الثلاثية الاوديبية...!
26 كانون اول, 2008

كنت مساء أمس وبعد انتهاء التدريب استعجل العودة إلى البيت للانتهاء من رواية هاروكي موراكامي "كافكا على الشاطئ"...

كان المطر النازل خفيفا على عمّان يغري بالمشي. ولقد سرت مشيا من الدوار الخامس حتى منزلي في الشميساني.

وصلت البيت ولا زلت على حماسي لإنهاء الرواية التي كنت بدأت في قراءتها قبل يومين...

اعتقد أنني لم اقرأ رواية أفضل منها خلال الخمس سنوات الأخيرة، ولم اقرأ رواية بنفس المتعة والاستفزاز الفكري والتدقيق في كل سطر وكلمة كما قرأت هذا العمل الروائي الجبار.

تتكون رواية الياباني موراكامي من 672 صفحة من القطع الكبير ومع ذلك لم اشعر بالملل في أي صفحة..

يعمل موراكامي ليس على "رواية" بالمعنى الروائي البحت، بل على إعادة قراءة تاريخ اليابان بعد الحرب العالمية الثانية من منظور فلسفة "هيغل"، الذي يقول يجب :" أن ننظر إلى التاريخ بعين العقل، التي هي وحدها القادرة على اختراق السطح المبرقش للأحداث اليومية"، ويستعين موراكامي بهيغل في جدليته المعرفية في بناء : الأطروحة (الفرضية)، النقيض، التركيب أو " Thesis, antithesis, synthesis ".

لكن موراكامي، المأخوذ في "ثلاثيات" فلسفة هيغل : المنطق، الطبيعة، الروح/العقل. وكل الثلاثيات الاخرى المتفرعة عنها، يقود سرده في خط مواز، فيعمل على تشريح "أزمة هوية اليابان" والجرح النرجسي لها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية من منظور التحليل النفسي، مستعينا بمسرحية سوفكليس "الملك اوديب" كحبكة في الرواية، و بـ"الثلاثية الاوديبية" أي بـ "عقدة اوديب" عند سيغموند فرويد في التحليل النفسي لأزمة الهوية التي يعاني منها الشباب الياباني.

تستشكل رواية موراكامي بشدة على القارئ العربي لعدة أسباب، لكن السبب الأساس يعود إلى ما يعتبره عالم النفس العربي عدنان حبّ الله من أن المجتمع العربي، من منظور التحليل النفسي، لا يزال يخضع للأشكال القبلية ما قبل "العقدة الاوديبية الثلاثية". هذا إضافة إلى "المجاز" والرمز والواقعية السحرية واللغة الشعبية التي يكتب بها موراكامي وسعة ثقافته الموسوعية أو الشاملة تماما كما هو هيغل آخر الفلاسفة الشموليين، فيلسوف موراكامي المفضل.

والحال الثلاثي نفسه في المنظور الثقافي لموراكامي، فهو يستعين أيضا بمقطوعة بتهوفن "ثلاثية الارشيدوق"، يطلق عليها ثلاثية لأنها تعزف على بيانو بمصاحبة الكمان والشيلو، وعمل موراكامي على: الثقافة اليابانية الكلاسيكية من خلال شخصية تاناكا، وثقافة جيل ما بعد الحرب، ثقافة الأب النحات (جوني ووكر) والأم "ساييكي"، وثقافة الجيل الحالي المشتت بين سلفية تائهة منفصلة عن الواقع، عند الشخصية الرئيسية الفتى كافكا تامورا، وثقافة التغريب والعولمة الثقافية المحصورة في الإعجاب بنمط الحياة الأميركي لدرجة نسيان تاريخ البلد بما في ذلك الحرب العالمية وهزيمة اليابان فيها عبر شخصية الشاب هوشينو.

كما كان هيغل مثالي في جدليته يرى ان العقل البشري يعمل على المجاز في المادة والوعي للتوصل الى الحقائق المطلقة في الكون، فان رواية موراكامي هي رواية "المجاز" بكل ما في الكلمة من معنى : الأحداث التاريخية كحالة الإغماء التي تصيب طلبة الصف في فسحة دائرية وسط غابة خلال الحرب العالمية الثانية وبعد مشاهدة القاذفة الأميركية الـ "بـ29" ثم الغيبوبة الطويلة للفتى تاناكا وعودته للوعي المفقود، او اسم البطل كافكا تامورا، او ترجمة موراكامي لاسم كافكا "الغراب" او الفتى كرو (الغراب) او الجنرال "ساندرس" صاحب ماركة "دجاج كنتاكي" أو الإشارة إلى الف ليلة وليلة أو سجائر المارلبور وعصابات الياكوزي، والحجر، ولوحة وأغنية "كافكا على الشاطيء"، وازمة القروض، والماركات التجارية الاميركية، والادب الياباني، والمكتبة، والديانات والموسيقى، أو مغني البوب الاميركي "برينس" وأفلام فرانسوا ترفو وفيلم صوت الموسيقى وغيرها، إجمالا فأن كل رواية موراكامي هي "مجاز هيغلي"، ان جاز ليّ التعبير، سواء في السرد نفسه والحبكة أو في الرموز والإشارات والعلامات والأحداث الظاهرة للتاريخ. لكن في مجاز موراكامي يصعب فصل الحلم عن الحقيقة في أحيان كثيرة ويصعب فصل الخيال عن الواقع، ذلك ان موراكامي يعمل على واقعية سحرية كتلك التي عند ماركيز لكنه موراكامي هنا يقدم رواية "معرفية" أيضا. رواية بها كم معرفي هائل في الأدب والتاريخ والموسيقى وعلم الجمال والأخلاق والفلسفة والسياسية والفن وغيرها.

لكن موراكامي ليس كاتبا عربيا مهمته الندب واللطم والكآبة، هو كاتب "هيغلي"، يعتبر ان التاريخ مهما بدا مجنونا وشريرا وغير عقلاني الا ان صيرورته تتجه دوما نحو مزيد من التحرر من الضرورة ونحو فهم أفضل للذات أو وعي للذات والى مزيد من العقلانية والحرية والأخلاق وهو ما حصل مع الشخصيات الرئيسية في الرواية كافكا تامورا الذي يغادر سلفيته وغرقه في "طبيعية" عدمية رافضة للحضارة وهوشينيو الذي يغادر جنونه وولعه بحياة تسطحية وفردية نفعية تصل حد "الكلبية" ليعي ان مساعدة الآخرين والذهاب عميقا فيما وراء الظاهر هو تحرر وانعتاق حقيقي.

وفي النهاية فان ما يفضل ايضا عند موراكامي هو "الثقافة" فالمكتبة هي الشيء الوحيد الذي يبقى بين كافكا تامورا المنفصل عن واقعه وامه ساييكي ابنة الهزيمة...

على صعوبة حل الغاز موراكامي في "كافكا على الشاطئ"، مع انه يقدم في صفحات الرواية مفاتيح كثيرة لفهمهما كلما تقدم السرد، إلا ان روايته تقرأ وتقرأ بشغف لجمال السرد وخيال الروائي العبقري وثقافته الموسوعية وجمال ترجمة إيمان حرز الله ومراجعة سامر ابو هواش...

تعليقات

Comment Icon

صباح الخير ..

أشكرك على ما كتبت ، لقد شجعتني على قراءة الرواية ..

أنت شخص مميز بما تقرأ وتكتب .. مميز في كل شيئ ..

نهارك سعيد : - )

عبير هشام ابو طوق | 26/12/2008, 12:21 [ الرد ]

Comment Icon

تحليل رائع!

يزن | 26/12/2008, 12:31 [ الرد ]

Comment Icon

لا أقول أعتقد بل أجزم أن قراءتك التحليلية للرواية التي ذهبت بعقلي.. لم يسبق لها مثيل.. لقد قرأت الكثير من المقالات التي تناولتها لكن لم أقع على أحد تناولها من زاويتك
يسعدني أنك أحببت الرواية.. إضافة أخيرة.. هناك صحيح ألغاز تستعصي على الحل، ولكن من قال إن كل شيء يفسَر؟؟
كل عام وأنت بألف خير

ملاحظة: إذا وجدت الغابة النروجية للكاتب نفسه فهي تستحق القراءة، وما عدا ذلك مما ترجم له إلى العربية مش حرزان يُقرأ

هي | 26/12/2008, 18:24 [ الرد ]

Comment Icon

صباح الخير
كل عام وانتم بخير بمناسبة سلة الاعياد جميعا...
عزيزتي هي اشكرك لقد قرأت بالغفل "الغابة النرويجية" وكتبت عنها مدونة ، لكن غير تحليلية,,,
http://www.mohomar.com/mohomar/66181/2008/10/06/101825-...

محمد عمر | 27/12/2008, 10:47 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba