مشكلة الفلسطيني: المراجعة النقدية...!
29 حزيران, 2010
كعادتي التي لا تتغير، نزلت مشي الى وسط البلد قبل ايام، ومارست هوياتي جمعيها، من التسكع والكسدرة امام محال الدي.في.دي، الى شراء قطعة الهريسة والجلسة على درج البريد..
وبالطبع أنهيت الجولة بالمرور على المكتبات، وقد لفت نظري كتاب صدر حديثا لدى الدار الأهلية للنشر للشاعر عز الدين المناصرة بعنوان:"الثورة الفلسطينية في لبنان 1972-1982".

ولأنني عشت جزءاً من هذه الحرب، وعشت حصار بيروت وخرجت مع مقاتلي "الثورة" إلى طرطوس، فقد سارعت الى شراء الكتاب. لا بل عدت مسرعا الى البيت لقراءة الكتاب الضخم، 530 صفحة.

انكببت على الكتاب، أسابق الصفحات للوصول إلى القسم الذي لفت نظري أكثر في الكتاب "مراجعة نقدية".

كنت اعتقد ان المناصرة سوف يقدم مراجعة نقدية شاملة لتجربة الثورة الفلسطينية الحديثة في لبنان، واكتشفت انه عوضا عن ذلك قدم "مرافعة فلسطينية" طويلة،
 
وبدا الكتاب كأنه وضع للرد على كل ما أصاب "الثورة الفلسطينية" من نقد وصل حد التشويه والتجريح والتجني من قبل فئة كبيرة من اللبنانيين، الذين ذهبوا إلى حد اعتبار "الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1989" منتجا فلسطينيا.

المهم،،

لجأ المناصرة في كتابه الى المزج بين شهادته الشخصية للوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، وبين عشرات الوثائق التي احتواها الكتاب نقلا عن مصادر اخرى، كما زاوج في أسلوبه بين لغة السرد "الروائي" وبين لغة "الصحفي".

في خضم "مرافعته" عن الفلسطيني و "الفلسطنة" حشد المناصرة عشرات الوثائق حول الوجود الفلسطيني المدني في لبنان، وما كان يتعرض له الفلسطينيون، ولا زالوا، من اضطهاد وتمييز. وما قدمه هؤلاء للبنان، ولم يدخر جهدا في الكشف عن "ازدواجية" خطاب "الجبهة اليمنية اللبنانية المارونية" التي ترفض الان منح بعض الحقوق المدنية للفلسطينيين فيما كانت اسمهت في خمسينات القرن الماضي بتجنيس نحو 50 الف مسيحي فلسطيني، الرقم غير متفق عليه وهو يتراوح بين 15 الف الى 75 الف بحسب روايات لبنانية، من الاغنياء الفلسطينيين للاستفادة من خبراتهم في الشؤون المالية والتجارية.

كما لم يدخر المناصر جهده في محاولة كشف زيف خطاب اليمين اللبناني "الطائفي" والطبقي في ان عندنا اورد شهادات عن "ابادة" مخيم "ضبيّة" الذين كان يقطنه مسيحيون فلسطينيون موارنة.

على كل، يبدأ المناصرة القصة من أولها، ويعود إلى "جذور" مشكلة الفلسطيني في لبنان، يعود الى ما قبل النكبة للرد على مقولة : ان الفلسطينيين باعوا بلادهم" ويورد عشرات الشهادات من مصادر مختلفة حول مبيعات الأراضي في فلسطين قبل النكبة، مشيرا بشكل خاص إلى دور العائلات اللبنانية والسورية والجزائرية التي باعت 94% من إجمالي الأراضي المباعة الى اليهود.

ثم يوثق لمقاومة الفلاحين الفلسطينيين لعمليات بيع الأراضي، وللمجازر التي تعرض لها الشعب الفلسطيني خلال النكبة.

ثم يعالج تاريخ العلاقة الإسرائيلية مع الجبهة اليمنية المارونية منذ اتفاق عام 1936، بين الكنيسة المارونية وممثلين عن الحركة الصهيونية وظهور مقولة : "وطن قومي لليهود في فلسطيني ووطن قومي للموارنة في لبنان". بعدها يخوض في تحليل "شخصية الماروني" و "ثقافته المتعالية".
المهم،،،
تحتل الوثائق والشهادات والاقتباسات المطولة التي يوردها المناصرة حول : الحرب الأهلية والدور الفلسطيني فيها، مجزرة مخيم تل الزعتر، حصار بيروت واجتياح عام 1982 ومجزرة صبرا وشاتيلا، إضافة إلى ما سبق، اغلب صفحات الكتاب، وهو ما أعطاني الانطباع بكون الكتاب مرافعة، أو "تبرئة ذمة" للوجود الفلسطيني المسلح.

يستحق الكتاب/المرافعة ان يحوي غلافه عنوانا فرعيا هي مقولة الصحفي الأسترالي توني كليفتون، صاحب كتاب "
بكى الله"، التي يستشهد بها المناصرة:"مشكلة الفلسطيني، هي على ما يبدو، انه فلسطيني"..
ما علينا،،،

قد لا اختلف مع المناصرة في أن الحرب الأهلية في لبنان لم تكن "حرب الآخرين" ولم تكن "منتجا" فلسطينيا بقدر ما كانت توريط إسرائيلي / يميني لبناني للفلسطينيين في حرب "قذرة" ليس لهم فيها لا ناقة ولا بعير، بل بالعكس فقد أضعفتهم ودفعتهم نحو تقديم التنازل تلو الآخر.

قد يكون كتاب المناصرة ضروريا لعدة اسباب منها ما اراده المؤلف، بحسب انطباعي، ومنها تسجيل شهادته الشخصية لـ"التاريخ"، وربما للاجيال الحالية والسابقة خاصة بعد كل التجني والتشويه الذي لحق بصورة "الثورة الفلسطينية" من قبل العنصريين والأنظمة العربية المتخاذلة والمتواطئة في آن.

وبالطبع، فان المؤلف حر فيما يكتب ولماذا يكتب، وهو اراد ان يؤرخ لـ"المقاومة الشعبية" بعيدا عن السياسة والتنظيمات والقيادات، بحسب رأيه. لكني كقاريء، أو مشارك، كنت انتظر أكثر...

ما كنت انتظره انا شخصيا هو مراجعة نقدية شاملة، تقول ما لنا، لكنها يجب ان تقول ما علينا أكثر. خاصة وان الكتاب لا يخلو من "لمحات" نقدية لتجربة الثورة، سواء أكان في الفصل الذي أشرت إليه أو في ثنايا الكتاب ككل، وقد كنت انتظر "تحليل" معمق لهذه "اللمحات"، خاصة لدور الراحل ياسر عرفات وتفرده بالقرار، وأسلوب قيادته للثورة، التي أشار إليها المناصرة أكثر من مرة، والتي عانى منها هو شخصيا.

أشار المناصرة بإسهاب إلى دور المثقفين الفلسطينيين والعرب خلال حصار بيروت، ولم يخلو الأمر من بعض "نرجسية المثقف" في الحديث عن دوره الشخصي، لكن هذا شأنه.

لكن الغريب ان هؤلاء المثقفين الذين كانوا جزءا من "الثورة"، وكانوا كما يصف بعضهم نفسه "مثقفين عضويين"، وأسهموا في بعض معارك الثورة كحالة المناصرة وغيره خلال "حصار بيروت" تحديدا تخلو عن دورهم الحقيقي وهو النقد ثم النقد.

بالنسبة لي شخصيا، اعتقد ان "تحسين صورة الفلسطيني" ودفع الأذى عنه، وتنظيف ما علق به من تشويه وتجني لا يمكن ان تتم لا بكتب ولا بتنظير، انما بالفعل، وقد شهدنا خلال الانتفاضتين ثم خلال العدوان على غزة ما يشبه "عودة الروح" وعودة الصورة المشرقة للنضال الفلسطيني.

ما أحوجنا الآن، في ضوء ما وصلنا إليه من وضع إلى مراجعة نقدية حقيقية، والتخلص من نفس العقدة اللبنانية، التي انتقدها المناصرة نفسه، برمي مصائبنا وإخفاقاتنا على الآخرين، او الاكتفاء بتبرئة النفس امام الناس والتاريخ.

على اي حال، لا يعني كل ما سبق التقليل من أهمية كتاب المناصرة، بالعكس فقد قدم كتابا "تأريخيا" مهما جدا، وبذل جهدا واضحا في جمع وتوثيق مجريات الحرب الأهلية ولاحقا الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وأضاف إلى كل هذا الجهد تسجيل شهادته الشخصية على الأحداث. فخرج بكتاب "مرجعي" شامل لدور الثورة الفلسطينية في لبنان.

تعليقات

Comment Icon

إعتقد أن تشويه صورة الفلسطيني في كل مكان هي سلسلة التنازلات التي قدمتها قيادة الثورة ، إضافة إلى المؤامرات ضدهم من الأنظمة العربية

hamede | 29/06/2010, 20:48 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba