الهوية الفلسطينية ليست معطىً ثابتاً...!
14 نيسان, 2011
قبل أيام لفت نظري ان احد كارهي الشعب الفلسطيني غلب حاله وعمل صفحة على فيسبوك لتذكير الفلسطينيين بالمادتين (4) و (5) من الميثاق الوطني الفلسطيني...
اعتقد ان هدف الرجل من التذكير بهاتين المادتين تحديدا هو ان يقول للفلسطيني:" لا تنكر اصلك، ولا تنسى انه هويتك الوطنية أزلية، أبدية، لا تفنى ولا تستحدث ولا تتحول من شكل إلى آخر".

"المادة (4): الشخصية الفلسطينية صفة أصلية لازمة لا تزول وهي تنتقل من الآباء الى الأبناء وإن الاحتلال الصهيوني وتشتيت الشعب العربي الفلسطيني نتيجة النكبات التي حلت به لا يفقدانه شخصيته وانتمائه الفلسطيني ولا ينفيانهما.

المادة (5): الفلسطينيون هم المواطنين العرب الذين كانوا يقيمون إقامة دائمة في فلسطين حتى العام 1947. سواء من اخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد من أب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني
.".

هالمناسبة السعيدة ترافقت مع قراءتي لكتاب "الهويات القاتلة" للبناني الفرنسي أمين معلوف، وترافقت مع الاحتفال بالعيد الـ75 لميلاد الشهيد الروائي والمبدع والمناضل غسان كنفاني.
بالنسبة الي وين وجه الربط بين الثلاث..

غسان في روايته "عائد إلى حيفا" كان أول فلسطيني يجرؤ على نقاش مسألة الهوية، وتحديدا الهوية الوطنية الفلسطينية بكونها هوية ليست ازلية فطرية، معطى لمرة واحدة وجامدة، بل متغيرة ومنفتحة، ومكتسبة ومركبة وتتأثر بمحددات وعوامل عدة كونها مسألة "وعي" ويمكن حتى رفضها والتخلي عنها.

في الرواية عائلة فلسطينية تترك ابنها الرضيع "خلدون" أثناء النكبة، وبعد سنوات طويلة تعود للبحث عنه فتجده عند عائلة يهودية تبنته وربته وصار اسمه "دوف" وجندي في الجيش الصهيوني، يرفض "دوف" ان يعترف بـ"أصله" وان يعود لأهلة وينكر هويته ويصر على قتال "قومه" الأصليين.

إصرار "دوف" على قتال أهلة لم يكن لأسباب "انتقامية" أبدا كما حاولت الأفلام والمسلسلات تصويره، انما لأن غسان يريد أن يقول إن "الهوية مكتسبة" وان "دوف" هو "دوف" وليس "خلدون" كما يريد له اهله.
 
وهذه الثيمة هي لب كتاب أمين معلوف "الهويات القاتلة"..

لا أريد ان أقول إن غسان استبق معلوف فمشكلة الهوية مشكلة قديمة قدم عهد الإنسان بأول الفكر الإنساني.

وقد يكون غسان تأثر، وأراد أيضا مخالفة، قصة "حي ابن يقظان" لابن طفيل، التي تناقش فكرة الهوية الدينية و"فطرة" الإنسان عليها. ذلك أن هناك تشابها كبيراً بين القصتين.

وأكاد اجزم أن غسان الذي كان صاحب نزعة "وجودية"، كما ظهر ذلك في قصة "موت سرير رقم 12"، أو في روايته "الشيء الآخر.. من قتل ليلى الحايك" أو حتى "رجال في الشمس" او في بعض رسوماته ورسائله لغادة السمان، تعمد أن تكون "الهوية" ثيمة روايته الأساسية وانه كتبها للرد على "التيار الوطني اليميني الفلسطيني"، المتنامي والذي فرض نفسه على ساحة العمل الفلسطيني حينها.

وقد دفع الشهيد كنفاني ثمنا باهظا بسبب روايته هذه، وانتقد بشدة عليها، وخصوصا من رفاقه بالجبهة الشعبية، واذكر انه عندما وافقت الجبهة على تمويل فيلم المخرج العراقي قاسم حول المأخوذ عن الرواية دار جدل كبير حول الفيلم واضطر المخرج إلى "مسخ" الفيلم والرواية للتركيز على "نضالات الفلسطيني" بدلا من نقاش الثيمة الأساسية للرواية ألا وهو موضوع الهوية.

وعمليا فأن اغلب من تناول الرواية لاحقا وحولها إلى مسرحية أو مسلسل تجاهل ثيمة الرواية الأساسية مركزا على "نضالات ومعاناة" الفلسطيني.
ذلك أن نقاش "هوية" الفلسطيني منذ "الميثاق" وقصائد محمود درويش، تحولت إلى "تابو" وخط احمر.

وعلى هيك صار كل من هو "من اصل فلسطيني" يتجرأ على القول انه ليس فلسطينيا يجرم ويخون ويعتبر "كارها لذاته" وناكرا لأصله".

وعلى كل، فمن النادر أن تجد من هو من اصل فلسطيني "ينكر أصله" رغم أن أكثر من نصف الشعب الفلسطيني لا يعرف فلسطين : كشيء ملموس كـ"بشر وحجر وشجر" وبيئة ثقافية، انما "فكرة وحلم".

هذا الأمر قد يستغربه البعض.
 
وسمعت احتجاج من إحداهن في ندوة عقدت بعمان قبل ثلاثة ايام، لأنها كلما سألت فلسطينياً من وين أنت يرد فورا :" من يافا أو حيفا أو أريحا"، ولا يجيب بانه من ولاية ويسكنسون أو من سوريا أو من عمان..

هل الفلسطيني خارج التاريخ، وخارج العلم، وهل كان غسان كنفاني ومعلوف وكل من درس مسألة الهوية والشخصية الوطنية على خطأ، وهل هوية الفلسطيني معطى أزليا لا تفنى ولا تستحدث ولا تتحول من شكل إلى آخر.

وهل يكون الفلسطيني ناكرا لجميل الأوطان التي يعيش فيها عندما يرد بأنه من الوطن الذي يعيش في داخله، اي فلسطين؟
هذا السؤال يرد عليه المفكر اللبناني غسان سلامة باختصار في مقالته المهمة "الهوية الفلسطينية في عصر العولمة"
 
:" أبناء فلسطين وإخوتهم وأعداؤهم والغرباء البعيدون عنهم، كلهم يدركون ان جل حريتهم هو في تمكنهم من اختيار هويتهم، من قول من هم، لأنفسهم كما للغير، من دون أن يفرض عليهم أحد مضمون تلك الهوية. ولا ينبغي أن تكون حريتهم أنقص من حرية غيرهم. فإذا كان من حق الفلمنكي المقيم في بروج أو في غانت ان يعتبر نفسه بالأساس فلمنكياً، أو بلجيكياً، أو أوروبياً أو غربياً أو كاثوليكياً أو ما سبق معاً في الترتيب الذي يراه، فلماذا يُحرم الغزاوي من أن يعتبر نفسه بالأساس غزاوياً أو فلسطينياً أو عربياً أو مسلماً أو من أبناء العالم الثالث - أو كل ذلك معاً وفق أفضليات يحددها بنفسه؟ وعندما يقول الفلسطيني انه بالأساس فلسطيني فإنه في الواقع لا ينكر المكونات الأخرى لشخصيته السياسية، أو هكذا آمل، لكنه يغلّب عنصراً بعينه لاعتباره أن تغليب ذلك العنصر هو الرد الظرفي المناسب لزعم إحداهن، وقد ترأست يوماً حكومة إسرائيل، بأن ليس هناك شيء يدعى شعب فلسطين. فالتغليب هنا ليس نتاج تحليل ثقافي بقدر ما هو استنساب موقف سياسي في مرحلة ذهب فيها العدو من سلب الأرض إلى إنكار مجرد وجود أصحابها.".

تعليقات

Comment Icon

فقدان البوصلة اتجاه الوطن أمر سيء و مزعج و غير مقبول ساعدت عليه بعض التغولات التي تريد ذلك و أقول أن الوطن لايحمل هويتنان فقط هي هوية واحدة و فيما يتعلق بالأردن فإن الستة ملاين مواطن الذين يعيشون في كنف الأردن و يحملون رقمه الوطني هم أردنيون بدون أي انتقاص و الستة ملاين مواطن المذكورين هم مقاتلين شرسين بجانب أشقائهم الفلسطينين لدعم حقوقهم المشروعة في إقامة دولتهم و عاصمتها القدس الشريف

يوسف سرحان | 14/04/2011, 11:50 [ الرد ]

Comment Icon

التدوينة معقدة نوعا ما وواضح انك تبذل جهد مش عادي للتوفيق بين اعتزازك بفلسطينيتك ومحاولة اقناع الاخر انه لم يدخر الفلسطيني جهد ببناء البلد وكونه الفاعل الرئيس بهاوالمدافع الاول عنهاوالاعتزاز بها ايضا وطوبى لك ولمن هوياتهم عصية على النسيان والاندثار وهي امتداد لمنجز حضاري من ايام الكنعانين وهي اغتزال تاريخ طويل نعتز به بتطريزة حرير على ثوب فلاحة فلسطينية اما من هم هوياتهم ممزقة ومهترئة فليخجلو من انفسهم فانت تحترمهم جدا عندم تخاطبهم بالوثائق والمنهج العلمي

غسان | 14/04/2011, 12:00 [ الرد ]

Comment Icon

انا بظن السبب هو انو الفلسطيني ما طلع من ارضو بكيفو بل هو غصب على ذلك . فهيه بتحز بنفسك!! بس انا واحد ابي غادر فلسطين بأرادته و انا بكره ممكن ارجع بأي وقت لذلك اقول عن نفسي اردني , من عمان لأني بأرادتي اخترت الاردن وطن و الاردن مكان ولادتي وتربيتي ..

alaa alkilani | 14/04/2011, 12:38 [ الرد ]

Comment Icon

"الشخصية الفلسطينية صفة أصلية لازمة لا تزول وهي تنتقل من الآباء الى الأبناء".
فعلا هذه فقرة كوميدية، فالمعروف أن المادة هي التي لا تفنى ولا تُستحدث من العدم ولكنها تتحول من شكل إلى آخر. فهل "الشخصية الفلسطينية" حجر أو فحم أو بنزين أو ماء؟

هشام غانم | 14/04/2011, 14:15 [ الرد ]

Comment Icon

لا الفلسطيني و لا المادة و انما الطاقة لا تفنى و لا تستحدث و انما تتحول من شكل الى اخر و بالنسبة الى الفلسطينيين الذين بقوا في الارض المحتلة بقوا بكامل ارادتهم و لو ارادوا لهاجروا الى جميع دول العالم و معروف للجميع مدى سهولة الحصول على فيز للهجرة من السفارات الاجنبية في القدس المحتلة و ايضا لا ننسى عودة ما يزيد عن 15 الف فلسطيني الى وطنهم منذ بداية التسعينات

فارس | 17/04/2011, 23:49 [ الرد ]

Comment Icon

عندما يرقى أي وطن إلى مستوى القيم الأساسية للدولة الوطنية الحديثة، مثل المواطنة وسيادة القانون وحقوق الإنسان والمساواة، فإن تلك الروح الانقسامية التي تزعزع نسيج الدولة والمجتمع تزول تلقائياً ويعاد ترتيب أجندة المواطن لينشغل في القضايا الأساسية التي تصنع الأوطان وترفع من شأنها وشأن مواطنيها.
هذا الجو المربؤ المتصاعد هو مؤشر على أن الدولة عندنا لم ترقى إلى مستوى الدولة الوطنية الحديثة وأنها مشغولة بما هو عبثي وغير مهم وبالضرورة يحول البلاد والعباد إلى شيء غير مهم ومأزوم وقابل للإنكسار. وهذا المؤشر بحد ذاته مبرر أساسي لإحداث إصلاحات سياسية جذرية وعاجلة.
المواطنة مسألة فردية وليست جماعية ويستطيع الإنسان في هذا العصر أن يغير هويته الوطنية متى شاء (أو لنقل عندما يستطيع)، فهناك أردنيون أصبحوا استرالييين أو أمريكيين أو حتى سعوديين وتنازلوا عن جنسيتهم الأردنية، ولكن لا تستطيع الدولة أن تنزع الهوية الوطنية لأي مواطن فهذا قرار الفرد وليس الدولة.

سناء أصفهان | 15/04/2011, 08:53 [ الرد ]

Comment Icon

الاقليميون في الاردن يريدون تحويل ما يسمى بالاردنيين من اصل فلسطيني الى مجرد دافع للضرائب و الرسوم دون اي حقوق سياسية او اجتماعية نظير استضافتهم في الاردن مع ان هذه الاستضافة ليست مجانية فهم لم يحصلوا على الاراضي بالمجان و انما اشتروها بكدهم و عرقهم و عمروها باموالهم و حتى الاراضي المقام عليها المخيمات الفلسطينية هي اراضي مستأجرة من قبل وكالة الغوث و معظم النفقات التي تقدمها الحكومة هي مساعدات دولية حصل عليها الاردن نظير وجود اللاجئين على ارضها مع انهم مواطنين اصليين بحكم الاتحاد الذي حصل بين الضفتين و حكم الدولة الواحدة من ايام العثمانيين و نحن لن نتنازل عن اي من حقوقنا سواء في فلسطين او الاردن

فارس | 18/04/2011, 08:16 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba