بدوي صادق...!
10 آب, 2009

نمت باكرا على البلكونة بعد كاس عرق بلدي ثقيل ع الاخر وصلني هدية من "بكركي" بلبنان من عند مرجعية ابونا المطران صفير، واستيقظت باكرا على صوت المؤذن...

ولولا عرق "المرجعية" والنومة باكرا، لكنت الان مسطول، لكنني استيقظت بمخ مصحصح، وبعد الاطلاع على الصحف المحلية عبر الانترنت، وقراءة بعضا من المقالات، تملكتني رغبة في الكتابة.

اول ما عنّ ع بالي الكتابة، تذكرت كتاب السياسي الأردني ضافي الجمعاني " من الحزب الى السجن 1948 – 1994"، هذا الكتاب الذي اشتريته من "الرباط" بالمغرب، لانه ممنوع في البلد عندنا.

المهم،،،

أصابتني حيرة شديدة أمام كتاب الجمعاني هذا لعدة اسباب:

 بداية، فكرت في وجاهة قرار دائرة المطبوعات والنشر بمنع الكتاب من التداول في البلد، بالمناسبة كانت مجلة "السجل" الشهرية قد قدمت مراجعة للكتاب في عددها الأول تموز 2009، الا انها مراجعة لم تعط الكتاب حقه، من وجهة نظري.

انا هنا احاول تسجيل انطباعاتي الشخصية عن الكتاب،وليس مراجعته،،،

صحيح ان كتاب الجمعاني يتضمن مواقف "راديكالية"، ليس ازاء السياسة الرسمية التي انتهجتها الدولة منذ التأسيس، بل إزاء "الكيانية الاردنية" ككل، معبراً عنها في موضوع رفضه تشكيل "الدولة" الاردنية، واعتباره هذا التشكيل جاء نتيجة حاجة لدور وظيفي اقتضته مصلحة بريطانية – إسرائيلية، فهو لا يتردد في وصف هذا "الكيان" بأنه "منطقة عازلة" او " Pivot " للمشروع الصهيوني.

ولا يزال الجمعاني على هذا الموقف "الراديكالي، الذي كان منتشرا، بل مسيطرا على النخب السياسية الأردنية المعارضة، وتحديدا أحزاب المعارضة، وخاصة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان، ولا يزال الجمعاني منتميا إليه، فكريا على الأقل.

وقد كان على الاردنيين ان يخوضوا في مسار صعب وطويل قبل ان تبدأ احزاب المعارضة، وبعض النخب، في الاعتراف بـ"الدولة" والدعوة الى حمايتها وتعزيز وجودها، وتخليصها من "الدور الوظيفي" التي تأسست لاجله، بحسب موقفهم.

واذا كان حزب البعث العربي الاشتراكي كان ولا يزال يعتبر تشكيل الدولة القطرية في المشرق العربي على الاقل، جاء نتيجة "مؤامرة" اتفاقيات "سايكس بيكو"، ويرفع شعار "امة عربية واحده ذات رسالة خالدة"، فان احزابا اخرى، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي، كان يرفض هو الاخر هذه الكيانات المصطنعة، التي فصلت عنوة عن الوطن الام سوريا، ويدعو الى وحدة "الهلال الخصيب" الذي اتبعه الحزب بضم جزيرة "قبرص" كنجمة لهذا الهلال.

كما وبتأثير من "ثورة يوليو الناصرية" فقد عرف الأردن ايضا تنظيم "الضباط الأحرار" في الجيش، على غرار "الضباط الأحرار" المصريين، الذين قادوا انقلاب يوليو على الملك فاروق.

 وقد كان ضافي الجمعاني ابرز المؤسسين لهذا التنظيم في الجيش الأردني، الذي اتهم بتدبير عدة محاولات انقلابية على الملك الراحل أبرزها "مؤامرة 1957"، بعد إقالة حكومة سليمان النابلسي، اول واخر حكومة برلمانية "منتخبة" في تاريخ الاردن.

كان تنظيم "الضباط الأحرار"، لا يقل رفضا لـ"الكيان السياسي الأردني"، عن حزبي البعث والقومي السوري، وكان تنظيما خليطا من حزبيين، من هذين الحزبيين اساسا، ومن ضباط مستقلين معجبين بالتجربة الناصرية او ممن لهم دوافع وطموحات شخصية.

ما يغيب عن ذهن الاجيال الجديدة ان اغلب النخب او الشخصيات السياسية الأردنية التي أسهمت لاحقا في بناء الدولة الأردنية، كانت في "شبابها" تنتمي لهذه الأحزاب، او لتنظيم الضباط الاحرار، وتؤمن بهذه الأفكار، وتمارس على اساسها، لذلك فان الملك الراحل حسين تعرض لاكثر من محاولة انقلاب وأكثر من محاولة اغتيال نجا منها فيما ذهب جده الملك عبدالله ضحية احداها.

وقد مر وقت طويل قبل الانتقال من التنظير لتشكل "مصطنع" للدولة بسبب عوامل خارجية، الى التنظير، او، اعادة اكتشاف، تشكل الوعي الوطني الأردني، ممثلا في مقررات قم وام قيس ومؤتمر الكرك وغيرها من "هبات" قادتها بعض القبائل في وجه الملك المؤسس للدولة.

لكن الصحيح، ان قرار دائرة المطبوعات والنشر بمنع كتاب الجمعاني، وكتب اخرى كثيرة، تتناول تاريخ البلد، لم يحرم الأردني من الاطلاع على تاريخ بلده وحسب، بل اتاح للتصورات "الساذجة" عن تشكل الهوية الوطنية الاردنية والدولة ان تحتل عقول الناس، وهو الأمر الذي قد يفسر، اضافة الى عوامل اخرى، الى حد بعيد "قلق الهوية" المبالغ فيه في البلد.

والامر هنا لا يتعلق بالمواقف من تشكيل "الدولة" ولا بـ"المؤامرات الانقلابية" ولا بسمعة رجال دولة كانوا في يوم من الايام يرفضون هذه "الدولة"، بل يتعلق في الاطلاع على تاريخ حقيقي لتشكل الاردن وتشكل الهوية الوطنية عبر صراع سياسي حقيقي، وحراك اجتماعي حقيقي لا يقل بحال من الاحوال عن ما كان يجري في دول عربية اخرى تشكلت فيها الدولة والهوية، ليس قبل الاردن بقرون انما قبل الاردن بسنوات وحسب.

 الحال ان سيادة "الفكر السلطوي"، وتغييب الرأي الاخر، كرأي الجمعاني، في البلد صنع اعتقادات "وهمية" وغير واعية لطبيعة تشكل الكيان والهوية، وقد جعل هذا الفكر من مسألة تشكل الهوية والكيان في الأردن "صنوا" لمؤسسة العرش.

والحال، والاردن، دولة وهوية، قد تشكل عبر هذا المخاض الصعب، كما تشكلت الدول العربية المشرقية، فان اراء الجمعاني تغدو ليس تغريدا خارج السرب انما تغييبا لـ"الواقعي" والحقائق على الارض، فاذا كانت كل الدول العربية القطرية (المشرقية) خرجت من عباءة سايكس بيكو، وكل دول الخليج خرجت من عباءة المستعمر البريطاني، وكل رسم له دور وظيفي، وفيما بعد اعترف بكيانيات هذه الدول وهوياتها وشعوبها، فلماذا يكون الاردن استثناء.

المشكلة ان الجمعاني، ومن يعتنقون افكاره للان يخلطون، او يماهون بين تشكل الهوية والكيان، او الدولة، وبين الموقف الرسمي، وهو خلط، متعمد، تماما كما يفعل بعض العرب في المماهة بين الاردني، كل اردني، والسياسية الرسمية، التي لم تكن دائما وابدا محل رضا تام واجماع بين الاردنيين حتى عندما حققت انجازات كبيرة، من بينها الاسهام الرئيسي في تشكيل الهوية والدولة الحديثة.

هل يعقل بعد مرور اكثر من ستين عاما على تشكيل الدولة، وقبلها تشكل المجتمع الاردني، والهوية الاردنية، العودة الى مقولات الدور الوظيفي للدولة ودور العوامل الخارجية وغياب الحراك الاجتماعي والصراع الطبقي.

الاردن، كغيره من الدول العربية قد تشكل مجتمعا وشعبا ودولة وهوية، وهو موجود وبقوة، وهذه حقيقة تاريخية يجب التعامل معها، والعودة للتاريخ تصلح لفهم افضل لطبيعة التشكيل، انما لا تؤدي الى فكر سياسي واقعي قادر على التعامل مع التحديات التي تواجهها البلد.

الامر الاخر الذي اثار حيرتي في كتاب الجمعاني، هو دوره الشخصي في كل الاحداث التي عاصرها و"انخرط" فيها وانتقدها.

اشعر ان الجمعاني، وان كان فاعلا في تنظيم الضباط الاحرار، ثم في قيادة حزب البعث، ثم في قيادة "منظمة الصاعقة"، التي تشكلت من الفرع الفلسطيني لحزب البعث، كان "مراقبا" اكثر منه فاعلا في الاحداث الحاسمة، فهو قد غاب "وقت الشدائد".

فالجمعاني كان مجازا عندما قام الضباط الاحرار بـ"انقلابهم" عام 1957، قبلها لم يشارك في حرب 1948، كما لم يشارك في معركة الكرامة، لا مع الجيش ولا مع الفدائيين، ومع ذلك يصر على تبهيت النصر الذي تحقق في هذه المعركة، كما لم يشارك في "حرب ايلول" عام 1970، فقد ترك عمان الى عجلون، او جرش،، ثم الى سوريا..

وعدم مشاركة الجمعاني في "ايلول" تحديدا، و"هروبه" الى سوريا اثارت ريبة رفيقه "هاجم الهندواي"، الذي لحق به الى درعا ثم عاد ليقتل على احد الحواجز، ويبدو الجمعاني في كتابه هنا مثقل الضمير في مقتل "الرفيق ابو مروان".

يحاول الجمعاني في كتابه "تبرير" اسباب تغيبه عن كل الوقائع التي عاشها، فهو ان كان برر سبب غيابة في ايلول، رغم انه اختير نائبا لعرفات، بـ"المؤامرة" التي رسمت بين الملك الراحل حسين وحركة "فتح"، فلن نعرف مثلا سبب عدم وجوده في وحدته ليلة "انقلاب 57"، مثلا.

ما علينا...

لا شك ان كتاب الجمعاني يحتاج الى كثير تدقيق، لا بل هو يحتاج الى عمليه تحرير، فالكتاب يكاد يكون "خلطة" كاملة من الذكريات كثير منها متناثر، وبعضها متكرر بملل، لكن الاسوأ ان الكتاب ينقصه التوثيق الحقيقي، ففي الكثير من المواقع او اغلبها يغيب التاريخ وتضيع بعض الاسماء والوقائع، والجمعاني كتب الكتاب بعد خروجه من "سجن المزة" ما اثر كثيرا على ذاكرته رغم محاولته الدفاع عن هذه الذاكرة.

صحيح ان بعض فصول الكتاب خرج بعفوية على طريقة الكلام البدوي الصادق، الا ان الجمعاني اغرق كتابه في مواقف وتنظيرات سياسية بحاجة الى اعادة نظر كلية.

وقد حاول الجمعاني في الكتاب التغطية على "ضعف" ذاكرته في الاغراق في الكتابة عن افكاره السياسية.

الامر الاخر الذي اثار استغرابي الشديد من افكار الجمعاني هي حقيقة موقفه من الملك الراحل الحسين، فهو وان كان يختلف معه بشدة، ويتهمه، او بالاحرى يرفض مواقفه السياسية لا يتردد في تكرار مقولة "جلالة سيدنا"، وهو امر لا يستقيم مع فكر الجمعاني. وان كان حاول تبرير هذا السلوك بالقول ان ليس له مآخذ شخصية بحق الملك الراحل انما هي مسألة مواقف سياسية.

هناك امر اخر يحيرني، لماذا توقف الجمعاني عند اعتقاله في "سجن المزة" ولم يتابع ذكرياته في هذا السجن الوحشي، علما انه اعتقل من عام 1971 وحتى عام 1994.

هل كان الجمعاني يريد الكتابة عن "التجربة الاردنية" فقط، ام انه التزم باتفاق مع السلطة السورية بعدم كتابة مذكراته عن السجن، كما قرأت ذات مرة عن مثل هذا الاتفاق الذي عقد مع كل المعتقلين بعد "الحركة التصحيحية" الذين افرج عنهم مع الجمعاني او بعده او قبله بقليل.

يبقى، ان الجمعاني في افكاره لا يزال يحتفظ بحماسه الاول، ويبدو ان الكتاب لم يشكل مراجعة حقيقية لمواقفه، وهذه عادة القادة البعثيين، وكل الحزبيين العرب للاسف، وهي تقديم الفكرة على الواقع، فالجمعاني ، ورغم المياه الكثيرة التي جرت تحت الجسور، لا يزال يؤمن ببساطة بفكر البعث، ويعتبر ان بعض القائمين على هذا الفكر انحرفوا، وان دول البعث العربية وحزب البعث تعرض لمؤامرات متتالية واختراقات.

والجمعاني يدلل على "عظمة فكر البعث" بما انجزه الرئيس الراحل صدام حسين في العراق، خاصة "انتصاره" على ايران، وهذا امر ليس محل جدل وحسب، بل محل "استهزاء" من قبل غالبية عربية وعراقية خاصة، ومع ذلك فان الجمعاني غير قابل لمراجعة "افكار" البعث، التي اقل ما اقول فيها انا انها شوفينية بلهاء.

ومع ذلك فكتاب الجمعاني يستحق ان يقرأ بشغف فهو يشكل شهادة على العصر، كتبت بكلام بدوي صادق، كما وصف كلامه ذات مرة الملك الراحل، بغض النظر عن بعض الهنات، والخلاف في المواقف، والنقد هنا وجهة نظر شخصية محضة من ابن جيل ورث عن جيل الجمعاني الكثير من الاحلام الكبيرة المجهضة، هو ربما عتب الابناء على الاباء.

تعليقات

Comment Icon

قال مدير عام دائرة المطبوعات والنشر نبيل المومني في مقابلة مع صحيفة العرب اليوم مؤخرا "الكتب الفاسدة شأنها شأن الطعام الفاسد"

الى متى ستسمر الوصاية على عقول الآخرين؟!

عبير هشام ابو طوق | 10/08/2009, 11:13 [ الرد ]

Comment Icon

لماذا لا يعمل نبيل المومني أيضا رقيبا على الصحة والغذاء في أمانة عمان لمنع الطعام الفاسد؟ عار على الأردن وجود دائرة المطبوعات والنشر.

باتر وردم | 10/08/2009, 12:20 [ الرد ]

Comment Icon

لا أعلم حقيقة إن كان لدوائر
" الممنوعات و الحجـر" من داع في عالم تتـوق فيـه العقول و الأرواح للإنعتـاق من تبعـات الوصاية/الرقابة/ الحجر على العقول و خباياهـا .. أليس لنا الحق في أن نتداول فكرا صافيا و نتاجات عقول مبدعة بعيدا عن التفتيش و التمحيص ؟

آلمني ما يحصل للمفكر المبدع "السيد القمني" في مصر ، و من قبله فرج فودة
و نصر حامد أبو زيد ، شخصيـا أعتبر أن دوائر " الممنوعات و الحجر" هي "القادح" الأساسي لإشعال النار في وجه من يعارض "الأب" فكريا ، و أن المآسي التي تعرض لها كتابا و مبدعين عرب على يد الظلاميين كانت بسبب تواطؤ أرباب الدوائر إياهم الذين أشعلوا فتيل المواجهة و تركوا "الخواتيم" لشركاءهم ليقرروا النهاية التي تليق بكل مبدع .. من إستباحة دمه .. تهجيره .. نفيـه إلى عالم أكثر رحمة و حرية !

فـاخـر النـحـال | 10/08/2009, 16:44 [ الرد ]

Comment Icon

سؤال : هل كتاب كبائر النساء المتداول في الاسواق صالح للاستهلاك البشري ام انتهت صلاحتيه؟

سعدية | 10/08/2009, 19:22 [ الرد ]

Comment Icon

Thank you for this wonderful article.I hope all continues like this quality.
türk pornosu
sikiş izle
sikiş
blackhat seo
saglikli yasam
holiday resort
bedava sikiş izle

saol | 13/06/2010, 03:39 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba