تسديد حساب...!
04 آذار, 2010

خلال الايام الاخيرة قرات عدة روايات، لا اقرأ الان سوى الروايات، وبشكل بطيء، ذهني متبلد ايضا، ومتعتي في القراءة شبه مقطوعة...

المهم...

مؤخراً، انتهيت من قراءة رواية " ليتوما في جبال الانديز"، للروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا،،،

الرواية هي اخر ما ترجم من اعمال يوسا، ولكنها ليست روايته الاخيرة، فقد صدرت عام 1993، بعد عامين تقريبا من سقوط الروائي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في بلده البيرو.

وكان يوسا مرشحا عن تحالف يميني ، او بالاحرى "تحالف نيوليبرالي"، وقد سقط في الانتخابات، سقوط مدوي، لصالح مواطنه "فوجيموري"، البيروفي من اصل ياباني، الذي اجبر على ترك منصبه، ومغادرة البيرو بعد فضائح فساد وقمع مدوية...

الصحيح، ان البيرو بلد "مدهش" جدا، خاصة فيما يتعلق في السياسة، فالرئيس آلن غارسيا، الحالي، كان اجبر على ترك الرئاسة سابقا، ثم عاد وفاز في الانتخابات رغم تورطه في فضائح فساد كبيرة، وقمع وتعاون مع عصابات وتجار المافيا...

المهم...

ربما تكون هذه هي الرواية الاولى ليوسا التي يقترب فيها من السياسة الداخلية للبيرو، وفيها يركز يوسا على "الارهاب"، الذي طحن البيرو في حقبة ثمانينات القرن الماضي، عندما كانت منظمة "الدرب المضيء"، اليسارية الماوية، نسبة الى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، ناشطة في المناطق الريفية.

"الدرب المضيء"، تتبنى "الكفاح المسلح"، على طريقة ماو تسي تونغ، ولها "محميات او معسكرات خاصة"، في الجبال والادغال، لا تستطيع قوى الامن والجيش البيروفي الوصول اليها، وتقوم بتدريب اعضائها في هذه المعسكرات على حياة تقشف شديدة، على طريقة "الثورة الثقافية" الماوية...

تقول الحكومات البيروفية ان اكثر من 100 الف شخص فقدوا حياتهم خلال حقبة الثمانيات بسبب نشاط "الدرب المضيء" المسلح، كما تقدر بعض المصادر ان خسائر البيرو في ذاك العقد بلغت نحو 200 مليار دولار، اي ضعف حجم الديون الخارجية على هذا البلد المضطرب والمبلي بالاستعمار والمخدرات والعنف والفساد.

المهم...

عندما سقط الروائي ماريو فارغاس يوسا في انتخابات الرئاسة، لصالح المرشح الاخر، فوجيموري، اليمني ايضا، كان اليسار البيروفي له مرشحه ايضا، وهو الامر الذي جعل يوسا يعتقد ان اليسار كان احد اسباب هزيمته...

 الواقع ان يوسا كان في مطلع شبابه "يساري ومكثر"، وكان صديقا حميما للزعيم الكوبي فيديل كاسترو، وقد دعم الثورة الكوبية بكل امكاناته، وكان ويسا قد تعلم الماركسية في الجامعة، اي انه لم يكن مثقفا فيها وحسب، بل انه كان اكاديميا ايضا..

لكن يوسا، بدأ مع مطع ثمانينيات القرن الماضي بالتحول نحو اليمين، وقد حسم امره تماما، وصار ممثلا للنخبة "الليبرالية الجديدة " في ليما عاصمة البيرو، وقد رشحته هذه النخبة لانتخابات الرئاسة..

في كل اعماله، ومقالاته وجولاته، لا يكف يوسا عن مهاجمة اليسار، ونقده، وفي زيارته الاخيرة للتشيلي اعلن تأييده للمرشح الرئاسي اليمني، بينار، الذي كان احد اعوان الديكتاتور بينوشت، وقد تعرض يوسا لهجوم عنيف وانتقادات من قبل جماعات حقوق الانسان على تأييده "بينار"، سليل الديكتاتورية البينوشيتية.

يوسا كان زار الاردن قبل عامين، عندما كان في جولة في المنطقة، ذهب فيها الى العراق، معلنا تأييده للغزو الاميركي لهذا البلد العربي. وكان برفقة ابنته المصورة الصحافية.

ما علينا..

رواية يوسا، ليتوما في جبال الانديز، رواية جميلة جدا، ولا يحتاج يوسا لمديحي، وهي رواية تقرأ بشغف حقيقي، وبتأني ايضا، فيوسا يشتغل على الواقع في بلاده مستفيدا من كل تناقضات هذا الواقع، خاصة في مناطق الانديز، وهي سلسلة جبلية ضخمة، وغير مستقرة،كل سكانها من قبائل البيرو الاصليين، وتسودها الخرافات والاساطير بشكل خرافي.

في جبال الانديز، تنتشر رائحة الموت، فاما ان يموت الانسان من الجهل والخوف والانهيارات الصخرية او من شدة البرد والحر والارهاب، الرواية ممكن ان تحمل اسم "الموت في الانديز"..

لكن يوسا يبدو في روايته وهو يصفي حساب عسير مع ماضيه، او على الاقل مع اليسار "المتطرف" في البيرو، ففي كل الرواية يتحدث يوسا عن ارهاب "الدرب المضيء"، لكنه يتجاهل ارهاب الحكومات العسكرية الفاسدة التي تعاقبت على البيرو، وارهاب المنظمات "شبه العسكرية"، التي لا يذكرها يوسا الا في سطر واحد.

طبعا يوسا ليس الماركسي الوحيد الذي احرف نحو اليمين الجديد،  فاغلب الماركسيين ، بمن فيهم انا لفترة من الوقت، اصبتهم هذه اللوثة.. عندما اكتشفوا متاخرين ضعف الماركسية في موضوع حقوق الانسان والفرد والليبرالية...

بالمناسبة...

في كل دول اميركا اللاتينية كان هناك منظمات يسارية تتبنى "العنف" او "الكفاح المسلح" للسيطرة على الدولة، وفي المقابل كانت الطغم العسكرية الفاسدة الحاكمة في هذه البلدان تشكل بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الاميركية وتجار المخدرات ما عرف باسم "المنظمات شبه العسكرية"    Paramilitaries، واحيانا يطلق عليها "الحرس الاهلي"، وهذه المنظمات لم تكن تخضع لقوانين او اعراف او تقاليد في الحرب، وتتحمل مسؤولية كبيرة المجازر التي وقعت في بلدان اميركا اللاتينية.

من بين الوسائل التي كانت تستخدمها هذه المنظمات التنكر بزي المنظمات اليسارية وممارسة ابشع اساليب القتل والتعذيب خاصة على فقراء الفلاحين المعدمين والاميين.

على ان هذا لا يعني ان "الدرب المضيء" في البيرو لا تتحمل مسؤولية "الارهاب" بل تشاطر هذه المنظمات الخراب، فالدرب المضيء منظمة جد متطرفة، مارست عمليات قتل كبيرة ضد "المرابعين"، اي صغار الفلاحين، وضد الفقراء تحت شعارات "الثورة الثقافية" في المحافظة على الاخلاق الحميدة ومنع الانحلال وما شابه...

ما علينا،،،

شعرت وانا اقرأ رواية يوسا، انحياز مطلق ضد "الدرب المضيء" وتسديد حساب مع اليسار، والحال ليس كذلك بالضبط فهذه المنظمة رغم كل تطرفها ومشاركتها في الارهاب، وهي لا زالت تحمل السلاح للان، الا انها تحظى بشعبية كبيرة في البيرو. وربما تستطيع ايصال مرشحها للرئاسة كما استطاعت المنظمة المماثلة لها "التوباماروس" في الارغواي...

تعليقات

Comment Icon

في الرواية يحظر العنف اللغوي إلى جانب العنف الفعلي

حميدي | 04/03/2010, 17:06 [ الرد ]

Comment Icon

لقد مللت فارغاس يوسا.. مللته هو و كلامه الفارغ و زعبرته الشعبوية (لا ينفك عن اتهام كلّ شيء يخالفه بالرأي بأنه شعبوي.. عندما هو بذاته للشعبوية مثال, و مقالاته في بعض الصحف الإسبانية التي تتبنّاه مثال).

ماريو فارغاس يوسا, النيوليبرالي الداعم لسياسات المحافظين الجدد و لكل التدخلات العسكرية و المخابراتية الأمريكية في كلّ أنحاء العالم (و تاريخ عمل المخابرات الأمريكية في أميركا اللاتينية في الثمانينات هو تاريخ دموي و عنيف جداً, و يعرف أستاذنا محمد عمر عمّا أتحدث).. استطاع بكل وقاحة أن يقول في مقابلة على الراديو منذ فترة أن الأمريكان الجنوبيين متخلفين لأنهم ما زالوا يؤمنون بالعنف كوسيلة لتحقيق غايات سياسية.. بالطبع تتكلّم حمامة سلام هنا, اجتياح العراق أو إسقاط حكومات شرعية بيد أمريكية مثل تشيلي (و اليوم هو داعم شديد للوريث السياسي لبينوشيه, الجنرال اليميني الفاشي العميل للمخابرات الأمريكية الذي أسقط حكومة الدكتور سلفادور أليندي في تشيلي و قتله بكل جبن عام 1973)..

أكره الأبواق التي تتلاعب بالألفاظ مثل هذا الكاتب.. ما يفعله أعداؤه هو عنف, و ما يفعله أصدقاؤه هو "عمليات".

على فكرة... عنصريته تجاه السكان الأصليين لأمريكا الجنوبية و شتائمهم لحركاتهم المطالبة بحقوقهم بعد قرون من السحق تثير الاشمئزاز و القرف..

عذراً على "التعصيبة" و لكن هذا الشخص (يعمللي عصبي) كما يقولون.. و لا يغلبه في إثارة قرفي إلا ابنه ألبارو.. المجبول على استخدام كلمة "يسار" كشتيمة... وهو أيضاً كاتب و صحفي

عذراً للإطالة

تحياتي

ياسين السويحة | 04/03/2010, 18:11 [ الرد ]

Comment Icon

سلامات
حميدي، معك حق الرواية كلها بتمتاز بعنف لفظي، رواية "برازية"..
ياسين
معلش طول بالك. بغض النظر عن اراء يوسا الا انه روائي من طراز رفيع.
على اي حال، معك حق في موضوع العنصرية، ربما في هذه الرواية يكشف عنصريته بشكل حقيقي تجاه ابناء بلده، وخاصة عندما يتحدث عن التخلف والجهل والخرافات والسائح الفرنسي وصديقته والمهندس الاميركي وغيرهم، ما يظهر نزعة غربية شديدة لا ترى الحضارة الا عند هؤلاء الغربيين مقابل الاستهانة او نعت الحضارات الاخرى، الانكا والمايا وغيرها بالجهل والتخلف والعنف والبربرية...
تحياتي

محمد عمر | 05/03/2010, 13:09 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba