“الكيتش: هو النفي المُطلـَق للقذارة بالمعنيين الأدبي والصُوَري للكلمة، يعمل الكيتش على خلق عالم طاهر حيث الأجوبة كلها موجودة مسبقاً والأسئلة مطرودة.هو ليس فقط عملاً قليل الذوق، بل يحتوي أيضاً على موقف وسلوك رخيصَيْن. هو حاجة الإنسان التافه إلى عمل رخيص، الحاجة إلى التحديق في مرآة أكذوبة التجميل، حتى تغرورق عيناه بدمع الفرح والرضى لرؤية انعكاس صورته الخاصة”.. ميلان كونديرا
سوف اكتب اليوم مدونة من وحي تهتكي الشديد، وهذا التهتك اصابني بعد اكثر من أربعين سنة عشتها في عالم “الكيتش” الذي تحدث عنه “زميلي العزيز”، في التهتك طبعا، ميلان كونديرا في روايته “خفة الكائن التي لا تحتمل”.
نكاية بالكيتش هذا، وفي ترجمته العربية يدعى “الطهارة”، وبعد سنوات من الحشر الأخلاقي والإيديولوجي والاجوبة الجاهزة، وشوافات البغال الموضوعة على الأعين، واقفاص الدجاج واغنام القطعان بعد كل هذا لم يصيبني ما اصاب “النمور في اليوم العاشر”، بل خرجت من قفصي بعد التجويع المعرفي هذا وانا في نهم لمعرفة كل ما هو جديد وغريب ومضاد للطهارة.
وليس غريبا ان احفل كثيرا بالعوالم الغرائبية والغريبة والهوامش، اضافة الى النهم المعرفي في كل شيء.
احد العوالم التي شغفت بها هو عالم المثلية الجنسية، فنا وادبا وتاريخا ومجتمعا. هاجرت من ملصقات الثورة وصور الشهداء على الجدران ولوحات الفن الواقعي الاشتراكي الساذج، الى كل ما هو غريب في الفن.
بداية فلتاني الأخلاقي هذا عثرت في الفن على لوحة الفنان الايطالي جيوفاني أنطونيو باتسي، الملقب بسدوم، “سانت سيبستيان دي سدوم”، وهي لوحة زيتية على القماش رسمها سدوم عام 1225، بمقاسات 206 في 154، وهي موجودة في متحف بلانتينيا بفلورنسا، طبعا لم أشاهد اللوحة الاصلية ولكني اشتريت نسخة مقلدة، من المخجل ان اعرض لها او انتقدها.
ولكن العمل على الانترنت وفر لي فرصة سحب وطباعة نسخ اكثر دقة واقرب الى اللوحة الحقيقية. اما الفنان فهو بحسب ول ديورانت في “قصة الحضارة”، لقب بهذا الاسم “سدوم” من قبل معارفه “السفهاء” لانه كان لا يستحي من التصريح بانه يتشهى الرجال، وكان يرتضي بهذا اللقب منشرح الصدر نكاية بالكثير من الرجال الذين يستحقونه ولا يحصلون عليه اما خوفا او قلة حيلة.
سدوم، والاسم يشير الى قصة سدوم وعمورة في الكتاب المقدس وهم اهل “لوط” في القرآن، ولد في فرتشيلي 1477 في ايطاليا وهو من فناني أواخر عصر النهضة وقد قلد أعمالا لليوناردو دافنشي، وبعض الناس يخلط بين لوحات الاثنين.
اما لوحة “سان سيبستيان”، فهو رسمها كاغلب لوحاته، بحسب النقاد، متخذا من موضوع ديني هو مقتل القديس “سانت سيبستيان”، لاخفاء ميوله الجنسية والحصول على موافقة الكنيسة في رسم صور شبه عارية اكزوتيكية للرجال، خاصة انه كان مقربا من البابا يوليوس الثاني وقد كلفه بتزيين حجرة نيقولاس الخامس بالفاتيكان ، ثم طرده لاحقا بسبب تهتكه وحياته التي تتوافق مع لقبه، بحسب ديورانت، واستبدله البابا بالفنان الشهير رفائيل.
اما لوحة سان سيبستيان، فهو يظهر القديس الشاب عاريا تقريبا الا من خرقة قماش ربطت على وسطه مقيدا الى جذع شجرة شبه ميته، تخترق جسده الامرد الجميل والمصقول، النبال من كل صوب، وفي أعلى اللوحة ملاك طفل يتوهج نورا يحاول ان يضع إكليلا على رأس القديس. هذه اللوحة، أصبحت في وقت مبكر مع الطفرة الجنسية في اوروبا، رمزا او “ايقونة” للمثليين جنسيا.
ويشاع ان القديس سان سبستيان نفسه كان مثليا جنسيا، وقد اتخذوه ايقونة لهم ايضا، وانه كان على علاقة حميمة بالإمبراطور ديقلديانوس الذي امر بقتله بالطريقة التي رسمها سدوم. تقول الأسطورة ان القديس الشاب كان رئيسا لحمّلة النبال الإمبراطورية وانه شفع لاثنين من السجناء المسيحيين، في عصر اضطهاد المسيحية الابشع على يد هذا الإمبراطور. لكن الرواية الاخرى للتاريخ تقول ان القديس كان معروفا بميوله الجنسية المثلية وقد كان على علاقة شغف بالإمبراطور الذي اتخذ من شفاعة القديس للمسيحيين ذريعة لقتله بسبب الغيرة.
بالامكان مشاهدة اللوحة على الرابط التالي :
http://content.answers.com/main/content/wp/en/thumb/b/b6/300pxSodoma_Sebastian.jpg هذه اللوحة هي الآن تستعد “للبروزة” لأعلقها على
جدار الصالون الرئيسي في “العلبة” الفاخرة التي سوف اشتريها. من دواعي سروري ان زوار البيت، اغلبهم، سوف يعتقدون أنني متدين، شكرا لجيوفاني سدوم وتخفيه خلف الطهارة، ذلك ان هؤلاء الزوار لا يعلمون القصد الحقيقي للوحة، اما بعض قراء تدوينتي “البيورتانيين”، اي التطهرين ، سوف يعتقدون انني مثليّ الجنس. لست كذلك ولكني ضد الكيتش..!! بالمناسبة، ابتدعت قسما جديدا في مدونتي بعنوان “صورة على الجدار”، سوف اكتب فيه عن لوحاتي وصوري المفضلة وهذه من بينهم.mohmo60@hotmail.com
ها نحن نختلف الآن
“الكيتش هو الرداءة الخلابة”.
أعشق الكيتش، وحده قادر على إثارة الضحك في نفسي..
استمتعت بقراءة التدوينة.
كارمن | 26/12/2007, 09:34 [ الرد ]