراكا"، رابعة العدوية، شهيدة العشق الإلهي.
والمحب لا يعلل، لا يحاول تفسير، فعل المحبوب، وإنما يقبله ويعيشه، ذلك أن التعليل من صفات العقل، ولا عقل للمحب.
لمقام الحب أربعة ألقاب:
الأول: الهوى: وهو سقوط الحب في قلب المحب.
الثاني: الحب: وهو خلوص الهوى إلى القلب. وسلطان الحب أعظم من أن يزيله أي شيء.
الثالث: العشق: وهو الإفراط في الحب. ولفظة العشق من "العشقة"، أي نبتة اللبلاب التي تتعلق وتلتف بما حولها. في العشق يكون العاشق تحت سلطان المعشوقة.
رابعا: الود وهو ثبات الهوى والحب والعشق في ما يسوء وفيما لا يسر على السواء. فالود لا يفسده الخلاف..
وللمحب أو العاشق أحوالا: البث، والوجد، والحزن، والكرب، والسكر، والجوى، والشوق، والغرام، والهيام، والبكاء، والذبول، والانكسار، والاصطلام، والكلف، واللوعة.
والمحبة المفرطة تذهب بالعقول أو تورث النحول والهم والقلق والتفكير الدائم.
وليس للحب صفة أعظم من الغرام، وهو الاستهلاك في المحبوب بملازمة الكمد. والحزن أصعب الحب أو أشقاها. والسكر هو المرتبة الرابعة في الحب حيث يذهب بعقل المحب.
والحب يعمي ويصم.
والمرأة، بوصفها المحبوبة، رمزا للأنوثة الخالقة، للرحم الكونية، وهي بوصفها هذا، علة الوجود ومكان الوجود، والعاشق لكي يحضر فيها يجب أن يغيب عن نفسه وصفاته. والرجل العاشق أكثر رقة ودفئا لأنه يقترب من الأنثى ليتوحد بصفاتها.
و"الحب عذاب، الحب يقتل"، مولاي جلال الدين الرومي، والموت حبا، هو السبيل لحياة أسمى. بالموت تتخلص روح العاشق من سجن الجسد. والموت انتقال إلى الحياة، إلى الآخر، حيث لا حدود ولا حواجز، إلى التوحد، حيث لا اثنين، وما من وحده إلا بالموت والصوفي العاشق للحياة يموت من اجل الحياة :"أُقْتُلُوني يا ثقاتي، إنّ في قتلي حياتي"، الحلاج...
الحب هو المحرر الأول للإنسان، والمجدد الأول للعالم، ولا حل خارج الحب، والمرأة هي حجر الزاوية في العالم المادي، وحبها يمنح الرجل تجربة التواصل مع الخارق، وهي، بذلك، الأرض/ الأم، الشاعر الفرنسي السوريالي بريتون...
وابن عربي يقول:" كل ما لا يؤنث لا يعول عليه"...
حاولت تلخيص فصل "الحب" في كتاب ادونيس لأنني كما البهاء زهير :" غيري على السلوان قادر.. وسواي في العشاق غادر ، لىّ في الغرام سريرة.. والله أعلم بالسرائر ، لا تنكروا خفقان قلـ... بي والحبيب لدي حاضر". او كما يقول النفّري في ديوانه الذي قرأت امس واليوم :" كل له وله في كل خافية..لا تستضيء لهم جمعا معانيها"...
" لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر : يا انا "
عروبة | 15/11/2008, 15:19
ادونيس اذ يتحرر من-نوبل- ويتفرغ للعشق..!
عندما يحرر ادونيس من عقدة جائزة نوبل ،ويتفرغ للعشق يصيرالشاعر العربي الاعذب..
عام 2001 زار صنعاء وتحرر من عقدة نوبل وقصيدة النثر والهيكل ابنيوي في القصيدة فكتب رائعة الشعر العربي في منشأ الرعب..
نص القصيدة لمن يذوب في محراب الشعر على الربط:
http://adb.sendbad.net/poem1026.html
تحياتي وتقديري
محمد العمري
محمد العمري | 15/11/2008, 15:27
متصوف القرن الواحد والعشرون .. محمد عمر
reemi | 15/11/2008, 15:31
قُلْ للعذولِ أطلْتَ لومي طامعاً..إنَّ الملامَ عن الهوى مُستوقِفي ، دَعْ عنكَ تَعنيفي وذُقْ طعم الهَوَى..فإذا عشِقْتَ فبعدَ ذلكَ عَنّف"...
كنت أعلم بأن تدوينة اليوم ستكون أكثر من رائعة وأنتظرتها منذ الصباح ..
خالد السعود | 15/11/2008, 15:42
نيالك يا خالد
اكيد كانت سهرة رائعة
رح نعملها ليوم لكل الاصدقاء الرائعين بالمدونة
بعد اذنكم طبعا
waleed wali | 15/11/2008, 21:09
صديقنا شيخ المدونين الأرادنة
تحياتي لك وللنفري / وأخشى أن تتسع الرؤيا حتى تضيق المدونات وفضاؤها.
عاطف الفراية | 15/11/2008, 19:08
مدونتي تشرف بحضوركم وتزداد ألقا
على الرابط
http://atefamal.maktoobblog.com/
عاطف الفراية | 15/11/2008, 19:11
رائع بمعنى الكلمة
waleed wali | 15/11/2008, 21:10
كم أنت إنسان رائع ومبدع
ولو وجدت كلمات في قواميس اللغة تحمل لك المعاني الجميلة والفريدة لما أنصفتك ياسيدي....
دمت لنا يا رفيق
لقاء | 16/11/2008, 10:15
اشكركم جميعا على هذه التعليقات الطيبة..
صديقي عاطف سعيد جدا بزيارتك لمدونتي. ويسعدني اكثر زيارة مدونتك.. اشكرك
محمد عمر | 16/11/2008, 10:32
فعلا سيدي، كما وصف غوار ابنه وهو يحاول بيعه في -كاسك يا وطن- اذ سُئل هل ثمة شجرة العائلة للطفل فقال : له سنديانة عائلة!!!!
وانت لك سنديانة من التاريخ الذي لا يخوضه غير الكبار..
والذي جعلني اربط هذا تدوينك هذا ، مشاهدة مقابلة احمد منصور مع سلطان العجلوني الذي غادر الاردن لتنفيذ عملية فدائية في فلسطين ، كان يومها ابن 16 عام مثل الاستاذ محمد عمر اذ خرج ابن 16 عام يريد القتال في لبنان ..
يساري يخرج بتنظيم هيكلي كبير واسلامي يخرج بذات التفكير ولكن من غير أطر تنظيمية وربما القاسم المشترك ان الرغبة كانت فردية لدى الاثنين..
يعني شعرة واحدة فقط ، بين عمل الاسلامي وعمل اليساري وكلاهما لعبة نصفها او اكثر من نصفها الموت،،الا تستدعي يوما قراءة نقدية من خارج اليمين واليسار، فالتنظيمات الاسلامية واليسارية دائما مادتها الشباب وعلى وجه ادق الفتيان ، اليوم ربما كل الذين كانوا في اليسار واليمن تحت مظلات تنظيمية قد تحرروا من هذه الأطر وهم يكتبون عنها او يتكلمون للتاريخ..!!
اعتقد استاذ عمر توافقني الرأي
محمد العمري | 21/11/2008, 22:01
مساء الخير ..
أخبرتك ذات يوم أن مدونتك ستغدو قريبا المدونة الأولى في الاردن من حيث أهميتها وروعتها ..
رائع جدا ما كتبت اليوم ..
: - )
عبير هشام ابو طوق | 15/11/2008, 14:57 [ الرد ]