اليوم الجمعة، يمر طويلا ، رتيبا ومملا، المكتب خال من اي زميل، والشوارع هادئة تماما، سيارات محدودة تمر مسرعة بالقرب من النافذة، صوت مذيعة الاخبار تعدد قتلى الحروب.
لا ادري لماذا يشعر اغلب الناس بالممل ، وربما بالكآبة يوم الجمعة، الذي هو مفترض يوم للراحة، كان الواحد منا اذا اراد ان يصف شخصا طويل القامة يقول “اطول من يوم جمعة”.
في كل جمعة تداهمني افكار ومشاعر حزينة، واليوم، تذكرت ترحالي في اكثر من بلد ، رحيلي المستمر من منزل الى منزل، وكأني منذور لرحلة ليس لها ان تتوقف.
بيني وبين الرحيل المتواصل عروة وثقى لا تنفصل، لا يكفي انني ابن مهاجرين ولاجئين، لا يكف البعض عن النظر الينا كضوف مؤقتين، فلقد قضيت حياتي متنقلا من دولة الى اخرى ومن منزل الى الاخر.
ولكن الاصعب من الرحلة الخارجية هو الرحيل الداخلي الذي لا يتوقف بحثا عن الذات وبحثا عن معنى للحياة، بلغت السابعة والاربعين ولا زلت غير قادر على فهم نفسي ولا ما اريد، السؤال الذي بقي دوما يشغل حياتي كلها : لما جئت والى اين ذاهب؟؟.
“على قلق كأن الريح تحتي”، ابو الطيب المتنبي…
في لحظات كهذه استذكر لوحتي المفضلة التي تركتها في منزل ما، اللوحة التي رسمها الفنان الهولندي فنسنت فان غوغ قبل عام ونصف من وفاته، وعنونها باسم “غرفة في آرل” “Room at Arles” او غرفتي بحسب بعض الترجمات العربية، وفان غوغ هو الاخر تنقل كثيرا وبقي غير مستقر موطنا ومنزلا ونفسيا حتى جن وانتحر.
على كل سينتهي الجمعة وتذهب معه حالة الشعور بالكآبة، ولكن سيبقى جمر السؤال يحرقني. وستبقى الحياة اوديسا ولكن نخوضها بزورق مكسور.
mohmo60@hotmail.com
صديقي باتر
هذه اللوحة رسمها غوغ عام 1889 اي قبل عام ونصف على انتحاره، وفان كوغ رسم خلال السنوات العشر الاخيرة اكثر من 90% من اعماله وقد غلبت المواضيع الذاتية على رسوماته، فهو رسم نفسه اكثر من اي فنان عالمي، كما رسم جميع المنازل التي عاش فيها، وكل فظاظات الحياة اليومية التي عاشها.
لوحته هذه والطريقةالتي رسمها واستخدام الالوان وخاصة الازرق تمثل امتداد طبيعي تقريبا للمشاهد الخارجية التي امتاز بها غوغ في بداية حياته، فهي تعطي انطباعا بتوق الفنان الى الفضاء الخارجي اكثر مما قد تكون مجرد غرفة فان نظرت الى اللوحة تجد ان الغرفة رسمت كما لو كانت وضعت تحت عدسة سينمائية مكبرة لتلتقط جميع الزوايا،وتبدو الغرفة غير متساوية الاطراف لذلك تبدو كامتداد طبيعي للفضاء الخارجي.
كما ان غوغ رسمها دون اي ظلال وهو الشهير باستخدام الضوء والظل، فجعلها تبدو كفضاء متسع كما لو كانت تحت ضوء شمس ساطعة، وغلب عليها اللون الازرق وارضية الغرفة تبدو كما لو كانت مسطحا عشبيا او سهلا حصد قريبا.
واذا نظرت الى قوائم السرير والمقاعد تجد ان فان رسمها كما لو كانت قوائم واطراف انسانية، بما قد يعطيك انطباع على مدى وحدة الفنان في ذلك الوقت بعد ان فقد عقله تقريبا وفقد صديقه الفنان “غوغان وعشيقته”، ولم يتبقى له سوى شقيقه ثيو.
اجمالا اللوحة تبدو بالنسبة لي سر غامض، اتذوقها باحساسي اكثر من تذوقها كفن تشكيلي كما بقية اللوحات الاخرى.
وشكرا
محمد عمر | 11/01/2008, 12:51
الأستاذ محمد عمر المحترم
بما أنني أعمل في مجال إنتاج المناظير الداخلية أريد أنْ أعلّق فقط على قولك: “الغرفة رسمت كما لو كانت وضعت تحت عدسة سينمائية مكبرة لتلتقط جميع الزوايا”.
مشهد الغرفة الذي أمامنا مرسوم بطريقة منظور “عين السمكة” fish eye perspective ، لكن عين السمكة هذه هي الأقل تطرفاً، إذا جازت العبارة. و عين السمكة تستطيع الرؤية إلى الأشياء بزاوية قد تصل إلى 360 درجة. و نحن نستعمل هذا النوع من الرسومات في أحيان قليلة، و من الأحيان القليلة هذه، أنْ يكون الفراغ الذي نحن بصدد رسمه كبيراً و عريضاً جداً، و نريد إظهار أكبر كمية ممكنة من أجزائه في لقطة واحدة. Snapshot
و من المعروف أنّ عين الإنسان العادي بوسعها الرؤية بزاوية قصوى مقدارها 60 درجة، أمّا الكاميرات السينمائية الحديثة فبوسعها التصوير بأي زاوية تقريباً؛ غير أنّ الزاوية إذا زادت عن 60 درجة يحصل تشوّه distortion. يكون على شكل بيضاوي. و التشوّه هذا، هو ما سمّيتَه أنت ب”عدسة سينمائية مكبرة لتلتقط جميع الزوايا”. و تفسيري الشخصي (الذي لا ألزمك به) لرسم فان غوغ غرفته بمنظور عين السمكة هو كالتالي: إنّ التشوّه الناجم عن قسر العين على الرؤية بزاوية أكبر من 60 درجة هو كناية عن “اتساع الرؤيا” (النفري؟) الذي بلغه غوغ. و إذا عرفنا أنّ عين الإنسان لا تستطيع الرؤية بزاوية أكبر من 60 درجة نستطيع القول أنّ غوغ يريد أنْ يوحي لنا أنه “يرى ما لا نرى”، أو ما لا يرى الإنسان الطبيعي.
لا أعرف يا أستاذ محمد إنْ كنتَ تعرف تفاصيل رسم المناظير و اللوحات الفنية (أقصد الناحية الهندسية، كخط الأفق و خط الأرض و ارتفاع العين و الsp أي نقطة إلتقاء الأشعة الهندسية…الخ. إذا كنتَ تعرف هذه التفاصيل فلا بد أنك تعرف أيضاً أنّ هذه اللوحة لا يمكن أنْ تظهر بشكلها الحالي إلا بواسطة كاميرا سينمائية افتراضية، أي غير موجودة سوى في بعض برامج الكومبيوتر الحديثة. خصوصاً أنّ رسم المناظير يعتمد على مبدأ الرؤية إلى الأشياء بعين واحدة فقط. و هذا كله يقول أنّ فان كوخ كان عبقرياً و سابق عصره في تقنية رسم المناظير.
هاشم غانم | 11/01/2008, 12:51
هذه اللوحة لها تأثير غريب. أعرف زميلة سافرت إلى هولندا وذهبت خصيصا إلى متحف فان غوخ في أمستردام من أجل شراء نسخة مقلدة من اللوحة وأحضرتها معها إلى عمان لتعليقها في غرفتها. أنا شخصيا بما هو معروف عني من جمود في إستيعاب ثقافة الرسم لم أفهم القيمة الحقيقية لهذه اللوحة ولا أزال حتى الآن.
باتر وردم | 11/01/2008, 12:50 [ الرد ]