شيئان لو اجتمعا دائما لكنت بخير. المطر الذي يهطل على عمّان، وشبه العزلة الاختيارية التي انا فيها منحاني وقتا كافيا للاستمتاع بما أحب...
الأمطار الأخيرة التي تساقطت على عمّان لملمتني. أعود إلى البيت باكرا. أتفرغ لنفسي. لا تسكع ولا زيارات ولا سهر. قضيت وقتا في البيت بين غسيل وتنظيف وترتيب. جعلت من جو البيت مكانا مريحا ومعدا بشكل كلي للقراءة.
قرأت عشرات المقالات التي تجمعت عندي من صحف ومواقع مختلفة. أعددت نفسي لدورة تدريب انتهت أمس. راجعت ما كنت كتبته حول كتاب "الأردن إلى أين"، لوهيب الشاعر، قد انشره قريبا على مدونة "حبر" أو على مدونتي.
الأهم...
غرقت في قراءة متمعنة لرواية السوري فواز حداد "المترجم الخائن"، وهي رواية طويلة جدا، 486 صفحة، صادرة لدى دار الريس للكتب، 2008، ومن بين ست روايات مرشحة لنيل جائزة "البوكر" العربية، التي ذهبت العام الماضي للمصري بهاء الطاهر عن روايته "واحة الغروب".
ما علينا...
المشكلة، أن صاحب المكتبة الذي باعني الرواية أكد ليّ أن دائرة المطبوعات والنشر عندنا، منعت توزيعها في الأردن. عندما انتهيت من القراءة استغربت بشدة ما قاله صاحب المكتبة ، وأكاد اشكك في صحة قوله، لأنه لا يوجد في الرواية ما يسيء لشيء، لا للأردن ولا للأخلاق "الحميدة"، غريب فعلا أن تصل الوقاحة بالرقيب عندنا إلى هذه الدرجة.
اذا كانت الرواية ممنوعة فعلا، فيا فضيحتنا...!
مرة اخرى، يا ريت الحكومة تغلق هذه الدائرة السوداء. حالة ميؤوس منها...!
الإرباك الذي أوقعني فيه قول صاحب المكتبة عن منع الرواية، وقعت في إرباك وحيرة اشد منه خلال وبعد قراءتي للرواية...
في الرواية، لا يعرّي فواز حداد "المثقف السوري الانتهازي"، ربيب السلطة وحسب، ولا "صغار المثقفين"، بل "يهاجم" بشدة الواقع الثقافي في بلده منذ أربعينيات القرن الماضي، وحتى الآن. مع تركيز اكبر على الفترة منذ "الحركة التصحيحة"، التي قادها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عام 1970، وحتى الاحتلال العراقي لبغداد وتداعيات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني على سوريا.
"يهاجم" حداد وبشدة التيارات الفكرية/الثقافية جميعها: البرجوازية اليمنية، اليسار الثوري (الماركسي، اللينيني)، الواقعية الاشتراكية العربية، الالتزام، الحداثة، الليبرالية...
يسلط حداد غضبه على "المثقف الريفي"، يتهمه بترييف مدينته "دمشق". الأحرى، أن اغلب الشخصيات الانتهازية هي شخصيات ريفية، قادمة من ريف جبلي فظ، تعاملت مع المدينة بحقد وغضب وانتقام وعملت على ترييفها.
كنت اشعر أحيانا أن حداد وبوصفه ابن مدينة دمشق يحاول تصفية حساب مع ابناء جلدته القادمين من الأرياف، من الشمال تحديدا.
اعتقد ان حداد ظلم "المثقف" السوري القادم من الريف، فهو تناسى ما قدمه مثقفون سوريون كبار قدموا من الأرياف أمثال ادونيس وممدوح عدوان وسعد الله ونوس وعبداللطيف عبد الحميد وأسامة محمد وآخرون للثقافة السورية.
بالنسبة لشخوص رواية حداد من مثقفين فان كل المثقفين الانتهازيين قادمون من الريف مقابل المثقف المغترب/المسكين ابن المدينة. والثقافة السورية مبلية بالفساد الى درجة اليأس، كالحب الميؤوس منه.
لا ينجو المثقف العراقي واللبناني أو المناضل الفلسطيني من تهمة تلويث المدينة واستغلال "براءتها" وتسامحها...
صحيح ان حداد يربط المشهد الثقافي بالمثقف الانتهازي أو المثقف المغترب، الذي تبنى هذه التيارات الفكرية بدون اطلاع وبانتهازية رخيصة وبتواطؤ مع السلطة، وتاليا فانه يحاول تعرية التيارات الثقافية كما عرفتها سوريا. لكنه أحيانا يصب غضبه إلى الجميع وعلى الأفكار نفسها بحيث لا تدري ما الذي يريد أن يقوله او إلى أين يريد ان يقودك.
على كل حال، الرواية، على طولها، ممتعة جدا، وثرية جدا بما هي توثيق للثقافة السورية.
وهي فوق كل ذلك قد تصلح لان تكون رواية عن الثقافة في الاردن أيضا وعن تطورات المشهد الثقافي وعن علاقة المثقف الأردني بالسلطة مع تحوير بسيط فقط.
انشالله الامطار تستمر، لانه عندي عدد كبير من الكتب التي اريد ان اقرءاها، كما نسيت عشرات الاسطوانات التي لم استمع اليها منذ زمن...
المطر والعزلة متعة حقيقة فعلا...!
ان الدمشقيين بتعميمهم لاستصغار الريفيين انما يعبرون عن سخطهم لكثرة القرداحيين في العاصمه واستحواذهم على منلحيها المختلفه.البلجيكيه لبف يوريس كتبت عن ذلك ابضا في "بوابات دمشق" http://www.amazon.com/Gates-Damascus-Lieve-Joris/dp/0864423683
القد المياسي | 01/03/2009, 11:23
" المطر والعزلة متعة حقيقة فعلا ...! "
أتفق معك تماما ، ولا غرابة في ذلك ألسنا أصحاب برج واحد ( العذراء ) ؟!
تدوينتك هذه تبعث في النفس الأمل والتفاؤل تماما كما يفعل المطر منذ ايام وما يزال .
عبير هشام ابو طوق | 01/03/2009, 11:35
سلامات محمد..فعلاً ما في بعد القراءة في جو الشتاء!
المهم، من وين لقيت الكتاب؟ لأني سألت عنه في الأهلية من فترة ومش موجود عندهم
يزن | 01/03/2009, 15:17
سلامات يزن...
زمان، وين هالغيبة؟
اذا رغبتك اعيرك الرواية. اصلا انت الك رواية "مصائر الغبار" لا تزال عندي...
تحياتي، خلينا نشوفك...
محمد عمر | 01/03/2009, 15:35
كنت برة عمَان!
بلكي التقينا وجبتلي اياها..بس هي مش موجودة في الأهلية؟
يزن | 02/03/2009, 01:43
...أزمة مثقف أم أزمة سلطة؟
..إن كنا نبتغي مثقفين حقيقين فهم عادة ما يكونون بعيداً عن أجواء و مغريات السلطة.
..ولكن الفكرة المستترة وراء المقالة تكمن في جهالة القائمين على الدوائر الرقابية، فيمنعون ما هو مباح و يبيحون ما هو ممنوع!
..و علينا كقراء...أن نتلقى ما يمر من تحت مقصاتهم...أو ان نتيه في البحث عن كتاب لم يكن ذو حظ..فلم يمر!
..ولك الشكر!
أيمن | 01/03/2009, 18:01
وأنا أيضا سألت الأهلية عن الرواية قبل شهر تقريبا، لم تكن متوفرة، قرأت قراءة عن الرواية، فهمت أنها رواية تتحدث عن حرب لبنان، أذكر أن القراءة كانت للأستاذ اسكندر حبش في صحيفة السفير.
أين أستطيع الحصول على الرواية؟؟
دمتَ بكل جمال وألق
بسمة فتحي | 01/03/2009, 19:31
وينك من زمان لاتقطعنا هيك
قراءة مدونتك اصبحت جزء من اليوم
eyad | 01/03/2009, 21:28
مطر وقراءة في العزلة. أذكر عندما كنت قادرا على الإستمتاع بهذه الثنائية، الآن أقضي معظم وقتي مع الأطفال. ربما تعود هذه الأيام بعد أن يكبر الأطفال قليلا، أو ربما لن استطيع أن أقرأ إلا بعد التقاعد!
باتر وردم | 01/03/2009, 22:30
اشكركم جميعا..
صديقي يزن ضروري نتشاوف.
بسمة انا اشتريت الرواية من "الاهلية" قبل اربعة ايام. لا تتحدث الرواية عن الحرب في لبنان وان كان الروائي حداد في بعض السطور ينتقد المثقفين اللبنانيين في تعاملهم مع نظرائهم السوريين بعد اغتيال الحريري او في نظرة بعض المثقفين السوريين لبيروت كممر اجباري للشهرة. في بعض السطور ايضا ينتقد النظرة العنصرية تجاه العمال السوريين في لبنان.
دمتي بود
الاصدقاء جميعا شكرا مرة اخرى.
محمد عمر | 02/03/2009, 12:07
منيح الي رجعت تكتب..لاني انصرعت من سؤال وينو ابوكي معد كتب شي :p
reemi | 01/03/2009, 11:21 [ الرد ]