سرداب البصل...!
23 ايار, 2009

وضعت "التيبل لامب" على حافة باب إحدى خزائن المطبخ الصغير في الركن القريب من الشباك المطل على الشارع والفيلا المغلقة الشبابيك دائما وابدأ....

سحبت مقعد "البار" البني العالي، وجلست بجانب الشباك تحت ضوء اللمبة، بصلية الشكل واللون، وأعددت كأس ويسكي، ولوز مملح، وأدرت الراديو على صوت "أم كلثوم"، تغني "غلبت أصالح في روحي عشان ما ترضى عليك"، وبدأت أعيد قراءة رواية الألماني الفائز بنوبل للآداب غونتر غراس "الطبل الصفيح"...

وكنت وأنا اقرأ الرواية أتذكر "مجنون" حارتنا "بزبز" أو "فقع البلون" الذي كنت كتبت عنه مدونة.

ما جعلني أتذكر "بزبز" هو وجه الشبه مع بطل رواية غراس "اوسكار" القزم الذي يتعطل نموه، أو هو ينمو بشكل غير طبيعي.

والحال ان "اوسكار" نفسه يختار هذا ويختار الجنون كونه يعيش في عالم غريب جدا ومشوه، يعيش في مجتمع عنف وكراهية.

في عيد ميلاده الثلاثين يحمل "اوسكار" طبله الصفيح، كما كان يحمل "بزبز" تنكة الصفيح، ويبدأ التجوال في الشوارع وقرع الطبل تحت شبابيك المنازل في محاولة لإيقاظ "ضمير" الشعب الألماني المأخوذ بتفوقه والمستلب للفكر النازي والمتجاهل لأثار الحروب والكوارث التي سببتها للناس، ومع أن هذه المآسي تؤرق ليلهم وتقض مضاجعهم وتملأ نومهم بالأحلام المزعجة والكوابيس، إلا أن أحدا يرفض أن يبدي الندم على ما فعل، أو على الأقل على سكوته وتواطؤه وإسهامه في نجاح النازية وحروبها.

يبدو "القزم اوسكار" العاقل الوحيد في عالم مجنون.

قد لا تختلف ثيمة رواية غراس كثيرا عن ثيمة رواية وفيلم "القارئ".

ينقل عن الإمام علي بن أبي طالب قوله :"الناس نيام إذا ما ماتوا انتبهوا "، واوسكار القزم يقول في الرواية:"عند الموت فقط يدركون أنهم لم يكونوا مجرد شهود وضحايا فحسب، إنما شركاء في الجريمة"....

في النهاية يعمل "اوسكار" في مطعم ليلي يدعى "سرداب البصل" يقدم لزبائنه وجبة من البصل يقشرونه لتدمع أعينهم. فالشعب الألماني لم يعد قادرا على البكاء، وقد جف دمعه، إذ فقد إحساسه بغيره وفقد قدرته على الندم حيال ما فعلت أياديهم في الناس.

ومع أن "البصل" يخلق حالة توتر وهياج في العيون وينزل الدمع مدرارا، ويجعل الإنسان كما لو كان حزينا، والحزن يعني الروح الشفافة، لدرجة أن المصريين القدامى، الفراعنة، كانوا يعتقدون ان وضع البصل في قبور مواتهم، وأحيانا في حدقات عيون الموتى سوف يعيد الروح للموتى، أو، سيساعدهم على التنفس، ومع ذلك فأن كل بصل العالم لم يعد كافيا لإسقاط دمعة من عين مذنب، يأبى ان يتصالح مع روحه ليتسامح مع نفسه ومع الآخرين على رأي الست، كوكب الشرق...

يمكن انا بحاجة لتقشير كيس بصل كامل لاستدرار الدمع، ولكن ليس ندما على شيء، انما لأشعر إنني بحاجة لبعض المشاعر بعد ان فقدتها جميعا، اذ لم يعد لديّ من ابكي من اجله...

ياه، زمان عن الكآبة والحزن والانتظار...!

تعليقات

Comment Icon

هلا محمد كيف الحال؟
على فكرة، يوجد فيلم مقتبس عن الرواية بنفس العنوان كان فاز بسعفة كان الذهبية وأوسكار أفضل فيلم أجنبي سنة 1979 ، بيستحق المشاهدة.
http://www.youtube.com/watch?v=Ycey9HsL5EM

يزن | 23/05/2009, 14:32 [ الرد ]

Comment Icon

يسعد أوقاتك ..

الحركة بركة .. و طمأنينة
و الركود .. سقم .. و أسن ..

بربك أبو عمر .. لا أخاف على محمد عمر إلا عندما ينفرد محمد عمر بمحمد عمر .. يصبح المشهد مهيأ - تلقائيا- لكل الكآبة التي خلقهـا الله ..

نريدك زاهيـــا .. و مشرقـا
إرفع الأباجور المعنوي قبل المادي المحسوس ..
دمت بخير ..

فــاخــر النحـال | 23/05/2009, 19:39 [ الرد ]

Comment Icon

"ياه، زمان عن الكآبة والحزن والانتظار...!"
شو حابب ترجع تكتئب ليكون؟؟؟؟ لا خليك هيك مبسوط، اطبخ ملوخية وخربها، لون بيتك بالاحمر، اغسل وانشر، استقبل صديق بنتك بس لا تكتب عنه مدونة، اعمل اللي بدك اياه بس لا تكتئب... وحاول خفف من استخدام البصل، اوك يا معلم؟؟؟

عروبة | 23/05/2009, 21:53 [ الرد ]

Comment Icon

صباح الخير
سلامات يزن ، ما كنت اعرف انه الرواية تحولت فيلم . لازم اشوفه.
فاخر اشكرك يا صديقي.
عروبة
شو اخبارك؟

محمد عمر | 24/05/2009, 10:52 [ الرد ]

Comment Icon

والله صافية وافية يا صديقي

عروبة | 24/05/2009, 20:21 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba