سريع الذوبان...!
01 كانون ثاني, 2009

 ظهري يؤلمني بشدة، إنه ألم الديسكات الأربع في عمودي الفقري الذي يعاودني كلما حلّ البرد أو كلما قضيت وقتا في الجلوس بطريقة غير مريحة..

هذا ما حصل معي أمس عندما قضيت ثلاث ساعات جالسا بطريقة غير "صحية" مستغرقا في رواية اليمني احمد زين "قهوة أميركية" التي اشتريتها أمس من مكتبة في وسط البلد بدينارين ونصف.

لم أكن سمعت عن زين أو عن "قهوة أميركية"، وعندما قرأت غلاف الرواية توقعت أن يكون زين روائيا لبنانيا وليس يمنيا.

عدت بالرواية إلى البيت وجلست اقرأ فيها مستغرقا وبعيدا عن المحتفلين برأس السنة. وقد نسيت أن أشعل الصوبا أو أن أتدثر بالبطانية الاسبانية الصنع وردية اللون.

لم استمتع بقراءة الرواية الصحيح، لكن "فكرتها" لفتت نظري فقلت لأكمل القراءة وارى أين سيقودني زين في النهاية..

رواية "قهوة أميركية" تتحدث بضمير المتكلم على لسان بطلها عارف، عن حكاية شاب "يساري" او يريد أن يكون "يساريا" ويصنع لنفسه "تاريخا"، يعني مثل محمد عمر عنده تاريخ نضالي يساري، دقوا على الخشب.

لكن، عارف هذا، يريد أن يحج والناس راجعة، بمعنى انه يريد ان يصبح مناضلا يساريا في حزب سري في الوقت الذي انهارت فيه الاشتراكية، لذلك نراه حاقدا على ميخائيل غورباتشوف" آخر أباطرة الاتحاد السوفياتي، أو الذي أطلق رصاصة الرحمة على الاتحاد السوفياتي، كما انه حاقد أيضا، أي عارف، على "الرفاق" في جنوب اليمن، الذي أسهموا في توحيد اليمن، وفرطوا عقد اليمن الديمقراطي في الجنوب، وحرموه من أن يصبح في شمال اليمن مناضلا سريا ليصنع تاريخه الشخصي النضالي.

ما علينا...

في رواية زين هذا العارف، البطل، الذي سوف ينسج تاريخا خاصا به من خلال الكذب، يريد من وراء كل ذلك نيل إعجاب أو الفوز بقلب رفيقته "اليسارية" المتحررة، علياء، التي تكبره بعشر سنوات.

الحكاية معروفة إذا. من جانب هناك الشاب المهزوز المتوحد، صاحب الشخصية الموجهة للخارج، الاوديبي، المصاب بعقدة الخصاء، الباحث عن "أم" سواء كانت صديقته اليسارية أو الحزب أو "التاريخ الشخصي". الباحث عن "مثال أعلى" له في شخصية حبيبته اليسارية المناضلة التي تحفظ عن ظهر قلب أقوال المناضلة والمفكرة الألمانية الماركسية "روزا لوكسمبرغ" وتلبس ملابس متحررة وتشارك في المظاهرات وتناقش وتجادل بقوة وبشخصية طاغية يفتقدها الشاب عارف الذي لم يبلغ الثلاثين من العمر بعد ويجهد أن يصل إلى هذه السن بتاريخ شخصي.

ومن جانب آخر، هناك نقد زين في روايته "قهوة أميركية" لشباب "اليسار" أو الشباب "المتنور" الذي لا يسعى، بحسب زين، إلى تطوير نفسه والالتحاق بالأحزاب والعمل العام إلا من بوابة "المرأة"، أو بمعنى آخر حل عقدة الكبت الجنسي الذي يعاني منه. مرة اخرى، الاستناد إلى "الليبيدو" الفرويدي، الغرائز الجنسية، في تفسير دوافع الفرد...

بمعنى ما فأن "زين" يعمم نقده لهؤلاء الشباب ولا يرى لديهم أي دافع للعمل العام، أو لـ"الإيمان" بشعارات تحرر المرأة أو بالنضال سوى أن يوصل رفيقته إلى سريره أو على الأقل يحظى بقلبها وإعجابها.

هذه الفكرة معروفة تماما، لا جديد فيها، انظر مثلا هذا المقال، الذي اعتبره ساذجا وتعميما إلى ابعد الحدود للكاتب في "العرب اليوم" جواد البشيتي الذي كان ذات يوم "يساريا".

من واقع خبرتي الشخصية، اعتقد ان من الظلم تماما، تعميم هذه الفكرة الساذجة على الشباب اليساري، وخاصة الشباب المنتمي حقيقة. وليس بعض الشباب الذين يفتقدون الأم في حياتهم، او تحضر الام حضورا قويا في حياتهم فيبحثون عن نساء اكبر سنا ويتمثلون أفكارا ليست على مقاس ذهنيتهم البسيطة لمجرد نيل إعجاب المرأة المتحررة أو الوصول إلى "المثال" المختلف عن السائد.

عندما كنت في "اليسار" وكنت  اقوم بكل ما يحلم به "عارف" وأكثر كثيرا، لم يكن يخطر ببالي أي امرأة لا على التعيين ولا على التخصيص. وكنت في مرات كثيرة معرض للموت، وعندما كان لديّ رفاق يقضون في السجون سنوات طويلة لم يكن في ذهن أي منهم أي امرأة لأنها لم تكون موجودة أصلا في التنظيمات وخاصة خارج الجامعات فمن أين يأتي هؤلاء بكل هذا الإيمان بالعمل العام.

مرة اخرى، إنها الدوافع الاجتماعية، كما يرى المحلل النفسي الألماني اريك فروم. فالليبيدو، أو الغرائز الجنسية، لا يكفي لتفسير دوافع البشر طالما هم أبناء واقع يحدد وعيهم وليس العكس. ولا يمكن إن نقول الآن عن شباب الفصائل الفلسطينية المعرضين للموت في كل لحظة في غزة الآن، سواء كانوا إسلاميين يعتقدون بشدة أن الإسلام أكرم المرأة أو يساريين يعتقدون بشدة بتحرر المرأة، أن هؤلاء يواجهون الموت لمجرد أن غرائزهم الجنسية تحركهم.

لا، انه واقع الاحتلال، واقع غزة الفقير، واقع الإذلال والقمع والاهانة اليومية وليس الجنس.

عندما كنا  في اليسار، كنا محافظين أكثر كثيرا من المتدينين خاصة في موضوع المرأة وكنا نخجل بشدة من ملازمة "الرفيقات" وكان "الحب" محرما، فلا وقت للكلام العاطفي طالما ان "الطبقة العاملة لا تزال ترزخ تحت نير العبودية"، كنا نعتبر ان من العيب التفكير بالشخصي وبالحب، ليس على طريقة بطل الرواية عارف المهزوز غير القادر على مصارحة "حبيبته" بعشقه لها وإنما لأننا كنا نعتقد أن "الحب حرام طالما أن هناك قضية كبرى". وكان هذا ربما من اكبر عيوبنا.

ما علينا...

من كان مثل البطل عارف، هم من بقوا دائما يعيشون على هامش هذه الأحزاب، أي أصدقائنا الذين لم يتجرؤوا يوما على الانضمام إلى تنظيم "سري" قد يدفعون بسبب هذا الانتماء ثمنا غاليا، لذلك كانوا دائما يشاركون في بعض النشاطات العلنية التي يكون فيها حضور المرأة كثيفا، وتراهم يحملون الكتب ويعتنون كثيرا بمظهرهم ويحفظون عن ظهر قلب مقولات عن التحرر وغيرها...

هؤلاء، ومنهم بعض الشباب "المتنور" اليوم، الذي يسعى إلى "مثال" أعلى، إلى "أم" كثيفة الحضور في حياتهم، يفتنون بشدة وبسرعة، ولكن سرعان ما "ينتكصون" ويبدؤون في العودة إلى أفكارهم القديمة التي تكون أساسا متخفية في "اللاواعي" عندهم، عندما يتخلصون من كبتهم الجنسي ويزدادون ثقة في النفس لأنهم لا يكونوا في الأساس أصحاب تجارب عاطفية حقيقية أو حتى "زائفة" ولأن عقولهم أو أوليات تفكيرهم لم تغادر السائد، أما ما "تبنوه" من أفكار عن التحرر والعذرية والندية والمساواة والتشاركية فهي ستبقى مجرد "تقليد" ومحاولة تماهي مع "المثال" الذي في العادة يكون اكبر سنا واكبر مقدارا، لكن من السهل اذا ان ينتكصوا أو يرتدوا على أعقابهم.

اخيرا، اعتقد ان في فكرة الرواية، ظلم ما، وتعميم كبير، وفكرة سريعة الذوبان مثل القهوة الاميركية، وتجاهل للواقع الاجتماعي الضاغط بقوة والذي يتمادى الروائي في تصوير قسوته، الفقر والقمع والكبت والقات وغيرها، الا يصلح ان يكون هذا الواقع الذي تحدث عنه زين وأسهب في وصفه دافعا للنضال من اجل عدالة اكثر؟

تعليقات

Comment Icon

I have to say that my experience with the PFLP in the universities in Irbid was based on them wearing Levi's denims (when it was still under the imbargo, and bought from Israel) and red Marlborors and eating out and drinking endless cups of Coffee in out of reach cafe's 9for students) them sitting with very attractive girls and who are trying hard not to cough while having a drag from a very gripped at Marlboro. They attend and organise students parties and the only real political activity that comes out of them is wearing blue Coffieh and chanting for Intifida in the odd day as well as singing Montasebo al qammate amshy during the bus ride in a picnic. Your man Mousa Barhooma, Ma Ghairo, foolishly wrote something similar to your Yemeni man in Alghad during his days in JU. I cant find the article but you can google it

Sameh El Beast | 01/01/2009, 13:24 [ الرد ]

Comment Icon

لهذا يا صديقي أقول :
لن أكون حزبيا !

خالد السعود | 01/01/2009, 14:19 [ الرد ]

Comment Icon

مرحبا صديقي..
ما الأمر يتعلق بالروايات..
أرغب أن أسألك هل قرأت رواية للأكاديمية الأردنية عفاف البطاينة تحمل عنوان "خارج الجسد" من غصدار "دار الساقي"...
وإذا لم تكن قد فعلت.. فأرجو فعلا أن تقرأها وتكتب لنا تدوينة عن جرائم الشرف في الاردن..
بالتوفيق صديقي

عبد اللطيف | 01/01/2009, 23:51 [ الرد ]

Comment Icon

اشكركم جميعا
صديقي عبداللطيف. لقد كتبت عن رواية عفاف هذا هو الرابط.
http://www.mohomar.com/mohomar/66181/2008/01/04/80192-
كما كتبت عن جرائم الشرف ونسيت عنوان المدونة . اشكرك

محمد عمر | 02/01/2009, 12:09 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba